الدرس في كتاب الصلاة 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض الشارح حديث أبي هريرة في صفة صلاة المسيء مبيناً تسلسل أفعال الركعة من الوضوء والتكبير والقراءة والركوع والسجود مع تأكيد وجوب الطمأنينة في كل ركن. ويناقش المسائل الفقهية المتعلقة بوجوب الفاتحة واختلاف الروايات في صفة الاعتدال من الركوع وحكم تكبيرة الإحرام مقابل تكبيرات الانتقال.
يناقش المقطع حديث رفاعة بن رافع المعروف بحديث المسيء صلاته مبيناً خلاف العلماء في ثبوت سنده بسبب يحيى بن خلاد. ويستدل بالحديث على وجوب الوضوء والقيام ركناً في الفرائض وجواز الجلوس في النوافل مع تفصيل ما تضمنه من إسباغ الوضوء والتكبير والحمد والقراءة.
يبيّن المقطع أن صلاة النافلة جالساً بنصف أجر القائم بينما من عجز عن القيام في الفرض أو النفل فأجره كامل. ويناقش حكم إسباغ الوضوء على المكاره وخلاف العلماء في وجوب المضمضة والاستنشاق حيث ذهب أحمد إلى وجوبهما ورأى الشافعي والشوكاني عدم بطلان الوضوء بتركهما.
يوضح المقطع وجوب استقبال القبلة قبل تكبيرة الإحرام مع بيان عفو المستقبل والمتنفل والراكب عن هذا الوجوب. ويشير إلى أن الكلام على استقبال القبلة مقدم على تكبيرة الإحرام على أن يُستكمل بحث تكبيرة الإحرام في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صفة الصلاة. قال: نبأ هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا». قال الشارح رحمه الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال مخاطبا للمسيء في صلاته، وهو خلاد بن رافع - جاء في بعض الروايات أنه خلاد بن رافع -: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء». تقدم أن إسباغ الوضوء إتمامه، أن يأتي بمعنى الإتمام والإكمال، أو يأتي بمعنى الإتمام ويأتي بمعنى الإكمال. قال: «ثم استقبل القبلة فكبر» تكبيرة الإحرام، «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»؛ أنه لا يجب دعاء الاستفتاح، إذ لو وجب لأمره به، وظاهره أنه يجزئه من القرآن غير الفاتحة، ويأتي تحقيقه. طيب، أخذ المسائل بعد ذلك. قال: «ثم اركع حتى تطمئن راكعا»؛ فيه وجوب الركوع ووجوب الطمأنينة فيه. «ثم ارفع» أي من الركوع «حتى تعتدل قائما» من الركوع. قال: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا»؛ فيه أيضا وجوب السجود ووجوب الطمأنينة فيه، وسيأتي أن هذه أركان. «ثم ارفع من السجود حتى تطمئن جالسا» أي بعد السجدة الأولى، «ثم اسجد» السجدة الثانية «حتى تطمئن ساجدا» كالأولى. قال: فهذه صفة ركعة من ركعات الصلاة: قياما وتلاوة، وركوعا واعتدالا منه، وسجودا وطمأنينة، وجلوسا بين السجدتين، ثم سجدة باطمئنان كالأولى. فهذه صفة ركعة كاملة. أي ركعة، هذه صفة ركعة كاملة، ثم فعل ذلك في صلاتك كلها. فقوله: «ثم فعل ذلك» أي جميع ما ذكر من الأقوال والأفعال، إلا تكبيرة الإحرام فإنها مخصوصة بالركعة الأولى، لما علم شرعا من عدم تكرارها، عن الأمور الأولى التي ذكرها وهو قيامه للصلاة وإسباغ الوضوء واستقبال القبلة والتكبير، هذا كله في الركعة الأولى، وإن كانت تكبيرة الانتقال بدل تكبيرة الإحرام، لكن المراد تكبيرة الإحرام هي خاصة ببداية الصلاة لأنها تحريم للصلاة. قال: «لما علم شرعا من عدم تكرارها»، قال: «في صلاتك» في ركعات صلاتك كلها. أي أجعل هذا في كل ركعة، ومن ذلك الفاتحة؛ أن هنا قال: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، ودلت الأدلة على أنه يقرأ الفاتحة، وكذلك ما فوق الفاتحة، ولهذا جاء في بعض الروايات: «وفعل ذلك في كل ركعة». قال: «كُلَّهَا» أخرجه السبعة بألفاظ متقاربة، وهذا اللفظ الذي ساقه المصنف هنا للبخاري وحده، ولابن ماجه أيضا، أي من حديث أبي هريرة بإسناد مسلم. قال: «أي بإسناد رجاله رجال مسلم: حتى تطمئن قائمة» أي عوضا عن قوله في لفظ البخاري: «حتى تعتدل»، فدل على إيجاب الطمأنينة عند الاعتدال من الركوع. ومثله، أي مثل ما أخرجه ابن ماجه، ما في الحديث الثاني، وهو قوله في حديث رفاعة بن رافع - بكسر الراء -: رفاعة وهو ابن رافع، صحابي أنصاري شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد مع علي الجمل وصفين، وتوفي أول إمارة معاوية. قال: عند أحمد وابن حبان: «فإن عنده» حتى تطمئن قائما، وفي لفظ لأحمد: «فأقم صلبك حتى ترجع العظام» أي التي انخفضت حال الركوع، وارجع إلى ما كانت عليه حال القيام للقراءة، وذلك بكمال الاعتدال. قالوا: للنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع: «إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه»، وفيها: «فإن كان معك قرآن فقرأ، وإلا فأحمد الله وكبره وهلله». طيب، هذا حديث رفاعة بن رافع فيه خلاف بين أهل العلم؛ لأن علي بن يحيى بن خلاد، بعضهم يقول أنه مجهول، أو يحيى بن خلاد نفسه، بعض أهل العلم يقول أنه مجهول، وبعضهم يقول أنه معروف، وقد روى عنه جماعة من الرواة، وهو ابن صحابي، فلذا وثقوه. وطريقة الشيخ الألباني أنه ينظر في الإسناد، إن كان الإسناد صحيحا إلى يحيى بن خلاد فيصحح الحديث، وإن كان فيه ضعف لا يصحح، وكذلك تبعه جماعة، وأما شيخنا مقبل فقد كان يضعف يحيى بن خلاد، لهذا يرى أن حديث رفاعة بن رافع كله غير صحيح لأنه من طريق يحيى بن خلاد. قال: للنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله» أي في آية المائدة، «ثم يكبر الله» أي تكبيرة الإحرام، «ويحمده» بقراءة الفاتحة، إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن كان معك قرآن» يشعر بأن المراد بقوله «ويحمده» أي غير القراءة، وهو دعاء الافتتاح، فيأخذ منه وجوب مطلق الحمد والثناء بعد تكبيرة الإحرام، أو أن المراد ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لذاك الرجل لما سأله: «إني لا أستطيع القراءة»، فقال: «فأحمد الله وكبره وسبحه وهلله»، فالمراد به التحميد الذي يكون بدل القراءة عند العاجز عنها. قال: «ويثني عليه»، وفيها أي في رواية النسائي وأبي داود عن رفاعة: «فإن كان معك قرآن فقرأ، وإن لا» أي وإن لم يكن معك قرآن «فأحمد الله»، وهذا يفسر الرواية الأولى، أي بألفاظ الحمد، والأظهر أن يقول: الحمد، الحمد لله، وكبره بلفظ: الله أكبر، وهلله بقوله: لا إله إلا الله، فدل على أن هذه عوض القراءة لمن ليس له قرآن يحفظه. قالوا: لأبي داود أي من رواية رفاعة: «ثم قرأ بأم الكتاب ومما شاء الله»، وابن حبان: «ثم بما شئت»، وأحيانا كما قلنا يكون في رواية في حديث رفاعة فيه رواية غير صحيحة، وقد يكون وهما من بعض الرواة، فقد روى هذا الحديث عن علي بن يحيى جماعة، منهم حميد بن سلم، ومنهم إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وغيرهم. قال: هذا حديث جليل، يعرف بحديث المسيء صلاته، اشتهر بهذا، اشتهر عند العلماء بحديث المسيء صلاته، وبعض المعاصرين يقول: الأفضل أن يقال: الذي لا يحسن صلاته، أو الذي لم يحسن صلاته، ومعنى الظاهر متقارب، والله أعلم. قال: وقد استدل على تعليم ما يجب في الصلاة وما لا تتم إلا به، فدل على وجوب الوضوء لكل قائم إلى الصلاة، وهو كما دلت عليه الآية: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾، والمراد لمن كان محدثا كما عرف من غيره. قد فصل ما أجملته رواية البخاري، رواية النسائي بالتفصيل: حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين. وقبل هذا في الحديث أيضا القيام، لأنه قال: «إذا قمت إلى الصلاة»، فيه وجوب القيام، وقد اتفق العلماء على أن القيام ركن من أركان الصلاة، قد ذكر جماعة منهم: ابن قدامة، وابن عبد البر، وابن المنذر، ذكروا إجماع العلماء على أن القيام في الفرض ركن، القيام في الفرض من أركان الصلاة، لقوله جل وعلا: ﴿وقوموا لله قانتين﴾، ولحديث عمران بن حسين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». لعل أنه يقوم للصلاة، وأما في النفل فقد جاء في حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي صلاة الليل جالسا وقائما، وجاء في حديث عائشة عند النسائي: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة وهو جالس»، المراد بالسبحة هي