الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر فضل إماطة الأذى عن الطريق وتحريم تنجيس المساجد من خلال حديثين نبويين صحيحين. يشير إلى أن إزالة الأذى عن الطريق من أسباب المغفرة.
يتناول أهمية فعل المعروف والإحسان، حيث كل معروف صدقة، ويشير إلى إحسان النبي إلى أصدقاء خديجة بعد وفاتها وأهمية صلة الرحم.
يشرح جواز عرض المرأة على الرجل الصالح للزواج، ويؤكد على الإحسان إلى البنات بزواجهن، مستشهدا بفعل عمر بن الخطاب.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخائر رحمه الله في كتابه رد المحتار، قال حدثنا موسى، قال حدثنا أبو هيب عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مر رجل مسلم بشوك في الطريق، فقال: لأميط هذا الشوك لا يضر رجلا مسلما، فغفر له». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلا مسلما مر بشوك في الطريق، فقال: لأميط هذا الشوك -يعني سأبعده- وفي بعض الروايات أنه قال لهم: «أميطوا هذا الشوك عن طريق المسلمين لا يؤذيهم»، فقال عليه الصلاة والسلام: «فغفر له»، أي بسبب إزاحته لهذا الشوك غفر الله سبحانه وتعالى له. وهذا عمل يسير، تزيل شوكا عن الطريق أو غيره مما يتأذى منه الناس، فيكون سببا في مغفرة الله سبحانه وتعالى لك. وفي بعض الروايات: «فأدخله الله الجنة». وفي بعضها قال عليه الصلاة والسلام: «رأيت رجلا يتقلب في الجنة بشجرة أزاحها عن طريق الناس»، فجازاه الله سبحانه وتعالى بدخول الجنة. وكما ذكرنا بالأمس أن الإنسان لا يستحقر شيئا من المعروف. وفي أهل الحديث أيضا فضيلة لأهل العلم، فإذا كان هذا الأجر والثواب لمن أزاح عن المسلمين شيئا من الأمور الحسية التي يتأذون منها، فمن أزاح عن المسلمين الأشياء المعنوية التي كذلك تحصل بسببها الأذية، وربما كانت سببا في عقاب الله سبحانه وتعالى لهم، فإنه أعظم أجرا. فأهل العلم ينصحون الناس بترك المعاصي وترك الذنوب والإقبال على طاعة الله سبحانه وتعالى، ويحذرونهم من الأسباب التي توقعهم في غضب الله عز وجل. وهكذا أيضا كذلك يحذرونهم من أهل الأهواء والبدع الذين كذلك هم سبب في انحراف الناس وزيغهم وضلالهم، فهم كالشوك في طريق الناس وفي طريق المسلمين إلى الله سبحانه وتعالى، فيحذرونهم منهم ويبعدونهم عن طريقهم، فلهم من هذا الأجر شيئا عظيما. قال حدثنا موسى، قال حدثنا مهدي عن واصل مولى أبي عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديني عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها أن الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة في المسجد لا تدفن». والحديث صحيح، وهو في صحيح الإمام مسلم. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه عرضت عليه أعمال أمته حسنها وسيئها، فوجد في محاسن أعمالها أن الأذى يماط عن الطريق، وهذا يدل على فضل إماطة الأذى عن الطريق، وأنها من محاسن الأعمال؛ لما في ذلك من إزالة الأذية عن المسلمين. وهكذا أيضا لأنه ربما يغفل عنه كثير من الناس، ربما يغفل عن هذا العمل كثير من الناس، يمرون على ما فيه أذى لهم ولغيرهم فلا يبالون، ربما يذهب ويتركه بعض الأشياء ربما يكون أذاها سببا في هلاك الإنسان، كأن يكون مثلا شيء في الطريق التي تمر منها السيارات وهي مسرعة، فما يدري صاحب السيارة إلا وقد صدم ما فيها أو كان سببا في انقلابه، هذه أذية عظيمة تحصل بسبب عدم إزالة هذا الأذى، فلهذا كان هذا الأجر العظيم لمن فعل هذا العمل، فهو من محاسن الأعمال أن الأذى يماط عن الطريق. وقوله: «ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة