التعليقات على كتاب الأدب المفرد 66

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

جود نساء السلف وطرق الإنفاق

يُذكر جود عائشة وأسماء واختلاف طريقتيهما في الإنفاق، مع التشجيع على التوازن لتجنب البخل أو التبذير. يُبرز المقطع أهمية الإنفاق في سبيل الله.

التحذير من الشح والبخل

يُحذر النبي من الشح، ويُوضح أن الشح لا يجتمع مع الإيمان أبدًا، مشيرًا إلى أن الشح أشد من البخل. يُبين أن المؤمن يجب أن يتجنب هذه الصفات السيئة.

الإيمان والأخلاق وتغيير السلوك

يشرح المقطع العلاقة بين الإيمان والأخلاق، ويبين أن المؤمن يجب أن يكون كريمًا. كما يتطرق إلى كيفية تغيير الأخلاق السيئة من خلال الدعاء ومجاهدة النفس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله بكتابه الأدب المفرد قال حدثنا فروة بن أبي المغيرة قال حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة قال أخبرني القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال ما رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا كان اجتمع عندها قسمت، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد. هذا الأثر قال شيخ الألباني رحمه الله صحيح الإسناد، وهذا الأثر ما زال تابعا للباب في الكلام على سقاوة النفس، فذكر فيه إخبار عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه قال ما رأيت امرأتين أجود من عائشة وأسماء، وجودهما مختلف، عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام وهي بنت أبي بكر الصديق، وأسماء كذلك بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فيخبر عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه -وأسماء بنت أبي بكر هي أم عبد الله بن الزبير- فيخبر عن حال أمه وخالته عائشة رضي الله تعالى عنها من جودهما وسخاوتهما، أنه قال ما رأيت امرأتين أجودا من عائشة وأسماء، يعني في الجود والسخاء والعطاء. قال وجودهما مختلف، أما عائشة فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا كان اجتمع عندها قسمت، عائشة تجمع الشيء إلى الشيء طعام مع الطعام، المال مع المال، حتى إذا اجتمع عندها قسمت، يعني إذا زاد وكثر قسمت هذا المال وتصدقت به وأنفقته، وأما أسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد، يعني إذا وجدت شيئا أنفقته وأخرجته وتصدقت به، كانت لا تمسك شيئا لغد. وقد أوصاها النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين أنه قال لها لا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك، يعني لا تمسكي المال في يذهبه الله ويُتلفه، فأوصاها عليه الصلاة والسلام بالإنفاق والإخراج من المال، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ينزل ملكان فيقول أحدهما اللهم اعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكا تلفا، يدعو أحدهما بالمنفق بأن الله يخلفه، اعط منفقا خلفا يعني اخلف له ويسر له، أعطي إذا أنفق. وكما قال الله جل وعلا وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين، ما ينفق الإنسان من شيء إلا والله جل وعلا يخلف له خيرا منه، وكما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في مسلم قال الله عز وجل أنفق يا ابن آدم ينفق عليك، أنفق يا ابن آدم ينفق عليك، أنت تنفق المال وتحتسب الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا يخلف لك خيرا منه، وكذلك أيضا يسر لك مالا خيرا منه، أنفق يا ابن آدم ينفق عليك. وإمساك المال سبب لذهاب بركته ولإتلافه، لكن ليس معنى ذلك أن الإنسان يسرف في المال ويبذر، فالتبذير مذموم، ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا، لكن المراد الوسط، لا تمسك المال إمساكا غير إنفاق فتكون بخيلا شحيحا، ولا تنفق المال إنفاقا من غير اقتصاد أو توسط فتكون مبذرا مصرفا، لا تكن وسطا، لا إفراط ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط، يعني كن وسطا، لا تكن بخيلا شحيحا ولا تكن كذلك مبذرا مسرفا، كن وسطا، أعط كل شيء حقه، أنفق على أهلك أولادك، وكذلك أكرم عليهم بما أكرمك الله سبحانه وتعالى، ولا تكن بخيلا شحيحا، ولا كذلك أيضا تسرف في المال وتبذره بأمور لا فائدة منها ولا منفعة منها، بل كن وسطا. واستفيد من هذا الحديث هو جود عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما، وما كان عليه من الجود والإكرام والإنفاق والإعطاء، وهذا في نساء الصحابة رضوان الله تعالى عليهن، انظروا كيف كن في المسابقة في فعل الخير وفي المسارعة فيما يقربهن إلى الله سبحانه وتعالى، عائشة تجمع الشيء إلى الشيء ثم تقسمه، وأسماء لا تدع شيئا لغد، هؤلاء نساء الصحابة رضوان الله تعالى عليهن كن على هذا الخلق من السخاوة والجود. وهكذا كان كثير من نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهن في حب الخير، حب الطاعة والمسابقة في الخيرات والطاعات، فكذلك برجالهم، فكذلك كانوا رضي الله تعالى عنهم على خير عظيم في المسابقة والمشاركة في الخيرات والطاعات، وهذا ينبغي أن تكون المرأة أن تقتدي بهؤلاء النساء، تجعل نساء الصحابة قدوة لها، تقتدي بهن في أخلاقهن وفي عباداتهن وفي معاملاتهن وفي طاعاتهن وعباداتهن، تجعلهن قدوة ومثالا تقتدي به. قال رحمه الله باب الشح، بعد أن تهى من الكلام على سخاوة النفس والكلام على الجود انتقل رحمه الله إلى باب الشح، ومن باب الفائدة ذكر من