الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 6، ألقاها
العيافة هي زجر الطير والتشاؤم بها، وقد نهى النبي عنها ووصفها بالشرك. الطيرة الجاهلية محرمة بينما زجر الطير للاصطياد جائز.
ينقسم علم النجوم إلى قسمين: علم التأثير المحرم وعلم التسيير المباح إذا اقتصر على الاهتداء ومعرفة القبلة. يُحذر من التعمق في علم النجوم.
اختلف أهل العلم في استدلال الناس بعلامات ونجوم لمعرفة اتجاه القبلة، فأنكر الإمام أحمد ذلك بينما أجازه آخرون مثل ابن عباس ومجاهد.
حذر السلف من التوسع في علم النجوم لما قد يؤدي إليه من فساد، واكتفوا بما ورد في الشرع من الاهتداء بها.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، مر معنا في الدرس السابق أن علم النجوم ينقسم إلى قسمين، ما هما؟ علم التأثير وعلم التسير. ما هو علم التأثير؟ الاستدلال بحركات الفلك والنجوم على حوادث الأرض. وعلم التسير؟ نعم، الاستدلال بالفلك والنجوم بمعرفة الجهات والقبلة ونحو ذلك. فالأول باطل ومحرم، والثاني جائز على أنه لا يعتقد أن لهذه النجوم تأثير في حدوث شيء من نزول مطر أو مجيء رياح أو نحو ذلك مما يقع. وعندنا هنا في الكتاب قال: وهذا محمولٌ على التأثيرات لا علم التسير. الصواب: لا علم التسير. علم التسير. قال الإمام رجب رحمه الله: وخرج أيضا من حديث قبيصة -يعني أبا داود- مرفوعا: العيافة والطيارة والطرق من الجبت. والحديث رواه أبو داود، وفي سنده حيان بن علاء، وهو مجهول. وقد ضعفه شيخ الألباني رحمه الله في مواضع كثيرة من كتبه، لكن معناه صحيح، وتدل على صحة معناه أدل كثيرة. قال: والعيافة زجر الطير، والطرق الخط في الأرض. هذا التفسير صح عن عوف بن مالك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهما فسّرا العيافة بقوله: زجر الطير، والطرق الخط في الأرض. وصحح شيخ الألباني رحمه الله في سنن أبي داود، والمراد بزجر الطير: أي التشاؤم والتفاؤل بها. التشاؤم والتفاؤل بها. وزجر الطير له أقسام، منها زجره لأجل الاصطياد، لأجل الاصطياد، فإن من الجوارح التي تستخدم في الصيد الطير، فإن كان زجره لأجل الاصطياد فهذا جائز، ولا يدخل في هذا الباب. ولهذا يذكر أهل الفقه من صفات الطائر المعلم أنه ينزجر إذا زجر. والمعنى الثاني هو ما يفعله أهل الجاهلية من زجر الطير، فإذا ذهبت إلى جهة الشمال تشاؤم، وإذا ذهبت إلى جهة اليمين تفاؤل، إذا أراد أن يقدم على أمر من الأمور من سفر أو تجارة أو زواج أو غير ذلك يزجر الطير، إن ذهبت إلى اليمين أقدم وتفاؤل، وإن ذهبت إلى الشمال ترك وتشاؤم. والطيرة منهي عنها، جاءت الأدلة الكثيرة في النهي عن الطيرة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» رواه أبو داود عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضا قال عليه الصلاة والسلام: «لا عدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر» متفق عليه. وغيرها من الأحاديث الكثيرة. قال: والطرق الخط في الأرض -يعني فسر الطرق بمعنى هو خط الخط في الأرض- والخط في الأرض له معاني وأقسام، منها ما يقصد به بيان حدود الأرض، هذا جائز ولا يدخل في النهي، معرفة حدود الأرض. والمعنى الآخر هو أن يخط في الأرض ويضرب على الرمل على سبيل السحر والكهانة، وهذا هو المحرم، هذا هو المحرم. ما يفعله الكهنة بفعل خطوط على الأرض أو على اليد أو على الفنجان أو غيرها من مثل الخط في الأرض، هذا من السحر والكهانة، ويدعون بذلك علم الغيب: أنه سيحصل لك كذا أو سيحصل لك كذا، وكل هذا دجل وكذب وافتراء، فهذا محرم. قال: فعلم التأثير بالنجوم باطل محرم. قلنا: علم التأثير الاستدلال بحركات الفلك على حوادث أرضية، يستدل بحركة النجوم والكواكب على أمور تقع في الأرض، هذا باطل محرم. قال: والعمل بمقتضاه كالتقرب إلى النجوم وتقريب القرابين لها كفر، كما كان يفعل بعض الكفار من عباد الكواكب والنجوم يتقربون إليها بالقرابين، هذا أعظم وأشد كفرا. قال: وَأَمَّا عِلْمُ التَّيْسِير -وَالصَّوَابُ التَّسْيِرُ- فَإِذَا تُعُلِّمَ مِنْهُ وَأُخِذَ مِنْهُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلِاهْتِدَاءِ وَمَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ وَالطُّرُقِ كان جائزاً