في المسجد لا تدفن»، النخاعة بمعنى النخامة تكون في المسجد لا تدفن -يعني لا تزال- ويراد بدفنها إزالتها. وكانت المساجد في ذلك العهد من حصى وتراب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «البصاق في المسجد بخطيئة، وكفارتها دفنها»، يحفر الإنسان لا حفر ويدفنها. لكن في هذه المساجد المفروشة فإن كفارتها هو إزالتها، هو إزالتها وغسلها. وهذا يعم الفاعل ومن رأى ذلك. وجدت في مساوي أعمالها النخاعة في المسجد لا تدفن، أول ما يدخل بذلك هو الفاعل، فاعل ذلك. وهذا لا يجوز، لا يجوز أن يبصق في المسجد أو يدفل؛ لأن هذا من تنجيس المساجد، وقد أمرنا بتنظيفها، وكذلك أيضا بالمحافظة عليها وإزالة النجاسة والأوساخ منها، كما جاء في حديث عائشة في السنن في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتزيين أو تنظيف المساجد وأن تطيب. فلا يجوز أن يبصق أو يدفل في المسجد، ومن فعل ذلك فإن عليه أن يزيل هذا البصاق ويزيل كذلك النخام إذا كانت في المسجد ويطهر المسجد منها. وأيضا كذلك من خطأ ما يفعله بعض الناس، ربما يخرج من الحمامات أو مكان الوضوء ثم يبصق في ضاحية المسجد، وهذا كذلك أيضا لا يجوز، فهو تنجيس للمسجد، وأيضا يتأذى من ذلك كثير من المصلين، وهذا مما لا ينبغي أن يفعله المسلم. إذا أراد أن يدفل أو يبصق كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يأتي بطرف ثوبه فيبصق فيه ثم يرد بعضه على بعض»، أو يكون معه مناديل أو ورق أو نحو ذلك، أو يدفل في خارج المسجد، أما أن يبصق في ضاحية المسجد فلا. فهذه من مساوئ الأعمال كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وقلنا أول ما يدخل في ذلك هو الفاعل، ثم كذلك من رآها إذا رآها إنسان وإن لم يكن هو الذي بصق، فإن عليه أن يزيلها، عليه أن يزيلها ويطهر المسجد منها. قال باب قول المعروف. قال حدثنا بشر بن محمد، قال أخبرنا عبد الله، قال أخبرنا عبد الجبار بن العباس الهمداني عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد الخطمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة». ومر الكلام على هذا الحديث. قال حدثنا سعيد بن سليمان، قال حدثنا مبارك عن ثابت عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوتي بالشيء يقول: «اذهبوا به إلى فلانا، فإنها كانت صديقة خديجة». والحديث بهذا السند ضعيف، وهو في البخاري من حديث عائشة -يعني بمعنى- كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا ذبح شاة قال: «اذهبوا بها إلى أصدقاء خديجة». وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تغير من ذلك وتقول: «كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة». وكانت تقول: «ما غرت من امرأة قط أشد من غيرتي من خديجة، وما رأيتها قط»، غير أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر ذكرها، فكنت أقول: «كأن لم يكن في الدنيا إلا خديجة»، فيقول: «إنها كانت وكانت» -يعني يذكر عليه الصلاة والسلام من فضائلها- وكان لي منها ولد. ومراد الإمام البخاري رحمه الله بهذا الحديث أن يستدل بما كان يفعله النبي عليه الصلاة والسلام من الإحسان إلى أقرباء خديجة وإلى أصدقائها من باب فعل المعروف والإحسان مقابلة الإحسان بالإحسان، فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يثني عليها كثيرا ويذكر من فضائلها ومحاسنها، فكان من المعروف أنه كان يصل عليه الصلاة والسلام من كان يصلها. ولهذا كان إذا أوتي له بالشيء -يعني هدية أو نحو ذلك- يقول: «اذهبوا به إلى فلانا، فإنها كانت صديقة خديجة» -يعني من باب المعروف والإحسان إلى خديجة رضي الله تعالى عنها-. وهذا يدل أن من المعروف أن تحسن إلى من أحسن إليك، وكذلك أيضا أن تحسن إلى أقاربه وأصدقائه، أن تحسن إلى أقاربه وأصدقائه، فهذا أيضا من كمال المعروف. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بصلة الأرحام، وأمر عليه الصلاة والسلام أن يوصل من كان يصله أبوك، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من صلة الرحم أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي -يعني أن يصل من كان يصلهم أبوه بعد أن يموت- فمن صلة الرحم أنك توصل من كان يصلهم، وهذا من الإحسان. وهكذا أيضا كذلك أن تقابل أصدقاء من كان يحسن إليك، فمن المعروف أن تحسن إليهم، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع أصدقاء خديجة. قال حدثنا محمد بن كثير، قال أخبرنا سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة قال: قال نبيكم صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة». والحديث صحيح، هو في مسلم. وقد ذكرنا الكلام على هذا الحديث، وأن كل معروف صدقة، كل معروف صدقة كما مر، سواء كان من عبادات وطاعات مالية أو من عبادات بدنية، فكلها صدقة. ذهابك إلى المسجد صدقة، ذكرك لله سبحانه وتعالى صدقة، إعانتك للناس صدقة، وهكذا كل معروف فهو صدقة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل معروف صدقة». وكل من ألفاظ العموم، كل من ألفاظ العموم، فلا يخرج من ذلك شيء. وكل ما كان من المعروف مما حث عليه الشرع ورغب فيه، أو كان كذلك أيضا دلت عليه عموم الأدلة مما يباهى فعله ويكون فيه إحسان للآخرين، فهو كذلك صدقة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئا»، لا تحقرن من المعروف شيئا؛ لأن المعروف كله صدقة، فلا تستحقر منه شيئا. ومن ذلك ما مر معنا من إماطة الأذى عن الطريق، فهي من المعروف، فهي من المعروف، فلا تستحقرها. قال باب الخروج إلى المقلاة وحمل الشيء على عاتقه إلى أهله بالزبيل. والمقلاة أو المبقلة هي الضيعة التي تزرع بالبقل -يعني التي تزرع فيها البقول- البصل وكذلك البقل وما كان بمعناه. والزبيل هو بمعنى الزنبيل -بمعنى الزنبيل- وهو ما يصنع من الخوص فيوضع فيه الطعام نحو ذلك. قال حدثنا إسحاق بن مخلد عن حماد بن أسامة عن مسعر، قال حدثنا عمر بن قيس عن عمر بن أبي سلمة الكندي قال: عرض أبي على سلمان أخته، فأبى وتزوج مولاة له يقال لها بقيرة. فبلغ أبا قرة أنه كان بين حذيفة وسلمان شيء، فأتاه يطلبه، فأخبر أنه في مقلاة له -يعني مزرعة التي تزرع فيها البقول- فتوجه إليه، فلقيه ومعه زبيل فيه بقل. وقال: قد أدخل عصاه في عروة الزبيل وهو على عاتقه -يعني يحمل العصا على عاتقه وفيها هذا زنبيل في طرفها- فقال: يا أبا عبد الله، ما كان بينك وبين حذيفة؟ قال: يقول سلمان -وكان الإنسان عجولا- فانطلق حتى أتيا دار سلمان، فدخل سلمان الدار، فقال: «السلام عليكم»، ثم أذن لأبي قرة فدخل، فإذا نمط موضوع على الأرض، وعند رأسه لبنات، وإذا قرطات -والنمط ضرب من البسط- يعني شيء مما يوضع على الأرض، والقرطات قال: السرج والشيء اليسير -يعني عنده أشياء يسيرة في البيت- فقال: «اجلس على فراش مولاتك التي تمهد لنفسها». ثم أنشأ يحدثه، فقال: «إن حذيفة كان يحدث بأشياء كان يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم في غضبه لأقوام» -يعني كان حذيفة يذكر بعض الأحاديث التي كان يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في شأن بعض الصحابة مما كان يتكلم به عليه