التعليقات على كتاب الأدب المفرد 98

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 98، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل إصلاح ذات البين وأهميته

يُبين الحديث النبوي أهمية إصلاح ذات البين بين الناس، حيث يعتبر درجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة. كما يؤكد القرآن الكريم على أهمية الإصلاح بين الناس وأنه من خير الأعمال.

آثار فساد ذات البين وخطورة الإفساد

فساد ذات البين يسبب استئصال الدين ويؤدي إلى الضعف والفشل والعداوة بين المسلمين. وقد حث النبي على صلاح ذات البين وسعى لإصلاحها وتجنب الإفساد فيها.

أهمية الصدق وتحذير العلماء من الكذب

يناقش المقطع أهمية الصدق في التعامل بين المسلمين ويحذر من الكذب الذي يعتبر من صفات المنافقين. يجب على المسلم أن يصدق في حديثه ولا يكذب عند تحدثه مع الآخرين.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: باب إصلاح ذات البين. حدثنا صدقة وهو الفضل، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش سليمان بن مهران، عن عمر بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «صلاح ذات البين». وفساد ذات البين هي الحالقة. والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وفي هذا الحديث فضيلة إصلاح ذات البين، وأن صلاح ذات البين درجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة، مع أن الصلاة والصيام والصدقة من الأعمال الفاضلة والأعمال الصالحة العظيمة. ولكن لما كانت الأعمال على قسمين: منها ما هو عمل متعدي، ومنها ما هو قاصر، فالصلاة والصيام والصدقة أجرها وفضلها قاصر على صاحبها، والنفع فيه أكثر لصاحبه. وصلاح ذات البين نفعه متعد، نفعه متعد، فربما كان سببًا في إحصان دماء المسلمين، وفي عدم سفكها، بما يقوم به المصلح من الإصلاح بين الفئتين وبين الطائفتين، فيكون في ذلك نفع أعظم مما لو استغل هذا الوقت بصلاة أو صيام أو صدقة. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «صلاح ذات البين»، أي ما يكون بين طائفتين أو بين شخصين من شحناء وعداوة، فيقوم هذا المصلح فيصلح ذات بينهم، يسعى في جمع كلمتهم، وفي إزالة هذه الشحناء والبغضاء الذي بينهم، فذلك أفضل. وكما قال الله جل وعلا: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، فأخبر الله جل وعلا أنه لا خير في كثير مما يفعله الناس بمثل هذه الأعمال من صدقة أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو أصلح بين الناس أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا. وكما قال جل وعلا: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، وقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَكُمْ﴾، فالله جل وعلا أمر بالإصلاح والسعي في ذلك، وأنه من خير الأعمال لما في ذلك من المصالح العظيمة والمنافع الكثيرة. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كما في هذا الحديث: «صلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة». وفي بعض الروايات: «لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»، ففساد ذات البين حالقة، بمعنى أنها سبب استئصال هذا الدين، سبب استئصال الدين كما يستأصل الشعر بالموس. وكذلك أيضًا ما يحصل من فساد ذات البين، ما يحصل من شحناء وبغضاء وحقد وحسد وعداوة تكون سببًا في حصول الهزيمة في أوساط المسلمين والضعف والخور بسبب فساد ذات البين، ويحصل الفشل كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فلما يحصل الفساد في ذات البين ويحصل العداوة يحصل الشر العظيم، التفرق والتمزق. وهكذا أيضًا الطعن في الأعراض واعتداء أناس على آخرين بسبب فساد ذات بينهم. وبهذا كما سمعنا يحصل الضعف ويحصل الشر العظيم. فلهذا حتى النبي عليه الصلاة والسلام حث على صلاح ذات البين. وربما كان في فساد ذات البين سفك الدماء، بما يحصل بين الأمراء