كتاب الصلاة 33

كتاب الصلاة 33

الدرس في كتاب الصلاة 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم البصاق في المسجد وكفارة دفنها

يشرح المقطع حديث «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» مبيناً أن الخطيئة تختص بمن لم يدفن بصاقه، وأن الدفن في تراب المسجد يزيل الإثم. كما يتناول تطبيق الحكم في المساجد المفرشة الحديثة حيث يتعذر الدفن، فيجب التفل في منديل أو ثوب اتباعاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

أحكام البصاق في المسجد والنهي عن التباهي بتزيين المساجد وتشيدها

يشرح المقطع معنى دفن البصاق في المسجد لئلا يصيب المصلين، ويستعرض أحاديث نبوية تحذر من التباهي بالمساجد في البناء والزينة كعلامة من أشراط الساعة. وينقل عن عمر بن الخطاب وابن عباس النهي عن تشييد المساجد وتزيينها بما يفتن الناس، مبيناً أن العبرة بعمارة المساجد بالطاعة لا بالزخرفة.

السنة في عمارة المساجد والنهى عن التزويق المفرط

كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بسيطاً من اللبن وجريد النخل، وأبقاه أبو بكر وعمر على حاله، ووسّعه عثمان بالحجارة والجص للمتانة لا للزينة. ونهى عمر عن تحمير الجدران أو تصفيرها لئلا تفتن المصلين، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، والتشبه بزخرفة اليهود والنصارى محرم.