الصلاة والسلام في حال غضبه- قال: «فأوتي فأسأل عنها، فأقول: حذيفة أعلم بما يقول». قال: «وأكره أن تكون ضغائن بين أقوام». وبعض الروايات: «أوسع ذلك في موضعه». قال: «فأوتي حذيفة، فقيل له: إن سلمان لا يصدقك ولا يكذبك بما تقول». فجاءني حذيفة -يعني لما سئل سلمان عن كلام حذيفة وما يذكره من هذه الأحاديث- فقال: «هو أعلم بما يقول، لم يصدقه ولم يكذبه». فقيل لحذيفة: «إن سلمان لا يصدقك ولا يكذبك بما تقول». قال: «فجاءني حذيفة، فقال: يا سلمان، أمن أم سلمان؟ فقلت: يا حذيفة، أمن أم حذيفة؟ لتنتهيا أو لأكتبن فيكما إلى عمر». وفي رواية أخرى قال: «أما تنتهي حتى تكون أو حتى تورث رجالا حب رجال، ورجالا بغض رجال، وحتى توقع اختلافا وفرقة» -يعني بسبب كلامك هذا لا تنتهي حتى يكون سببا في أن يقع في قلوب بعضهم حب رجال وبغض رجال آخرين، ويحصل بذلك التفرق والاختلاف- وأراد بذلك رضي الله تعالى عنه أنه ينبغي ألا تذكر مثل هذه الأحاديث التي ربما تكون سببا في حصول الضغائن والأحقاد، وأن تقع في قلب بعض الناس فيبغض من قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، ويحصل بذلك الفرقة والاختلاف. قال: «أو لا تكتب فيك إلى عمر». فلما خوفته بعمر تركني. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولد آدم أنا، فأيما عبد من أمتي لعنته لعنة أو سببته سبة في غير كنهه، فاجعلها عليه صلاة». قال: «فاجعلها عليه صلاة». والحديث حسنه شيخ الألباني رحمه الله. والشاهد من هذا الحديث هو قوله: «فأخبر أنه في مقلاة له» -يعني في مزرعة ذات بقول- ثم قوله: «فلقيه ومعه زبيل فيه بقل». وفي هذا الحديث أيضا جواز أن يعرض الإنسان ابنته أو قريبته لمن يرى من أهل الصلاح. قال في هذا الحديث: «قال عمر بن أبي قرة: عرض أبي على سلمان أخته». عرض على سلمان أخته أن يتزوجها، هذا أمر جائز. يعرض الإنسان ابنته أو أخته أو غير ذلك من أقاربه لمن يرى من أهل الصلاح والاستقامة، ويرى أن ذلك أنفع لها وأصلح لها، فليس في ذلك شيء من العيب. قد فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه كما في الصحيح، حين تأيمت ابنته حفصة، فعرضها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فترك ذلك أبو بكر. وكان يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرها، ثم عرضها على عثمان، فقال: «ليس لي حاجة في الزواج». ثم خطبها النبي عليه الصلاة والسلام، فزوجها إياه. ووقع في نفس عمر من ذلك شيء: لماذا لم يقبلها أبو بكر؟ ثم أخبره أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكرها، وما كان ليفشي سر النبي عليه الصلاة والسلام. فالشاهد أن عمر رضي الله تعالى عنه عرض ابنته، فليس بهذا شيء من العيب. وليس كذلك معنى ذلك أن في ابنته أو أخته عيبا أو فيه نقصا أو غير ذلك أبدا، ليس في ذلك شيء. بهذا أمر جائز، وخاصة مثلا إذا تأخر مثلا الخطاب عنها، وهو يعلم أنها تحتاج للزواج، فلا بأس أن يخطب لها من يرى أنه أصلح لها وأنفع، فهذا من الإحسان إليها. ولا يجعلها مرمية كحال كثير من النساء، ربما تجلس بغير زواج، لا يأتيها أحد، وهي تكون راغبة في النكاح، ومع ذلك لا يبالي بها أهلها، ويرون أن عرضها عيبا وأمرا عظيما. وربما يبقونها حتى تصبح عجوزا، فليس هذا من الإحسان إليها، بل هذا من الإساءة إليها. والذي ينبغي أنه يحسن إليها بمثل هذا الفعل، وليس بذلك شيء كما قلنا. وهذا الأمر فعله الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وفعله السلف. وإن شاء الله نقرأ ما تبقى من الحديث في درس آخر، والله تعالى أعلم.