عند الجمهور، وما زاد عليه فلا حاجة إليه، وهو مشغل عما هو أهم منه -يعني التكلف والتعمق في معرفة علم النجوم بزيادة على ما ذكر الله عز وجل بقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بمعرفة الطرق والجهات- فما زاد على ذلك فهو مذموم، ويشغل عما هو أهم منه من معرفة أحكام الشريعة والتفقه في الدين. قالوا: ربما أدَّت التدقيق فيه إلى إساءة الظن بمحارب المسلمين في أمصارهم، كما وقع ذلك كثيراً من أهل هذا العلم قديماً وحديثاً -يعني ممن اهتم بعلم الفلك وتوسع فيه حتى أنه يخطئ أهل الإسلام في صلاتهم واتجاههم إلى القبلة- قال: وذلك يفضي إلى اعتقاد خطأ الصحابة رضي الله عنهم والتابعين في صلاتهم في كثير من الأمصار، وهو باطل -يعني زعمهم هذا وادعاؤهم أن صلاة من صلى واتجه إلى جهة القبلة على غير ما ادعوه ليس بصحيح- فهذا يلزم منه ماذا؟ اعتقاد أن الصحابة رضي الله عنهم أخطأوا في صلاتهم، وهكذا التابعون كذلك أخطأوا في صلاتهم، ولا شك أن هذا أمر باطل. قال: وقد أنكر الإمام أحمد الاستدلال بالجدي، وقال: إنما ورد ما بين المشرق والمغرب قبله. وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره، وهو حديث صحيح. وهو حديث صحيح: «ما بين المشرق والمغرب قبله» هذا قاله النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة، ومن كانت جهتهم وقبلتهم كأهل المدينة يقال لهم هذا الحديث: «ما بين المشرق والمغرب قبله». وهذا يدل على أن الواجب هو الاتجاه إلى جهة القبلة، وليس واجبا أنه يتحرى استقبال عين الكعبة، وإنما يلزم استقبال عين الكعبة من كان يراها ويشاهدها، وأما من كان بعيدا فيكفيه أن يستقبل الجهة، كما يدل على هذا الحديث: «ما بين المشرق والمغرب قبله». قال: -يعني لم يرد اعتبار الجدي ونحوه من النجوم- والجدي نجم يكون حول القطب الشمالي، والقطب الشمالي نجم خفي، وحوله أنجم دائرة -أنجم دائرة كفراشة الرحى- في أحد طرفيها نجم يقال له الفرقدان، وفي الآخر الجدي، وبينها أنجم صغار، يستدل به على معرفة القطب، وبه يعرف اتجاه القبلة. فالإمام أحمد رحمه الله أنكر الاستدلال به. قال: ولم يرد، إنما ورده في الحديث: «ما بين المشرق والمغرب قبله». وسيأتي توجيه الإمام ابن رجب رحمه الله على من أنكر ذلك من أهل العلم. وأما اعتباره، فأهل العلم يعتبرون به، وذلك لأنه يدخل في عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فيدخل فيه اعتبار الجدي ومعرفة جهة القبلة عن طريقه بعموم الآية. قال: وقد أنكر ابن مسعود رضي الله عنه على كعب قوله: إن الفلك يدور. وأنكر ذلك مالك وغيره -يعني مالك بن أنس إمام دار الهجرة- وكعب الأحبار وهو من أهل العلم، وكان من أهل الكتاب فأسلم وحسن إسلامه، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق أو عمر. وإنكار ابن مسعود -ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله- أن ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما تكلم في هذه الأمور، فكان ترك الكلام فيها أولى، وإلا فقد تكلم بعض السلف في هذه المسألة. ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند قول الله جل وعلا: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ قال ابن عباس: يدورون. معنى يسبحون قال: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة. يدورون كما يدور المغزل في الفلكة. قال: وكذا قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن. وظاهر كلام مجاهد رحمه الله أن الفلك يدور كما تدور الأفلاك. قال: وقد أنكر الإمام أحمد على المنجمين قولهم: إن الزوال يختلف في البلدان. وقد يكون إنكارهم أو إنكار بعضهم لذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتكلم في هذا -يعني في هذه الأمور- وإن كان أهلها يقطعون به -يعني أهل الفلك ومن عنده معرفة بهذه الأمور يقطعون بذلك- وبهذا الخبر: أنها تختلف باختلاف البلدان. قال: ولأن الاشتغال به ربما أدى إلى فساد عريض -يعني التوسع فيه- فلهذا ذم السلف رحمهم الله التوسع في هذا الباب والاشتغال بعلم النجوم زيادة على ما ورد في الشرع من الاهتداء بها ومعرفة الجهات والقبلة. طيب، نقف هنا إن شاء الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.