القيم رحمه الله في كلامه على الجود في كتابه مدارج السالكين أنه عشرة أقسام، ذكر رحمه الله أن الجود عشرة أقسام ثم ذكرها. قال باب الشح قال حدثنا مسدد وابن مسرح قال حدثنا أبو عوانة عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع بن اللجلاج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا، الحديث صحيح وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. وقول البخاري رحمه الله باب الشح والشح قيل هو أشد البخل، قيل أشد البخل، وقيل هو البخل مع الحرص، قيل الشح هو البخل مع الحرص، يعني بخل وزيادة، بخل مع حرص، وقيل البخل في أفراد الأمور والشح في جميع الأمور، يعني أن الشح أعم، وقيل أن الشح هو الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده، الشح الحرص بما ليس عنده والبخل بما عنده، ومن هذه الأقوال يتبين أن الشح أشد من البخل، أشد من البخل، فهو بخل وزيادة. وأراد رحمه الله من ذكر هذا الباب التحذير من الشح والتزهيد فيه، فذكر حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، يعني أن المجاهد في سبيل الله جل وعلا إذا جاهد في سبيل الله وهو صادق مخلص لله جل وعلا في جهاده فإنه لا يدخل النار، فإنه لا يدخل النار، فلا يجتمع جهاده في سبيل الله جل وعلا ودخوله النار، والمراد من ذلك أن المجاهد إذا صدق في جهاده وأخلص فهو من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة ولا يدخل النار. هذا معنى لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا، أي ليس من صفات المؤمن الشح، فالمؤمن لا يكون شحيحا، لا يكون شحيحا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا، وإذا كان شحيحا فهذا يدل على أن عنده نقص في إيمانه، عنده نقص في إيمانه، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا، ويدل كذلك على التحذير من الشح، التحذير من الشح، فإذا كنت شحيحا فعليك أن تتفقد نفسك وأن تداوي نفسك بإزالة هذا المرض والداء الذي يدل على نقص في الإيمان. فإن المؤمن لا يكون شحيحا، المؤمن لا يكون شحيحا، بل يكون كريما سخيا، يعلم أن الذي أعطاه أنه يعوضه ويخلف له خيرا كما أخبر الله سبحانه وتعالى كما سمعنا فيما مر، وكما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا فليكن في وصفه الشح بل ينفق ويحتسب الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله حدثنا مسلم قال حدثنا صفوان بن موسى وهو أبو المغيرة السلمي قال حدثنا مالك بن دينار عن عبد الله بن غالب وهو الحداني عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق، وهذا الحديث ضعيف، ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة. قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا الأعمش عن مالك بن الحارث عن عبد الله بن ربيع قال كنا جلوسا عند عبد الله فذكروا رجلا -يعني عبد الله بن مسعود- فذكروا من خلقه، قال عبد الله أرأيتم لو قطعتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تعيدوه قالوا لا، قال في يده قالوا لا، قال فرجله قالوا لا، قال فإنكم لا تستطيعون أن تغيروا خلقه، حتى تغيروا خلقه، إن النطفة تستقر في الرحم أربعين ليلة ثم تنحدر دما ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم يبعث الله ملكا فيكتب رزقه وخلقه وشقيا أو سعيدا. قال الشيخ الألباني رحمه الله حسن الإسناد موقوفا إلا قوله في آخره إن النطفة تستقر في الرحم لها حكم الرفع، ثبت مرفوعا معناه في الحديث المشهور الصحيح حديث ابن مسعود في الصحيحين، حدثني الصادق المصدوق. والمراد في هذا الأثر أنهم ذكروا رجلا فذكروا من خلقه، فأراد عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن يبين لهم أن هذا الخلق الذي هو عليه لا يستطيعون أن يغيروه، لا يستطيعون أن يغيروه كما أنهم لا يستطيعون أن يغيروا خلقه، فقال لهم أرأيتم لو قطعتم رأسه أكنتم تستطيعون أن تعيدوه قالوا لا، إذا قطع رأسه هل يستطيعون أن يعيدوه فالجواب لا، ما يستطيعون هذا الأمر ليس بأيديهم هو بيد الله سبحانه وتعالى. قال في يده قالوا لا، فرجله قالوا لا، قال فإنكم لا تستطيعون أن تغيروا خلقه، ويريد بذلك أن هذا الأمر بيد الله سبحانه وتعالى ليس بأيديكم، فالقادر على خلقه وعلى تغييره هو كذلك القادر على تغيير خلقه، فالخلق الذي يخلقه الإنسان فإنه لا يستطيع أن يغيره أحد من الناس، وإنما الذي يغيره هو الله سبحانه وتعالى. وكما مر معنا أن الخلق على قسمين منه ما هو خلق جبلي طبعه جبل عليه الإنسان، ومنه ما هو مكتسب يكتسبه الإنسان ويتخلق به، فالذي من خلقه خلق سيء فإنه يحاول أن يغيره وأن يتخلق الخلق الحسن، يجتهد في ذلك بالدعاء كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، فيجتهد في الدعاء يدعو الله سبحانه وتعالى أن يهديه له الخلق الحسن. ثم كذلك يجاهد نفسه في اكتساب الخلق الحسن، فإن كان من خلقه الشح والبخل فيعود نفسه على الكرم وعلى الجود شيئا فشيئا، وهكذا إن كان من خلقه الغضب فيعود نفسه على التحمل والصبر، وهكذا في سائر الأخلاق يحاول أن يعود نفسه على الخلق الحسن حتى يتيسر له الأخلاق الحسن، ثم بعد ذلك تصبح له طبيعة، يعني سهلة وتكون من خلقه، وما تكون في البداية فيها شيء من التكلف، ثم بعد ذلك تصبح له ماذا عادة، وكذلك أيضا يأتي بها بكل سهولة مع مجاهدة النفس والصبر والاجتهاد في الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى.