الدرس في كتاب الصلاة 29، ألقاها
تناول المقطع أحكام صلاة الجمعة ووقتها وحدودها، وكيفية إدراك صلاة الجمعة وإدراك ركعة منها. كما بين أن الخطبة ركن من أركان صلاة الجمعة.
الخطبة في صلاة الجمعة واجبة، وقد دل على ذلك القرآن الكريم والسنة النبوية. يشترط للخطبة أن تكون خطبتين وتسبق الصلاة.
ذكر الفقهاء سنن الخطبة، منها ذكر الله والدعاء للمسلمين، وتولى الخطبة والصلاة من نفس الشخص. كما نصح بعدم الإكثار من الحركة أثناء الخطبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، مضى معنا في الباب العاشر من أبواب الصلاة، وهو الباب الذي ذكر فيه أحكام صلاة الجمعة، وذكرنا مسألتين فيما مضى، فندخل اليوم بإذن الله جل وعلا في المسألة الثالثة وما تيسر من المسائل. المسألة الثالثة: وقتها، أي وقت صلاة الجمعة. قالوا: وقت الجمعة هو وقت الظهر، من بعد الزوال إلى أن يصير ظل الشيء طوله. لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس». والحديث كما ذكر رواه الإمام البخاري رحمه الله. قالوا: وهو المروي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من فعلهم. وهذا لما ثبت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كان في زمنه لا يخرجوا إلى خطبة الجمعة حتى تزول الشمس. قد جاءت الآثار في ذلك بأسانيب صحيحة: «أن حتى تقع الشمس على طنفسة عقيل». قالوا: وذلك حين وقت زوال الشمس. فدل حديث أنس مع فعل عمر رضي الله عنه وأرضاه في عهد صحابة أجمع من غير معرفة مخالف له على أن هذا الأمر هو المعمول به في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفي زمن من بعده. فالقول الصحيح كما ذكرها هنا: أن وقت صلاة الجمعة هو كوقت صلاة الظهر، يكون بعد الزوال. قالوا: وعلى هذا، فمن أدرك ركعة منها قبل خروج وقتها، فقد أدركها. بمعنى أن الناس لو حصل منهم انشغال أو ما شابه ذلك، فأخرت الجمعة إلى وقت تدرك به ركعة، فمن صلاها حسبت له جمعة وعد له جمعة. فإن لم يدركها لم يكن مدركًا للجمعة. قالوا: وإلا صلاها ظهرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». لهذا الحديث لعمومه. وقد روى هذا الحديث ابن ماجة: «من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة». فإذن الجمعة تدرك بركعة. بمعنى أن الإنسان لو حصل له انشغال، فتأخر عن الجمعة حتى ما أدرك منها إلا ركعة، يكون بذلك مدركًا للجمعة، يصلي جمعة. المسألة الرابعة: الخطبة، أي حكم الخطبة في صلاة الجمعة. قالوا: الخطبة ركن من أركان الجمعة، لا تصح إلا بها، لمواظبته عليها وعدم تركه لها أبدًا. وهما خطبتان، يشترط لصحة صلاة الجمعة أن يتقدما على الصلاة. في هذه الفقرة ذكرت عدة مسائل. أولها حكم صلاة الجمعة، أو قل حكم الخطبة لصلاة الجمعة. الصحيح من أقوال أهل العلم أنها من شروط صلاة الجمعة. ومنهم من يقول بأنها ركن من أركان صلاة الجمعة. ومن أهل العلم من يقول بأنها واجب منفصل في صلاة الجمعة. ومن أهل العلم من يقول بأنها مستحبة. الأمر الأول: أن الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾. هنا أمر، والأمر في الأمر أنه للوجوب. إذن في هذه الآية دلالة على أن السعي إلى صلاة الجمعة واجب، والسعي إلى خطبة الجمعة كذلك واجب؛ لأن الله جل وعلا علق الحكم بالنداء. قال: «إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة». ومعلوم أن المؤذن إذا أذن فإن الخطيب يخطب. إذن الأمر في قول الله جل وعلا: «فاسعوا إلى ذكر الله» يتناول الخطبة ويتناول كذلك الصلاة. هذه الآية فيها دلالة على الوجوب، وفيها دلالة كذلك على أن حقيقة الخطبة في الجمعة هي من صلاة الجمعة. الأمر الثاني: أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة كانت على هذه الهيئة، تتقدمها الخطبة. فهي في الحديث