خاتمة درس أحكام المساجد وسكوت العلماء خوف الفتنة

أشار المتحدث إلى أن كثيراً من العلماء سكتوا عن إنكار بعض المنكرات خوفاً من الفتنة. ثم اختتم عرض الأحاديث المتعلقة بأحكام المساجد معلناً انتهاء الدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال: وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «البصاق في المسجد خطيئة، كفارتها دفنها». متفق عليه. قال الصنعاني رحمه الله: وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «البصاق». وفي القاموس: البصاق كغراب، والبساق، والبزاق. قال: بالسين وبالزاي: ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق. أنه إذا كان في الفم يسمى ريقاً، إذا خرج منه يسمى بصاقاً، يسمى أيضاً تفلاً. وإذا كان غليظاً يسمى نخامة ونخاعة. إذا كانت من الصدر سميت نخامة، وإذا كانت من الرأس سميت نخاعة؛ لأنها من النخاعة. قالوا: في لفظ البخاري: البزاق، وللمسلم: التفل. «في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». متفق عليه. قالوا: الحديث دليل. وقد تكلمنا على مسائل البصاق فيما تقدم. قالوا: الحديث دليل على... والحديث دليل على أن البصاق في المسجد خطيئة، والدفن يكفرها. وقد عارضه ما تقدم: «فليبصق عن يساره أو تحت قدمه». فإن ظاهره سواء كان في المسجد أو غيره. قال النووي: هما عمومان، لكن الثاني مخصوص بما إذا لم يكن في المسجد، ويبقى عموم الخطيئة إذا كان في المسجد من دون تخصيص. هذا الجمع الذي جمعه النووي رحمه الله: أن هذا الحديث «البصاق في المسجد» خاص في المسجد. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم يصلي فأراد أن يبصق فليبصق عن يساره، إن لم يكن هناك أحد، أو تحت قدمه»... فهذا حمله على إذا لم يكن في المسجد. إذا لم يكن في المسجد، أو أنه يحمل على أنه إذا كان في المسجد والمسجد تراباً، حتى يدفن. إذا كان يستطيع أن يدفنها، تدفن في المسجد. وقال القاضي عياض: إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنه؛ لأنه قال: «وكفارتها دفنها». وأما إذا أراد دفنه فلا. وذهب إلى هذا أئمة من أهل الحديث، ويدل له حديث أحمد والطبراني بسناد حسن من حديث أبي أمامة مرفوعاً: «من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، فإن دفنه فحسن». وهذا الحديث حسن إسناده الحافظ أيضاً ابن حجر. قال: فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. وهذا أيضاً ظاهر الحديث الأول: «بصاق المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». فإذا دفنها ذهب ذلك الإثم. قال: فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن. ونحوه حديث بذر عند مسلم مرفوعاً: «وجدت في مساوي أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن». والنخاعة كما قلنا: هي التي الغليظة التي تخرج من الرأس. قالوا: هكذا فهم السلف. ففي سنن سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة، فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها. سبحان الله! من أجل أنه رأى أن هذا خطيئة لا بد أن يدفنها. وقال: الحمد لله حيث لم تكن علي خطيئة الليلة. قال: فدل على أنه فهم أن الخطيئة مختصة بمن تركها. لأن النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً قال: «إذا كان أحدكم في المسجد فتنخم فليوارها، لأن لا تقع في جسد إنسان... أو في جسد مسلم». فالعلة هو أنها قد تقع في إنسان إذا كانت لم تدفن. وأما إذا دفنت فإنها لا تؤذي. وأما مثل هذه المساجد الآن الفرش، فهذا حتى لو... معنى ما يستطيع دفنها. فإذا تفل في ذلك المكان فإنها ستبقى، وستقع في جسد مسلم. وهذا لا يجوز. فلهذا لا يجوز أن يتنخم في مثل هذه الفرش، وإنما يأخذ بثوبه أو عنده من دين أو ورق فيتنخم فيها، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام لما أخذ بطرف ردائه. قال: فدل على أنه فهم أن الخطية مختصة بمن تركها. وقدمنا وجهاً من الجمع: وهو أن الخطية حيث كانت تفل عن اليمين، أو إلى جهة القبلة، لا إذا كان عن الشمال وتحت القدم. وهذا تقدم أنه عام في المسجد وغير المسجد. قال: فالحديث هذا مخصص بذلك ومقيد به. وقال الجمهور: المراد أي من دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاه. وقول من قال: المراد من دفنها إخراجها من المسجد، بعيد. معنى تدفن: إذا كان المسجد رملاً أو حصباء أو كذا فدفنت وتوارت، فهذا