شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 1

الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 1، ألقاها

فضل العلم الشرعي وأخلاق طلبته

يبرز أهمية طلب العلم الشرعي وأجره العظيم، ويشير إلى آداب وأخلاق طالب العلم. يتحدث أيضاً عن الإمام ابن رجب الحنبلي ومؤلفاته.

سيرة الإمام ابن رجب الحنبلي ونشأته العلمية

يتحدث عن حياة الإمام ابن رجب الحنبلي، نشأته العلمية وشيوخه ومؤلفاته. يذكر زهده وورعه وتأثيره في الناس بمجالسه التذكيرية.

تحذير العلماء الربانيين من القضاء

كان العلماء الربانيون يدركون خطورة القضاء ويحذرون منه، وكانوا يهربون من توليه رغم كفاءتهم. يُذكر أن بعضهم تولى القضاء عند الضرورة.

ختام الدرس والتمهيد للدرس القادم

يشير إلى ختام الدرس الحالي والتمهيد للدرس القادم حول رسالة ابن رجب "فضل علم السلف على علم الخلف". يتضمن الدعاء بالعلم النافع.

  • 21 جمادى الأولى 1436هـ - 11/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمن المعلوم أن من أفضل الطاعات وأفضل العبادات بعد الفرائض والواجبات، ومن أعظم ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، طلب العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة. وقد وردت الأدلة الكثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، في فضل العلم والحث عليه والترغيب فيه، وذكر كذلك الفضائل الكثيرة والأجور العظيمة في طلب العلم، كقول الله جل وعلا: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، وقول سبحانه: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾. وهكذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وغيرها من الأحاديث الكثيرة. وطلب العلم له آداب، وله كذلك أيضًا أخلاق ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. والعلم وطلب العلم هو وسيلة، ليس غاية، وسيلة إلى تحقيق العبودية لله جل وعلا، والاستعانة بالعلم على عبادة الله جل وعلا. ولذلك فحري بطالب العلم أن يتخلق بأخلاق العلماء، وأن يتحلى بأخلاق السلف في باب العلم، من الصدق والإخلاص والعمل بالعلم الذي هو ثمرة العلم. فهذه الأمور يحرص طالب العلم على معرفتها، وعلى تعلمها، وعلى فهمها، حتى يخلص في طلبه للعلم، ويكون طلبه للعلم خالصًا لله جل وعلا. هذا الموضوع، وما يتعلق به، تكلم عليه الإمام ابن رجب رحمه الله في رسالته المسماة بفضل علم السلف على علم الخلف، ذكر شيئًا من ذلك من فضل علم السلف، وكيف كانت أخلاقهم في طلب العلم، وكيف كان إخلاصهم، وكيف كان بعدهم عن الرياء والسمعة وطلب الدنيا، إلى آخر ذلك من الإخلاص في طلب العلم. وهذه الرسالة التي أشار بعض إخواننا حفظهم الله إلى قراءتها والمرور عليها في مثل هذا الوقت، وفي هذه الأيام المعدودة، وقبل قراءة أو البدء في قراءة الرسالة، نقرأ شيئًا من ترجمة الإمام ابن رجب، التي ذكرها المحقق على هذه الرسالة. قال المحقق: ترجمة الإمام ابن رجب الحنبلي، قال: وهو العلامة زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي البغدادي، ثم الدمشقي، المعروف بابن رجب الحنبلي، الإمام الحافظ الحجة الفقيه المحدث الواعظ البارع العمدة، أحد العلماء الزهاد والأئمة العباد، مفيد المحدثين واعظ المسلمين، عديم النظر في عصره. فهذه الأوصاف كلها قيلت في الإمام ابن رجب، فهو فقيه ومحدث وواعظ وأصولي، ومن العلماء الزهاد والأئمة العباد، رحمه الله. قال: ولد سنة ست وثلاثين وسبعمائة للهجرة، وانتقل إلى دمشق مع والده وهو صغير، ولازم ابن النقيب من أصحاب النووي، وسمع خلقًا منهم الشيخ أبو الحرم محمد بن محمد القلانسي، والشيخ محمد بن إسماعيل الخباز، والشيخ إبراهيم بن داود العطار. وهذه النسب كان ينسب إليها العلماء نسبة إلى حرفهم وأعمالهم، الخباز كان ربما يخبز أو يبيع الخبز فنسب إليه، العطار يبيع العطر، وهكذا تجد كثيرًا في تراجم العلماء والمحدثين أنهم ينسبون إلى أعمالهم، البزاز الذي يبيع الثياب، الحذاء الذي يعني يبيع الأحذية ويصنع الأحذية، وغير ذلك كثير، الزيات إلى آخره. فكانوا ينسبون إلى حرف لأنهم كانوا أهل أعمال يعملون ويكتسبون بأيديهم ويطلبون العلم، فلم يمنعهم العلم من الاكتساب وطلب الرزق. قال: والشيخ أبو الفتح محمد بن إبراهيم الميدومي، وميدوم هذه قرية في مصر، قال: وجماعة، وأكثر الاشتغال، ومهر وأكثر عن الشيوخ، يعني أخذ العلم عن كثير من الشيوخ، وخرج لنفسه مشيخة مفيدة، يعني تخرج على يده كثير من الشيوخ، وأتقن في الحديث، وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق، درس في المدرسة الشريفية الحنبلية بالقرب من الجامع الأموي، وحدث، فروى عنه جماعة، وتخرج به غالب الحنابلة بدمشق، غالب العلماء الحنابلة تخرجوا على يد الإمام ابن رجب رحمه الله. ثم ذكر مؤلفات ابن رجب، قال: الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله مؤلفات كثيرة ومصنفات سديدة ومفيدة، نذكر منها على حروف المعجم، ثم ساق كثيرًا من مؤلفات الإمام ابن رجب. ولأجل الاقتصار سنمر عليها، ونذكر بعضها، بعض مؤلفاته المشهورة كجامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، وهكذا أيضًا فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وكذلك أيضًا تقرير القواعد وتحرير الفوائد، وغيرها من المؤلفات الكثيرة، ذكرها المحقق، يعني أكثر من عشرين مؤلفًا. قال ابن فهد: كان رحمه الله إمامًا ورعًا زاهدًا، مالت القلوب من المحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، كانت مجالس تذكيره للناس عامة نافعة، وللقلوب صادعة، كان رحمه الله واعظًا مؤثرًا، كان يعظ الناس فيبكون ويتأثرون، حتى ذكر أنه قال مرة: كيف يعني يعظ نفسه ويذكر نفسه في تأثر هؤلاء بوعظه، فكيف هو بنفسه؟ ولهذا كما قال هنا: كانت مجالس تذكيره للناس عامة نافعة، وللقلوب صادعة. قال: ومن زهده، وله في ذلك مؤلفات أهوال يوم القيامة، ونحوها من هذه المؤلفات في الوعظ، قال: ومن زهده أنه كان لا يعرف شيئًا من أمور الناس، ولا يتردد على أحد من أرباب الولايات، يعني بعيدًا من أبواب الحكام. وهذا كان كثير من السلف يبتعدون عن الحكام وعن ولاياتهم لأنها من أبواب الفتن التي يفتتن بها الإنسان، وكما جاء فيه أثر: «من أتى السلطان افتتن». ومع ذلك كان كثير من العلماء الربانيين إذا دعوا إلى القضاء، وهم أهل لذلك، عندهم الأهلية والعلم، لكن يعرفون يعني خطورة باب القضاء، وما ورد فيه من الوعيد والتحذير، ومع ذلك يهربون منه، من يجعل نفسه أهبل إذا دخل عند الوالي وطلب منه أن يكون قاضيًا، جعل نفسه أهبلًا وبهلولًا حتى يعفيه عن القضاء، ومنهم من يهرب فيخرج من البلدة ويذهب إلى بلدة أخرى هربًا من الولايات. هؤلاء عبروا يعني قيمة وخطورة باب القضاء، فلذلك كانوا يهربون منه، ومنهم من تولى القضاء يعني علمه لحاجة الناس إلى ذلك، وعدم وجود من يقوم محله، فتولى القضاء كالحافظ ابن حجر، وهكذا الإمام الشوكاني، وغيرهم كثير من العلماء ممن تولى القضاء في زمنه. قال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر: نقم عليه إفتاءه بمقالات ابن تيمية، ثم أظهر الرجوع عن ذلك، فناظره التيميون فلم يكن مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، تخرج به غالب أصحابنا الحنابلة بدمشق. قال: ونقل عن خط الحافظ أيضًا وعند ابن رجب بعض نزعات إلى شواذ ابن القيم وشيخه في مؤلفاته، وإن أظهر الرجوع عنها، فلعل ذلك فيما ألفه قبل، فتطالع كتبه على حيطة، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهكذا ابن القيم من العلماء المجتهدين والربانيين والمحققين، فربما خالفوا بعض ما عليه كثير من أهل العلم اتباعًا للدليل وتركا للتقليد، فلذلك عيب عليهم ذلك وأنكر عليهم، وابتلوا في ذلك بلاءً عظيمًا. قال: كان رحمه الله يسكن المدرسة السكرية بالقصاعين، ومات رحمه الله بدمشق سنة خمس وتسعين وسبعمائة، بأرض الحميرية ببستان كان قد استأجره، ودفن بالباب الصغير عند قبر معاوية رضي الله عنه، وفي جوار قبر الشيخ أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي، ثم المقدسي. قال الحافظ شمس الدين محمد بن أبي بكر الدمشقي: حدثني من حفر لحده أنه جاءه قبل أن يموت بأيام، فقال: احفر لي لحدًا، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، فحفرت له، فلما فرغت نزلت، فلما فرغت نزل بالقبر وتجعل فيه، فأعجبه، وقال: هذا جيد، ثم خرج. فوالله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أوتي به ميتًا محمولًا في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد، وواريته فيه، رحمه الله وإيانا. قال: وحكم من حجر قصة الحفار بقوله: ويقال. وهذا من صيغة التمريض، الشيء الذي لم يتأكد بثبوته، لما يذكر يقال رواية، أو يقال، فمن حجر ذكر هذه القصة بقوله: ويقال، بصيغة التمريض. قال: فاللهم اغفر له وارحمه وعافه وعفو عنه، أكرم نزله يا أرحم الراحمين، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وأصحابه وسلم، والحمد لله رب العالمين. هذا شيء من ترجمة الإمام ابن رجب، وإن شاء الله في الدرس القادم نبدأ في قراءة رسالته فضل علم السلف على علم الخلف، نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على