ومن كان له منزلة في الحكم والرئاسة إذا حصل بينهم فساد ذات البين، لا تسأل عن الشر العظيم الذي يترتب على ذلك. وهكذا يظن بعض الناس بينما يكون بين أهل الحق الذين هم على طريقة واحدة، على عقيدة واحدة ومنهج واحد، ثم يسعى بعض المفسدين في فساد ذات بينهم بالنميمة والقيل والقال والكذب. وهكذا أيضًا بشهادة الزور، ويحصل في ذلك الشر العظيم إذا فسدت نياتهم. وهكذا أيضًا فسد ذات بينهم كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام تكون الحالقة. فنسأل الله السلامة والعافية. فينبغي للمسلم أن يحرص على إصلاح ذات البين، وأن يسعى في ذلك، وأن لا يكون من المفسدين، أن لا يكون ممن يسعى في فساد ذات البين بما ينشره من أقوال أو بما يكتبه من رسائل وأوراق يكون فيها سببًا في إشعال النار الفتنة والسعي في فساد ذات البين. فإن هؤلاء يدخلون في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وفساد ذات البين هي الحالقة»، فهم يسعون بما يفعلون إلى حلق هذا الدين، وكذلك زيادة الشر في أوساط أهل الحق. حدثنا موسى، قال: حدثنا عباد بن العوام، قال: أخبرنا سفيان -وهو الثوري- عن الحسين بن الحسن، عن الحكم -وهو ابن عتيبة-، عن مجاهد، وابن جبر، عن ابن عباس قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، قال: هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم. الأثر صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. وكذلك أشعر أنه روي كذلك مرفوعًا من حديث أنس. فعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول في قول الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، قال: هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم، يعني حث من الله عز وجل وأمر للمؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم، أن يتقوا الله أن يراقبوه فيما أمر وفيما نهى، فيفعلوا ما أمر ويتركوا ما نهى عنه، وأن يصلحوا ذات بينهم يسعوا في الإصلاح فيما بينهم، وأن يستعينوا بالله سبحانه وتعالى على ذلك. باب إذا كذبت لرجل وهو لك مصدق. حدثنا حيوة بن شريح، قال: حدثنا بقية بن الوليد -وهو مدلس، وكان يدلس تدليس التسوية، وهنا عنعن في هذه الرواية، لكنه صرح بالتحديث عند ابن عدي وابن عساكر-، قال: عن ضبارة بن مالك الحضرمي -وهو مجهول-، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أن أباه حدثه، أن سفيان بن أسيد الحضرمي حدثه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق، وأنت له كاذب». والحديث ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في الضعيفة، وعلته كما سمعنا ضبارة بن مالك، فإنه مجهول. ومعنى الحديث صحيح، فمن الخيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق، وأنت له كاذب، تخبره بخبر وهو يثق فيك ويعلم ويظن أنك تصدق معه، فإذا بك كاذب تحدثه وأنت تكذب وهو يظن أنك صادق فيصدقك بما تقول، فهذا من الخيانة. فالواجب على المسلم إذا حدث أخاه بحديث أن يصدق معه، أن يصدق بحديثه ولا يكذب؛ لأن الكذب من صفات أهل النفاق، «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب». فينبغي للمسلم أن يتنزه من الكذب، وأن لا يكون من خلقه الكذب. إذا كان الكفار والمشركون كانوا يتنزهون عن الكذب ويرون من العيب، وربما خاف أحدهم أن يؤثر عليه كذب، وهو كافر يرى أنه عار أن يؤثر عليه كذبًا، كما قال أبو سفيان في حديثه مع هرقل قبل أن يسلم: «لولا أن يؤثر علي كذبًا لكذبت». فكان يخاف أن يؤثر عليه كذب وهو كافر، فكيف بالمسلم؟ فينبغي للمسلم أن يحذر من الكذب وأن يتنزه من الكذب، فكيف إذا كان المسلم طالب علم، فإنه أحرى أن يتنزه عن الكذب، فكيف إذا كان عالمًا، فإنه أعظم أن يتنزه من الكذب؛ لأن العلم حجة على صاحبه، ومن علم حجته أعظم ممن لم يعلم. فينبغي للمسلم أن يحذر من الكذب وأن يصدق في حديثه ولا يكذب، لا يكذب إذا حدث أخاه بحديث، فإنه يصدق معه.