المراد. المراد أنه يواريها لا تقع في جسد مسلم، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب. قال: وكما ذكرنا المسائل التي في البصاقة ذكرناها قبل. قال: وعنه رضي الله عنه، أي عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد». أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه. قال: وعنه، أي أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس». أي: يتفاخر الناس في المساجد، بأن يقول واحد: مسجدي أحسن من مسجدك، علواً وزينة وغير ذلك. من المراد التفاخر بالبناء. التفاخر بالبناء من ناحية الطول أو الكبر، وأيضاً من ناحية الزينة: أن هذا مزين وكذا. أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ابن خزيمة. وهذا قد يكون أيضاً في النفس. قد يكون في نفس الإنسان عندما يرى مسجداً ضخماً وكذا مسجده، قد يكون هذا الأمر في نفسه. لكن لا ينبغي أن يتكلم به. لا ينبغي يقول: مسجدنا أحسن من مسجدكم. يتفاخر بالمسجد: ومسجدنا فيه كذا وكذا، ومسجدنا كبير، ومسجدنا كذا. فمن باب التفاخر فهذا لا يجوز. لأن هذه المساجد إنما بنيت لما بنيت له: بنيت للصلاة، وكذلك قراءة القرآن والتسبيح والتكبير وغير ذلك، وليس للتباهي. لهذا عمر رضي الله عنه قال لعامله: «ابني للناس مسجداً يكنهم، ولا تصفر ولا تحمر فتفتن الناس». وأيضاً جاء في حديث مرفوعاً وموقوفاً، صححه كثير، منها العلم موقوفاً على ابن عباس. وفيه قال: «ما أمرت بتسجيد المساجد». بتشييد المساجد. وتشييد: معنى تزيينها. تزيين المساجد حتى تصبح مثل البيت أو كذا، فهذا خطأ. لم يرخص العلماء في تزيين إلا تشييد... إلا الكعبة. فرخص العلماء من زمن قديم ومشوا على ذلك: أن الكعبة لا بأس أن تزين وأن تشيد. أما المساجد فإنها لا تشيد. معنى لا تشيد: لا تزيين حتى تفتن الناس. لكن كما قال: أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس الآن يتباهون بالمساجد. كل واحد يخسر الآلاف، الآلاف والملايين، لأجل أن يتقن هذا المسجد. ليس في إتقان بنائه لو كان مثلاً في متانة... متانة المسجد وقوته، هذا طيب، لأجل أن يعمر أكثر. لكن المشكلة أن هذا يذهب في التزيين والزخرفة. فهذا الذي لا يجوز. أما قوة المسجد ومتانة بنائه فهذا مطلوب، فهذا مطلوب. طيب. قال: والحديث من علامات النبوة. وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تقوم الساعة» قد يؤخذ منه أنه من أشراطها. والتباهي إما بالقول كما عرفت، أو بالفعل: كان يبالغ كل واحد في تزيين مسجده ورفع بنائه وغير ذلك. أنه يكون هذا أيضاً من التباهي. التباهي بالفعل: كل واحد يريد أن يكون مسجده أفضل من الآخر. قالوا: فيه دلالة مهمة بكراهة ذلك، وأنه من أشراط الساعة. والآن تجد أيضاً من بنى مسجداً لا بد أن يكتب اسمه عليه حتى يعرف أنه هو الذي بنى. وهذا أيضاً خطأ. فكل ما كان العمل أستر وأخفى كان أفضل. قالوا: أن الله لا يحب تشييد المساجد ولا عمارتها إلا بالطاعة. فبالطاعة عمر المساجد. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما أمرت بتشهيد المساجد». أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبان. قال: وتمام الحديث قال ابن عباس: «لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى». وهذا مدرج من كلام ابن عباس، كأنه فهمه من الأخبار النبوية، من أن هذه الأمة تحذو حذو بني إسرائيل. وهذا الحديث كما قلنا اختلف العلماء فيه، وصححه الشيخ الألباني مرفوعاً بالشواهد. وإلا في الحديث فيه ضعف، وقد سكت عليه أبو داود. قالوا: هذا... قالوا: كأنه فهمه من الأخبار النبوية، من أن هذه الأمة تحذو حذو بني إسرائيل. والتشييد: رفع البناء وتزيينه بالشيد، وهو الجص. كذا في الشرح. أي شرح هذا؟ يقول: كذا في الشرح. تذكرون أي شرح؟ يعني شرح بلوغ المرام للمغربي. شرح بلوغ المرام للمغربي. لأن المؤلف الصنعاني اختصر... اختصر شرح المغربي لبلوغ المرام. قال: قال: والذي في القاموس: شاد الحائط يشيده، طلاء بالشيد، وهو ما يطرى به الحائط من جص ونحوه. انتهى. فلم يجعل رفع البناء من مسمى... أن رفع البناء ليس من التشيد، لكن يدخل فيه رفع البناء. قال: والتشييد رفع البناء وتزيينه بالشيد، وهو الجص. والجص هو نوع من أنواع التزيين كالنورة وغيرها من هذه الأشياء. معناه: قد يدخل فيها أيضاً الجص. هذا الذي يقولون إنه جص، أيش هذا يسمونه جص؟ الله أيش هذا المعجون؟ هذا المعجون هذا اللي يفعلونه: جبس. جبس وغيرها. فهذا يعتبر من نوع الجص، فهو تزيين للجدران وغير ذلك. وهل يدخل ذلك في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أمرت بستر الجدران»؟ ما أمرت بستر الجدران في صحيح مسلم. فهل هذا من ستر الجدران؟ فبعض العلم من المعاصرين أدخله في ستر الجدران، وبعض يقول: لا، الستر يكون بخرقة أو بغيره حتى لا يرى الجدار. والظاهر هذا، الله أعلم. لكن أيضاً مسألة التشييد الذي يفتن الناس ويخرجهم عن صلاتهم، هذا هو المقصود بهذا. ومسألة التزيين الكثير ووضع الأموال الكثيرة، هذا لأجل التفاخر والتباعي، فهذا لا ينبغي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرت بتسجيد المساجد، وإنما بعمارتها بذكر الله والصلاة». قال: والحديث ظاهر في الكراهة والتحريم، لقول ابن عباس: «كما زخرفت اليهود والنصارى». فإن التشبه بهم محرم. ولهذا تجد في بعض البلدان ما تفرق بين الكنيسة وبين المسجد إلا أن الكنيسة في منارتها صليب، والمسجد هلال. أنا هكذا التفريق فقط أصبح في بعض المناطق، خاصة في أوروبا وغيرها. فتجد التفريق: أنك تفرق فقط بهذا. الكنيسة فيها صليب، والمسجد فيه هلال. وكأن الهلال هذا صار شعاراً من شعارات أهل الإسلام، وهو لم يأتي فيه شيء أبداً عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا عن السلف، وإنما اخترعه كثير من المتأخرين. قال: قال: وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا أن تكن الناس. تكنهم أي: من الحر والبرد. يعني إذا كان هناك برد تكنهم، من الشمس يكون هناك مكان يتكنون فيه. يتكنون: معنى يقيهم من الشمس، حر الشمس. من حر... معنى من البرد: شدة البرد، يكون كناً لهم. كما قال عمر: «ابني للناس ما يكنهم، لا تحمر أو تصفر فتفتن الناس». قال: وتزينها يشغل القلوب عن الخشوع، الذي هو روح جسم العبادة. والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل. قال المهدي في البحر: «إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد، ولا سكوت رضا، أي من العلماء، وإنما فعلوا أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة أحد». ومقصوده المسجد، وليس الكعبة. ومن غير مؤاذنة أحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء من غير رضا. وهو كلام حسن. وفي قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما أمرت» إشعار بأنه لا يحسن ذلك، لا يحسن ذلك. فإنه لو كان حسناً لأمره الله به. وأخرج البخاري... البخاري من حديث ابن عمر: أن مسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان على عهده صلى الله عليه وعلى آله وسلم مبنياً باللبن، وسقفه الجريد. من اللبن الذي من الطين، وسقفه الجريد: جريد النخل، وعمده خشب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً. وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم باللبن والجريد، وعاد عمده خشباً. ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدرانه بالأحجار المنقوشة والجص، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. وعثمان رضي الله عنه فعل ذلك لأجل القوة، لأجل أن لا يتحرك، ويبقى سنوات. فبناه بالحجارة. قال ابن بطال: هذا يدل على أن السنة في بنيان المساجد القصد، وترك الغلو في تحسينها. وليس المراد أن الإنسان يبني مسجداً من الطين. معنى: ليس أن المراد لا بد أن يبني مسجداً من الطين ويكون سنة، لا. وإنما يبني مسجداً لأجل أن لا يذهب هذا المسجد ويندثر بسرعة. فكلما بقي، بقيت صدقته على الذي يبني مسجداً ويقويه، لأجل بقاء هذا... الصدقة تكون صدقة له جارية. طيب. قال: القصد وترك الغلو. فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه، وكثرة المال عنده، لم يغير المسجد عن ما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه. ثم قال عند عمارته: «أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس». ثم كان عثمان، والمال في زمنه أكثر، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة. ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه. وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك، وذلك في أواخر عصر الصحابة. وسكت كثير من العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة. فهذه بعض الأحاديث التي في أحكام المساجد. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا.