التعليقات على كتاب الأدب المفرد 130

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 130، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم الظلم وأثره

الله سبحانه وتعالى حرم الظلم على نفسه وعلى عباده، والظلم يعني وضع الشيء في غير موضعه. الظلم ينقسم إلى ظلم العبد لنفسه وظلم العبد لغيره.

أقسام الظلم ونتائجه

الظلم بين العباد محرم، وينقسم إلى ظلم الإنسان لنفسه وظلم الإنسان لغيره. الأصل في الأشياء هو التحريم والاعتداء عليها يعتبر ظلمًا.

فضل التوبة والاستغفار

الله يدعو عباده للتوبة والاستغفار ويغفر الذنوب لمن تاب ورجع إليه. الاستغفار يؤدي إلى مغفرة الذنوب والخطايا.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فوقفنا في الدرس السابق في كتاب الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله عند حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، الحديث القدسي الذي يرويه النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى، أن الله عز وجل قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا» الحديث. وقلنا: هذا الحديث قد رواه الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، ورواه الإمام مسلم من نفس الطريق التي رواه الإمام البخاري رحمه الله في هذا الكتاب، من طريق سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني، ورواه كذلك من طرق أخرى. وهذا الحديث كان الإمام أحمد رحمه الله يقول: «ليس لأهل الشام حديث أفضل من هذا الحديث أو أشرف من هذا الحديث». وفي هذا الحديث يروي النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه سبحانه وتعالى أن الله عز وجل قال: «يا عبادي»، والحديث القدسي يعتبر من كلام الله سبحانه وتعالى، فليس كلام الله عز وجل هو القرآن فقط كما قد يعتقد البعض، بل القرآن من كلام الله، ومن كلام الله عز وجل ما حدث به النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى، وهو يسمى بالحديث القدسي. قال: «يا عبادي»، وهذا نداء من الله عز وجل لعباده، وهو يشمل جميع العباد. «يا عبادي إني قد حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا». أخبر الله عز وجل أنه قد حرم الظلم على نفسه، والتحريم هنا بمعنى المنع، أي أن الله سبحانه وتعالى منع الظلم على نفسه. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالله سبحانه وتعالى نزه نفسه عن الظلم، مع أن الله عز وجل قادر على ذلك، ولكن حرمه على نفسه سبحانه وتعالى إكراماً وفضلاً، وكذلك جوداً منه سبحانه وتعالى. وأما قول من قال: «إن الظلم هو تصرف في ملك بغير إذنه»، فإنه يقول: «إن الظلم مستحيل عن الله سبحانه وتعالى»، أن الظلم مستحيل عن الله عز وجل، وهذا القول ليس بصحيح، بل إن الله عز وجل قادر على ذلك، لكن تركه سبحانه وتعالى فضلاً منه وإحساناً. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي كعب عند أبي داود: «أن الله عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم». لو عذب الله عز وجل أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لأن الله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه. والظلم كما علمنا هو وضع الشيء في غير موضعه، والذي يتصرف في ملكه فإنه يتصرف فيه كما شاء، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويزيد لمن شاء وينقص لمن شاء، وهو لا يعتبر في ذلك ظالماً لأن هذا الشيء له، وقد تصرف فيما له الحق التصرف فيه. والحاصل أن الله عز وجل كما سمعنا قد حرم الظلم على نفسه، وأخبر عز وجل في آيات كثيرة بأنه قد حرم الظلم على نفسه، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ إلى آخر ذلك من الآيات الكثيرة التي فيها بيان أن الله عز وجل نزه نفسه عن الظلم. فالظلم من الصفات الذميمة والصفات التي تدل على نقص في المتصف بها، والله عز وجل لا يوصف بالظلم، وإن كان هو الخالق له. الله عز وجل هو الخالق للظلم، ومع ذلك فإنه لا يوصف به، كما أن الله عز وجل خالق كل شيء، ومن الأشياء المخلوقة ما هو حسن وما هو قبيح، وما هو طيب وما هو خبيث، ومع ذلك فإن الله عز وجل لا يتصف بها. وإنما نُزه الله عز وجل خلقاً وإيجاداً. وقولنا بأن الظلم مما تركه الله عز وجل فضلاً وإحساناً، لأن ذلك أدل على الكمال وعلى القدرة والقوة، فإن ترك الإنسان للشيء وهو يستطيعه فيتركه، ذاك يدل على كماله وعلى قدرته وقوته، بخلاف ما لو تركه عجزاً، تركه عجزاً لا يستطيع أن يفعله، فإن ذلك لا يكون مدحاً له. وكما قال القائل وهو يصف أو يذم قبيلته ببيت في ظاهره المدح والمقصود منه الذم، قال: «وإن قومي وإن كانوا ذو شرف ليسوا من الشر في شيء وإنهما يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السوء إحساناً». يقول: «إن قومي لهم شرف ولهم منزلة وحسب، ليسوا من الشر في شيء وإنهما» يعني لا يفعلون الشر ولا يتصفون بالشر، ولو كان شيئاً حقيراً ولو كان شيئاً هيناً. قال: «يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة» يعني من ظلمهم سامحوه وغفروا لهم ظلمهم، «ومن أساء إليهم قابلوه بالإحسان». هذا ظاهره أنهم مدحوا أنهم لا يظلمون ويعفون عمن أساء إليهم، أخطأ في حقهم، وهو أراد بذلك أن يذمهم لأنهم لا يفعلون ذلك تفضلاً وتكرماً، وإنما يفعلون ذلك عجزاً لضعفهم وعجزهم، فإنهم لا يقابلون الظلم بالظلم، ولا يقابلون الإساءة بالإساءة، فهذا يدل على ضعفهم. أما مقابلة الإساءة بالإحسان مع القدرة على الإساءة، فهذا هو الكمال الذي يدل على شرف صاحبه. قال: «وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا»، أي أن الله عز وجل كذلك حرم الظلم بين العباد. «وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا»، أي لا يظلم بعضكم بعضاً. والمقصود بالظلم في هذا الموضع هو ظلم العباد بعضهم لبعض، لأن الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم العبد نفسه، وظلم العبد لأخيه بالاعتداء عليه في دمه أو في ماله أو في عرضه، فهذا من الظلم. ظلم الإنسان نفسه بالمعاصي والذنوب، وأعظمها الشرك بالله سبحانه وتعالى، وظلمه لغيره كما سمعنا في الاعتداء في دم أو مال أو عرض. فالأصل في هذه الأشياء هو التحريم، والاعتداء عليها يعتبر من الظلم الذي حرمه الله سبحانه وتعالى. «وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا»، أي لا يظلم بعضكم بعضاً. ثم قال الله عز وجل: «يا عبادي إنكم الذين تقترفون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم». هذا نداء من الله عز وجل لعباده أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يستغفروه، وأن يرجعوا إلى الله عز وجل. «يا عبادي إنكم الذين تقترفون» الذين اقترفوا للتأكيد على وقوع الخطأ من العباد ووقوع الذنوب منهم، فالعبد معرض في هذه الدنيا للتقصير والوقوع في شيء من المعاصي، فهو غير معصوم من ذلك. ولهذا قال الله عز وجل في وصف أهل الإيمان: «والذين يجتنبون الكبائر والإثم والفواحش إلا اللمم» يعني إلا صغائر الذنوب، لأنه لا يستطيع أن يعتصم منها، بل لابد أن يقع في شيء من الصغائر، لكن المؤمن إن وقع في شيء من ذلك فإنه سرعان ما يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وما يرجع إلى الله عز وجل ويطلب منه المغفرة والتوبة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم». يعني أن الذنب لابد أن يقع منكم، لكن الواجب هو المبادرة بالتوبة والاستغفار. قال: «إنكم الذين تقترفون بالليل والنهار» يعني يقع الخطأ والذنب في الليل وفي النهار. «وأنا أغفر الذنوب» أي الذي يملك مغفرة الذنوب هو الله سبحانه وتعالى، لا أحد من الخلق، لا ملك ولا نبي، فضلاً أن يملكه بشر من البشر، أو حجر أو شجر أو قبر أو غير ذلك، لا يملك مغفرة الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى. «وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي» أي أن الله عز وجل لا يبالي بما ارتكبه العبد من ذنوب وخطايا، فإنها لا تضر الله عز وجل بشيء أبداً، وإنما العبد هو الذي يضر بنفسه، كما قال الله عز وجل: «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز». وهكذا أيضاً مهما كبرت وكثرت ذنوب العبد، فالله عز وجل يغفرها ولا يبالي بكثرة ذنوبه وبكثرة معاصيه إذا تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى بتوبة نصوح. «وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم»، أمر الله عز وجل أن نستغفره، وأن نطلب منه مغفرة الذنوب، ووعدنا الله عز وجل بأن يغفر لنا. «فاستغفروني أغفر لكم»، فينبغي على العبد أن يكون دوماً على توبة واستغفار مما يقع منه من ذنوب ومن خطايا. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله وخير هذه الأمة كثيراً ما كان يستغفر الله عز وجل ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة، وأكثر من مئة مرة. فمن هو دون النبي عليه الصلاة والسلام أولى وأحرى أن يكثر من التوبة والاستغفار. وإذا علم العبد ذلك أن الذي بيده المغفرة وبيده مغفرة الذنوب هو الله عز وجل، فعليه أن يقبل إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يتوجه إلى أحد من الخلق، لا ولي من الأولياء، ولا قبر من القبور، فإنها لا تنفع ولا تضر، بل الذي بيده الأمر هو الله سبحانه وتعالى. فإذا فعلت ذلك غفر الله سبحانه وتعالى لك ما قد صدر منك من ذنوب وخطايا. إلى هنا ونكمل في درس قادم، والله تعالى أعلم.