شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 22

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 22، ألقاها

أهمية الإخلاص في طلب العلم

يناقش هذا الفصل أهمية طلب العلم لله تعالى وليس للشهرة أو المباهاة، ويحذر من الرياء في الأعمال الصالحة مثل طلب العلم. العلم النافع هو ما كان خالصا لوجه الله تعالى.

تحذير النبي من الرياء في الأعمال الصالحة

هذا الفصل يناقش تحذير النبي عليه الصلاة والسلام من الرياء في الأعمال، ويذكر أمثلة على الأعمال الصالحة التي قد تكون عرضة للرياء مثل قراءة القرآن وتعلم العلم والجهاد والتصدق.

الصبر وتحمل مشقات طلب العلم

يُناقش هذا الفصل أهمية الصبر في طلب العلم وتحمل مشقاته، ويشير إلى ضرورة الصبر لتحقيق الراحة والنجاح في الدنيا والآخرة، ويذكر موقف العلماء من تولي القضاء.

التعوذ من الشرور ودعاء طلب العلم النافع

يتحدث هذا الفصل عن أهمية التعوذ من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع، ويذكر دعاء للتعوذ من هذه الشرور وطلب العلم النافع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام نرجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: قال «وفي الجملة، ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالما عند الله، أو لا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالما. فإن رضي بالأول فليكتف بعلم الله فيه، ومن كان بينه وبين الله معرفة اكتفى بمعرفة الله إياه. ومن لم يرض إلا بأن يكون عالما عند الناس دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار». ومر معنا هذا الحديث في الفصول السابقة، وهذا الحديث رواه ابن ماجة من حديث جابر رضي الله عنه، وهو صحيح. ويريد رحمه الله بذلك أن العالم الحق ينبغي أن يرضى بمعرفة الله سبحانه وتعالى له، وأن تكون بينه وبين الله معرفة، وهذا هو العلم النافع والعلم الحقيقي، ولا يكن همه معرفة الناس له، وأن يكون عالما عند الناس، ثم لا يكن بينه وبين الله معرفة، ولا كذلك أيضا صلة. فهذا كما سيأتي ممن يعرض نفسه للعقوبة. فالأصل أنك تعمل بالعلم وتتقرب به إلى الله جل وعلا، ويكون بينك وبين ربك معرفة وصلة، وإن لم يعرفك الناس. وإن كان قصدك هو معرفة الناس لك، فإنك أفسدت ما بينك وبين الله سبحانه وتعالى، فأنت بهذا تعرض نفسك لغضب الله وسخطه. كما سمعنا في هذا الحديث: «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوأ مقعده من النار». ومعنى هذا أنه ما طلب العلم لله، وإنما طلبه للدنيا، لقصد رفعة ومنزلة ومباهاة للعلماء، أو مماراة ومجادلة للسفهاء، أو لصرف وجوه الناس إليه والتفاف الناس حوله وإشارة الناس إليه، أو غير ذلك من المعاني التي تنافي الصدق والإخلاص. قال وهيب بن الورد: «رب عالم يقول له الناس عالم، وهو معدود عند الله من الجاهلين». نعم، عالم عند الناس، لكنه في حقيقة الأمر ليس بعالم، وليس بينه وبين الله جل وعلا معرفة وصلة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما تسعر به النار ثلاثة، أحدهم من قرأ القرآن وتعلم العلم ليقال هو عالم وقارئ، ويقال له قد قيل ذلك، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». الحديث في صحيح الإمام مسلم بمعنى هذا اللفظ أو نحو هذا اللفظ. وفي إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأول من تسعر بهم النار، وأنهم أولهم من قرأ القرآن وتعلم العلم ليقال عالم وقارئ، ومن جاهد ليقال مجاهد، ومن تصدق ليقال منفق، بمعنى أنهم عملوا هذه الأعمال رياء وسمعة، لا إخلاصا وصدقا وإرادة لما عند الله سبحانه وتعالى. فما نفعتهم هذه الأعمال، وهذه الطاعات والقربات التي هي من القربات العظيمة، ومنها طلب العلم وقراءة القرآن وحفظه وتلاوته، لما كانت لأجل الناس لم ينفعهم هذا العمل، بل كان وبالا عليهم. قال: «فإن لم تقنع نفسه بذلك حتى يصل وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا أراد أن يحدث بهذا الحديث حين حدث به أغمي عليه ثلاث مرات، كان يغمى عليه رضي الله تعالى عنه ثم يفيق فيذكر أوله: أول من تسعر بهم النار ثلاثة، ثم يغمى عليه ثلاثا بعد ذلك». حدث به قال: «فإن لم تقنع نفسه بذلك حتى