المذكور دلالة ضمنية على أن هذه الصلاة مما يجب على الإنسان أن يأخذ بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ أو عمل بها على هذه الهيئة. الأمر الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لأخيه يوم الجمعة أنصت فقد لغى». وفي بعض الروايات: «ومن لغى فلا جمعة له». ففيه دلالة على أن الإنصات في يوم الجمعة في أثناء الخطبة واجب، بل شرط في قبول ثواب الجمعة. قالوا: وهما خطبتان. وهذا فيه إشارة إلى شروط الخطبة. فمن شروط الخطبة أن تكون خطبتين، أي أولى وثانية. وأنه لا يصح خطبة واحدة فقط؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، ولما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». قالوا: ويشترط لصحة صلاة الجمعة أن يتقدما على الصلاة. ومعنى هذا أن من شرط الخطبة أن تتقدم على صلاة الجمعة. فمن صلى الجمعة أولًا ثم خطب بعدها ثانيًا، هذا فعله باطل وفاسد؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». من الشروط أيضًا التي ذكرها الفقهاء في الخطبة: أن تكون الخطبة فيها شيء من ذكر الله جل وعلا. وبعضهم ذكر أمورًا، منها قول: أن يفتتحها بالحمد والثناء على الله رب العالمين والشهادتين، ثم يعظ وينصح ويبين ويذكر إلى غير ذلك. المسألة الخامسة: قالوا في سنن الخطبة: ويسن الدعاء للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، مع الدعاء لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتوفيق؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يوم الجمعة دعا وأشار بإصبعه وأمن الناس. قالوا: وأن يتولاهما مع الصلاة واحد، أي أن يتولى الخطبة والصلاة واحد. ومعنى هذا أنه لا يخطب إنسان ويصلي إنسان آخر، بل الخطيب هو الذي يأم الناس؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، فهو كان إمام الناس وخطيبهم. قالوا: ويرفع صوته بهما حسب الطاقة. وأن يخطب قائمًا، أي عند الخطبة يرفع صوته؛ كما جاء في حديث جابر: «كأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب الناس احمرت عينه وانتفخت أوداجه وارتفع صوته». قالوا: وأن يخطب قائمًا لقوله تعالى: ﴿وَ تَرَکُوكَ قَائِمًا﴾. ها هنا ذكروه ضمن السنن، وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه واجب؛ أخذًا بعمومات الأدلة المذكورة سابقًا. لكن إن كان الخطيب حصل له مشقة، إما لكبر سنه، فلا بأس. قالوا: أن يكون على منبر أو مكان مرتفع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبره وهو مرتفع، ولأن ذلك أبلغ في الإعلام وأبلغ في الوعظ. قالوا: أن يجلس بين الخطبتين قليلًا، أي بين الخطبة والخطبة يجلس قليلًا؛ لما تقدم في حديث جابر بن سمرة. قالوا: ويسن قصر الخطبتين، والثانية أقصر من الأولى؛ لحديث عمار مرفوعًا: «إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة على فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة». والحديث رواه مسلم. قالوا: ويسن أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا أقبل عليهم؛ لقول جابر رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم». قالوا: ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كان النقبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب». قال: ويسن أن يعتمد الخطيب على عصًا أو نحوها. ويسن للخطيب أن يقصد تلقاء وجهه؛ لفعله صلى الله عليه وسلم. بمعنى أنه يسن للخطيب إذا خطب أن يلتفت تلقاء وجهه، أن يكون وجهه إلى الأمام. ولا يكثر الحركة، لا حركة الوجه ولا حركة اليد أو الأيدي ولا حركة القسم؛ لأن بعض الناس إذا خطب كله يتحرك، وهذه الأفعال قال العلماء رحمه الله تعالى: أنها خلاف السنة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.