الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ولو كان كافرا أو يهوديا، وهذا يدل على وجوب الإحسان إليه ما دام أنه ليس منه عداوة. وقد ذكر عبد الله بن عمر مثالا على ذلك عندما أمر غلامه أن يبدأ بجارهم اليهودي عند سلخ شاة.
أكرم الناس عند الله هو الأكثر تقوى، وليس حسب النسب أو المال. هذا ما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أكرم الناس.
المقطع يتناول موضوعين رئيسيين، الأول هو سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن مفاخر العرب ومراتب الناس، والثاني هو شرح أهمية التفقه في الدين ورفعته في الإسلام. كما يشير إلى أن خيار الناس في الجاهلية يبقون خيارا في الإسلام إذا تعلموا وتفقهوا في الدين.
ينبغي الإحسان إلى كل من أحسن إليك، سواء كان برًا أو فاجرًا، بمقابلة إحسانه بالإحسان دون مقابلة إحسانه بالسيئة.
بسم الله الرحمن الرحيم خالينا ابن بخير رحمه الله في كتاب الأدب المفرد قال: حدثنا مخلد ابن مالك، قال: حدثنا أبو زهير عبد الرحمن ابن مغراء، قال: حدثنا الفضل يعني ابن مبشر، هذا الضحاك، قال: باب من آذى الجار أو باب الجار اليهودي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا بشير بن سلمان، عن مجاهد، قال: كنت عند عبد الله بن عمر، وغلامه يسلخ شاة، فقال: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي، فقال رجل من القوم: أليهودي أصلحك الله؟ قال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالجار حتى خشينا أو ظننا أنه سيورثه. والحديث صحيح، وهو بمعناه يعيده كذلك ما مر الحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في الصحيحين، وهو في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». وهذا يدل على حق الجار حتى ولو كان يهوديا أو كان كافرا، فإنه لا بأس أن يحسن إليه ما دام أنه ليس منه عداوة. فالله جل وعلا يقول: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾، فالإحسان إلى الجار ولو كان كافرا فإنه يدل على عموم عدله. وهذا الذي صح عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى أنهما من وصية النبي عليه الصلاة والسلام بالجار. قال: باب الكرم، حدثنا محمد المسلم، قال: أخبرنا عبده عن عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم». قال: ليس عن هذا سألتك، قال: «فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله». قال: ليس عن هذا سألتك، قال: فإن هؤلاء من العرب يسألونني، قالوا: نعم، قال: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أكرم الناس، فأجاب أن أكرم الناس عند الله أتقاهم، أكرم الناس عند الله جل وعلا أتقاهم. فهذا هو الميزان الذي يزن به الشرع الناس، هو تقوى الله سبحانه وتعالى، ولو كان وضيع النسب، ولو كان عند الناس حقيرا أو كان فقيرا، فهذا هو الميزان الذي يلتفت به العبد عند الله سبحانه وتعالى، بل ميزان وتقوى الله عز وجل. فإذا كان عبدا تقيا فهو أكرم الناس عند الله، وإن لم يكن من ذوي النسب والحسب، وإن كان ذا حسب ونسب ومال وشرف ولكنه فاجر فاسق، فهو حقير ليس عند الله سبحانه وتعالى بكريم. فأكرم الناس عند الله أتقاهم. فقال: ليس عن هذا نسألك، ثم قال: «أكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله»، فقال: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن مفاخر العرب تسألوني -يعني عن وصولهم التي ينتسبون إليها ويتفاخرون بها- وشبهم بالمهابل لكونهم أو عيال الشرف كما أن المهابل أو عيال الجواهر الثمينة- أو تشبيه في قبول إسلامهم وأحسنهم من القرآن والحكم على مراتب الناس لا تحصى. فلما قال: نعم، عن هذا نسأل -يعني عن مراتب الناس- وكذلك أيضا وصولهم التي ينتسبون إليها ويتفاخرون بها، فقال: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» -يعني أن خير الناس وخياركم من كان حسن الإسلام- خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، أي إذا تعلموا وتفقهوا في الدين. فالعبرة هو بالتنسك بهذا الدين، وكذلك أيضا يرتفع أشخاص بالعلم والفقه، كما قال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. فكلما تفقه الإنسان في دين الله سبحانه وتعالى زادته رفعة وشرفا، وكانت له خيرية، كانت له الخيرية والشرف هو بالتفقه في الدين وبالتنسك بهذا الدين والعمل به، فبذلك يرتفع في الإسلام. قال: باب الإحسان إلى البر والفاجر، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا سالم بن حفصة، عن منصور الثوري، عن محمد بن معلى -أو الحسن- إلا الحنفية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، قال: هي مسجلة للبر والفاجر. قال أبو عبد الله: قال أبو عبيد: مسجلة مرسلة. والأثر حسنه. وعلى أنه ينبغي الإحسان إلى البر والفاجر، فإذا أحسن إليك البر -أي الرجل المستقيم الخير- فتحسن إليه، ولو أحسن إليك الفاجر فإنك تحسن إليه وتقابل الإحسان بالإحسان. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لا تقابل الإحسان بالسيئة، بل تقابل الإحسان بالإحسان.