النافلة، وأيضا أحاديث كثيرة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يصلي النافلة وهو جالس. وقد جاء في الصحيحين من حديث عمران أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة القائم تعدل صلاة الجالس، وصلاة الجالس تعدل صلاة المضطجع»، وحمله الجمهور على النافلة، أن الذي يصلي النافلة جالسا وهو يستطيع القيام فإنه يتحصل على نصف أجر القائم، وإذا كان أيضا يصلي مضطجعا وهو يستطيع الجلوس يتحصل على نصف أجر الجالس. وأما من يستطيع أو من لا يستطيع القيام سواء كان في الفرض أو في النفل، لا يستطيع أن يقوم، فالصحيح أن هذا أجره كامل، والصحيح أن أجره كامل، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي موسى في البخاري: «إذا سافر العبد أو مرض كتب الله عز وجل له مثل ما كان يعمل صحيحا مقيما»، وجاء أيضا كذلك من حديث عبد الله بن عمر في السنن: «إذا ابتلى الله عز وجل العبد ببلاء فصبر وحمد الله عز وجل عليه، فإن الله عز وجل يبدله خيرا من ذلك، ويكتب له أجره عندما كان صحيحا مقيما» أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فدل على أن المريض إذا لم يستطع القيام فأجره كامل. وقال الخطابي رحمه الله، وأيضا أيده الحافظ: أنه إذا كان يستطيع القيام لكن يجد مشقة يسيرة، أو يجد مشقة في القيام فيتحامل على نفسه يقوم، فهذا يتحصل على أجر أكمل من أجره وهو جالس، يتحصل على أجر الاجتهاد، يتحصل على أجر أكثر من أجره وهو جالس، يعني ضعف أجره وهو جالس، فإذا جلس فجلوسه يتحصل على أجر الصلاة كاملا، فإذا قام تحصل على ضعفه، تحصل على ضعفه ضعفه، فهكذا حمله الإمام الخطابي رحمه الله، وأيضا ذكره الشيخ الألباني رحمة الله عليه. طيب، فالقيام للفرض ركن، وأما للنفل فهو مستحب. طيب، أيضا قال: «فأسبغ الوضوء»، أيضا الوضوء كما قلنا واجب، أن يسبغ الوضوء وهو أن يتمه في مواضعه، أن يجعله في مواضعه، فهذا هو إتمام الوضوء، وأما إكماله فيكون ثلاثا، مثل ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام مسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، إسباغ الوضوء على المكاره». معنى «على المكاره» أي أن يكون مثلا في شدة الحر والماء حار، فيسبغ الوضوء، أي يكمله، يكمل الوضوء في ذلك الأمر، فأيضا كذلك في شدة البرد والماء باردا، أيضا يكون إسباغ الوضوء على المكاره. وأيضا فيه كما ذكر المؤلف أن الوضوء شرط من شروط الصلاة. قال: دل على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، ويكون هذا قرينة على حمل الأمر بهما حيث ورد على الندب. هذه المسألة مختلف فيها، في مسألة وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، جاءت بعض الأوامر لكنها فيها شيء، خاصة في المضمضة، أما الاستنشاق جاءت فيه أوامر، من ذلك ما جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل» أو «فليأخذ ماء وليجعله في أنفه ثم لينتثر ثم لينتثر»، وحديث أخرى، لهذا قال أحمد بأن المضمضة والاستنشاق واجبتان، وهل يقصد واجبتان أي ركنان، أم أنهما واجبتان يأثم تاركهما؟ فالظاهر، فالظاهر الأول الذي عليه مشى أصحابه أنه الأول. وأما الشافعي رحمه الله فقال: أنه لم ير، أو لم يعلم بأحد من السلف يقول: أن من لم يتمضمض ويستنشق فوضوءه باطل، يقول: أنه ما علم أحد من السلف أنه قال: من لم يتمضمض ويستنشق فوضوءه باطل، فهذا بحسب علمه والله أعلم. قد ذكر جماعة أنها أن المضمضة والاستنشاق داخل في الوجه، كما ذكر الشوكاني وغيره، وهنا الشوكاني الصنعاني يقول: أن هذا يدل على أن المضمضة والاستنشاق لا تجب، استدل بأنه لم يذكر إلا إسباغ الوضوء فقط، وأيضا استدل بقوله في هذا اللفظ: «حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله»، «كما أمره الله». قال: ودل على وجوب استقبال القبلة قبل تكبيرة الإحرام، قد تقدم وجوبه، بيان عفو المستقبل والمتنفل والراكب، أن تقدم الكلام على استقبال القبلة. طيب، إن شاء الله سيدخل في وجوب تكبيرة الإحرام، إن شاء الله نتركه في الدرس اللاحق. اشتركوا في القناة