يصل إلى درجة الحكم بين الناس، يعني درجة القضاء». قال: «حيث كان أهل الزمان لا يعظمون من لم يكن كذلك، ولا يلتفتون إليه، فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير». ومعنى ذلك أنه إن لم يقنع بما عندهم من علم وبما عنده من فقه، بل كان أهل الزمان الذي هو فيه لا يعظمون إلا القضاة الذين يقضون بين الناس، فهو يريد أن يصل إلى درجتهم، وأن يبلغ منزلتهم، وأن يكون مثلهم قاضيا فيسعى إلى نيل القضاء. قال: «فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير»، أي خير له، لأن الأدلة الكثيرة وردت في ذم القضاء، وفي ذم كذلك طلبه والسعي إليه. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين»، وقول عليه الصلاة والسلام: «القضاة ثلاثة، اثنان في النار أو واحد في الجنة»، وغيرها من الأحاديث التي فيها بيان خطورة تولي القضاء. قال: «وانتقل من درجة العلماء إلى درجة الظلمة». ويريد بهذا من يتولى القضاء لأجل أغراض دنيوية، ثم يميل إلى الدنيا ويأخذ أموال الناس بالباطل، ويقضي بالظلم لأجل أن يأكل أموال الناس. وهذا حال أكثر القضاة إلا من رحم الله، وقليل ما هم. قال: «ولهذا قال بعض السلف لما أريد عليه القضاء فأباه: إنما تعلمت العلم ليحشر به مع الأنبياء، لا مع الملوك». فإن العلماء يحشرون مع الأنبياء، والقضاة يحشرون مع الملوك. وهذا الأثر ذكره الصنعاني رحمه الله في «سبل السلام» أنه في ترجمة عبد الله بن وهب. قال في ترجمة عبد الله بن وهب: «إنه كتب إليه الخليفة بقضاء مصر، فاختفى في بيته، فاطلع عليه بعضهم يوما، فقال: يا ابن وهب ألا تخرج فتحكم بين الناس بكتاب الله وسنة رسوله؟ فقال: أما علمت أن العلماء يحشرون مع الأنبياء، والقضاة مع السلاطين؟». وروي حديث في نحو ذلك: «أن العلماء يحشرون مع الأنبياء، والقضاة يحشرون مع السلاطين». وأشار المحقق إلى أنه حديث موضوع. ينظر في كتاب «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» وفي كتاب «تذكرة الموضوعات». وهرب العلماء رحمهم الله من القضاء، هذا لفقهم وخوفهم وخشيتهم من الله سبحانه وتعالى، لما يعلمون من الأحاديث الواردة في خطورة تولي القضاء. فلخوفهم وخشيتهم من الله سبحانه وتعالى كانوا يهربون ويفرون من تولي القضاء، مع وجود من يقوم به غيرهم. وقد تولى القضاء بعض أهل العلم، واشتهروا بذلك، وذلك لعدم وجود من يقوم به غيرهم، مع عدم سؤالهم للقضاء، وإنما ابتلوا به وطلب منهم ذلك، فرأوا أن قيامهم به فيه مصلحة ودرء للمفسدة وإقامة للحق والعدل ودفع للظلم، فلذلك تولوه رحمهم الله. قال: «ولابد للمؤمن من صبر قليل حتى يصل به راحة طويلة. فإن جزع ولم يصبر فهو كما قال المبارك: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع». من صبر فما أقل ما يصبر، يعني أن الصبر قليل، ثم تكون له الراحة، ويفتح الله سبحانه وتعالى عليه، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. ومن جزع فلم يصبر وتعجل، فما أقل ما يتمتع، يذهب ما يناله من متعة الدنيا، إن نالها في الدنيا، فإنه ماذا سيجد بعدها العقوبة، ويجد بعدها النكال بسبب تعجله وعدم صبره. وهو يريد بهذا أن العالم وطالب العلم ينبغي أن يصبر ويتحمل، قد يكون في حال من الأحوال في شيء من الفقر أو قلة ذات اليد، فينبغي أن يصبر ويتحمل، ولا يجزع لذلك فيترك طلب العلم، أو يترك الإخلاص والصدق، ويسعى ويلهث خلف الدنيا، فيكون هذا سببا في نيله لذلك بعد ذلك المرارة المستمرة. لكن إن صبر فهي مرارة مؤقتة قد تزول في الدنيا، ويفتح الله جل وعلا عليه، وإن لم يحصل له ذلك فله العاقبة الحسنة إن شاء الله في الآخرة. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ينشد: يا نفس ما أنت إلا صبر أيام ... كأن مدة أضغاث أحلامي يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة ... هكذا عندنا، وفي نسخة مبادلا، وهذا أصوب يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة ... وخل عنها فإن العيش قدامي قال: «فنسأله تعالى علما نافعا، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع. اللهم إنا نعوذ بك من هؤلاء الأربع». طيب، لا، هنا صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على