التعليقات على كتاب الأدب المفرد 114

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 114، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق وأهميته

يشرح المقطع معنى الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، ويبين أهمية هذا الأمر في تحقيق الاجتماع ونبذ الفرقة، مستشهدا بالآيات القرآنية التي تحث على ذلك. يشير إلى أن الاجتماع سبب للقوة والنصر بينما التفرق سبب للضعف والهزيمة.

أهمية الاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله وطاعة ولاة الأمر

يؤكد على أن الاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله سبب للنصر والقوة، وأن طاعة ولاة الأمر تجمع الكلمة وتقلل الشر، مع ضرورة نصحهم إذا أخطأوا مع الحفاظ على البيعة والطاعة.

نصيحة ولاة الأمر وخطورة نشر الأقاويل والحلم في التعامل مع الأخبار

يناقش كيفية نصيحة ولاة الأمر سرا وليس علانية، ويحذر من نشر الأقاويل بدون تثبت، ويشدد على أهمية التحلي بالحلم والأناة في التعامل مع الأخبار لتجنب الوقوع في الأكاذيب.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم وقفنا في الدرس الماضي عند حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال». وتكلمنا عن قوله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا»، وهو معنى إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وهو تحقيق التوحيد، تحقيق التوحيد الذي به ينجو العبد من عذاب الله سبحانه وتعالى. قالوا: «أن تعتصموا بحبل الله جميعا» كذلك مما رضي الله سبحانه وتعالى لنا أن نعتصم بحبل الله جميعا، أي أن نتمسك بحبل الله. وحبل الله هو القرآن، التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى، والتأدب به، بفعل أوامره واجتناب نواهيه وإقامة حدوده. والحبل تطلقه العرب على ما يتمسك بالشيء عند شدائد الأمور، وذلك كأنهم كانوا يتمسكون بالحبل عند اشتداد أمورهم. والمراد هو شدة التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى وعدم التفرق، فإن التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى سبب للاجتماع ونبذ الفرقة. وهذا الذي أمر الله سبحانه وتعالى به: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ﴿وَإِذْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل الاجتماع والائتلاف. وفي هذه الآيات حث الله سبحانه وتعالى على الاعتصام بكتاب الله سبحانه، ونهى عن التفرق والاختلاف. ثم ذكر بنعمته التي أنعم بها على العباد بعد أن كانوا متفرقين وكانوا متمزقين وكانوا يتناحرون فيما بينهم، كما كان ذلك في القبائل العربية، كانوا يتقاتلون ويقتل بعضهم بعضا، وربما تدوم بعض الحروب قرابة مئة سنة وهم يقاتلون فيما بينهم. فمن الله عليهم ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام الذي أمرهم بما أمره الله جل وعلا به من التمسك بكتاب الله، وكذلك أيضا من حصول الاجتماع والإتلاف ونبذ هذه الفرقة والاختلاف الذي كانوا عليه. والاجتماع سبب لحصول القوة وحصول النصر، والاختلاف سبب لحصول الضعف والهزيمة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. هكذا يخبر الله سبحانه وتعالى أن حصول التفرق والتنازع سبب لحصول الفشل، حصول الهزيمة، وأن الاجتماع سبب للقوة. انظر مثلاً لو أتيت بعود، إذا أتيت بعود ليس بذاك القوي، فإنك تستطيع أن تكسره بسهولة، لكن لو أتيت بعدة أعواد وجمعتها وربطتها، ثم أردت أن تكسرها لربما ما استطعت بسبب اجتماعها. كما قال القائل: «إن الرماح إذا اجتمعت كسرت، وإذا افترقت تكسرت أفرادا». هذا حال التفرق، فعند التفرق يكون الضعف وتحصل الهزيمة، وعند الاجتماع تحصل القوة. فلهذا حث النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الأمر، وهو الاعتصام بحبل الله جميعا، أي يجتمع الجميع. وهذا هو السبب الذي يكون به النصر. انظروا لما اجتمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا يداً واحدة على عقيدة واحدة ومنهج واحد، كان ذلك سببا في انتصارهم على أعداء الله سبحانه وتعالى، وفتحوا الفتوح وانتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها. ولما حصل الضعف وحصل الاختلاف كان ذلك سببا في ضعف هذه الأمة، وذهاب تلك القوة التي كانوا عليها. وهكذا من أراد النصر فإنه لا يكون إلا بالاجتماع على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما كان عليه سلف هذه الأمة، هذا الذي يحصل به النصر. وربما تجد كثيرا من الناس، وممن ينتسب إلى بعض الفرق الإسلامية، من يصيح ويدعو إلى الاجتماع وإلى الاتفاق حتى يحصل النصر ويحصل القوة، ولكن على ماذا يكون الاجتماع؟ هل يكون على الحزب الفلاني الذي له أهداف وله تنظيم؟ هل مستعد ذاك الحزب وصاحب ذاك الحزب أن يتنازل عن حزبه؟ الجواب: لا. أو ذاك الذي يصيح وعنده أفكار تخالف ما عليه أهل السنة والجماعة، هل هو مستعد أن يتنازل عن تلك الأفكار التي تربى عليها ونشأ عليها؟ الجواب: لا. إذا فكيف سيكون الاجتماع؟ ليس الاجتماع مجرد دعوة، ليست مجرد دعوة كل يدعي أنه يريد الاجتماع ويريد نبذ الفرقة، وفي الواقع تجد أنه ممن يسعى في الفرقة وممن يسعى في الاختلاف. والذي يكون صادقا هو الذي يحرص على التمسك بالكتاب والسنة، وكل أمر يكون فيه سببا للتفرق والاختلاف فإنه يتركه ويتنازل عنه إن كان صادقا في دعوته. وأما الدعاوى إن لم يقم عليها أهلها بينات، فهم أدعياء. فالحاصل أن الاجتماع والتمسك بالكتاب والسنة سبب لحصول النصر وحصول الخير، وبذلك تنبذ الفرقة والاختلاف. وينبغي للمسلم أن يحرص على جمع الكلمة، وأن لا يكون ساعيا في إيجاد الفرقة في أوساط المسلمين، وأن لا يسعى في تشتيت صفوفهم وتفريق كلمتهم، بل يسعى في جمع الكلمة ما استطاع. قال: «وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». أيضا مما رضي الله سبحانه وتعالى لنا أن نناصح من ولاه الله أمرنا. ومن ذلك أولاة الأمور وحكام المسلمين، فالحاكم ولي أمر المسلم. أمر الله سبحانه وتعالى بطاعتهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. أمر الله جل وعلا بطاعة ولي الأمر، وطاعته تحت طاعة الله عز وجل ورسوله. وقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث ابن عمر وغيره- بالأمر بطاعة ولاة الأمر في غير معصية الله: «على المرء المسلم السمع والطاعة، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». ولا حديث في الأمر بطاعة ولاة الأمور كثيرة. وأن نهي عن مخالفتهم فيما هو من طاعة الله سبحانه وتعالى، لأن ذلك سببا لاجتماع الكلمة وعدم التفرق وعدم حصول الشر. وهذا مما كان على خلاف أهل الجاهلية، فأهل الجاهلية كانوا لا ينقادون لولي أمر، ويرون ذلك من الذل والهوان أن يكون تحت طاعة رجل. فلهذا كانوا متفرقين ومتمزقين. فأمر الله سبحانه وتعالى أهل الإسلام بطاعة ولاة الأمور حتى تجتمع كلمتهم وتتفق، ويحصل الخير ويقل الشر. ومع ذلك فإن ولي الأمر يناصح إذا وقع في خطأ أو رؤيا منه ما يخالف الشرع فإنه ينصح. لكن أولا لا بد أن تعلم أن في رقابتك وبيعة لولي الأمر، تعلم أن في رقابتك وبيعة لولي الأمر. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية». أن يموت كما يموت أهل الجاهلية الذين كانوا لا يرون لأحد بيعة. ومن لم يعط لإمامه البيعة فحاله كحال أهل الجاهلية. وهكذا منح نحوهم من دعاة التكفير والخوارج الذين لا يرون لولي الأمر طاعة ولا يرون له بيعة، فهذا من منهج أهل البدع والأهواء. فإذا كان عند ولي الأمر شيء مما يحتاج إلى نصح فيناصح. وهذا من النصيحة التي يقوم بها هذا الدين: «الدين النصيحة». قال: «لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فهذه من نصيحة لولاة الأمر أن تناصحه فيما أخطأ فيه وفيما خالف فيه الشرع. لكن كيف تكون النصيحة؟ هل تكون النصيحة من فوق المنابر والتشهير بولاة الأمر؟ وهذا الحاكم فعل كذا وفعل كذا. لا، ليس هذا من منهج أهل السنة، وإنما هذا من منهج الخوارج. هو التشهير بولاة الأمر وتحريض الرعية عليهم. ليس هذا أبدا بنصيحة، بل هذه فضيحة. عندما تقوم من على المنبر تتكلم على ولي الأمر وعنده وعنده وعنده، هذا مما يوجب صدور الصدور على ولي الأمر، ويكون بذلك الشر العظيم. لكن السنة في النصيحة لولي الأمر أن تنفرد به وأن تناصحه سرا. قال عليه الصلاة والسلام: «من كان له نصيحة لذي سلطان فلا يبدها علانية، وليأخذ بيده وليختلي به، فإن قبلها فذاك، وإن لم يقبل فقد أدى الذي عليه». الحديث رواه الإمام البيهقي وغيره، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. هكذا ذكر النبي عليه الصلاة والسلام نصيحة ولاة الأمر أنها تكون سرا، تكون فيما بينك وبينه. «من كان له نصيحة لذي سلطان فلا يبدها علانية». ما يضرها أمام الناس ويعلن بها: «يا ولي الأمر، عندك وعندك»، ويتكلم عليه. لا، هذا ليس بنصيحة. بل تأخذ بيده وتناصحه فيما بينك وبينه، أو تكاتبه كتابا. هذا لا تكون النصيحة. وهل معنى هذا أنك تسكت عن المنكر؟ الجواب: لا. تنكر المنكر من غير تشهير بولي الأمر. إذا كان هناك معاصي وقع فيها الناس وانتشرت بين الناس، قم بإنكارها وحذر منها، لكن من غير تشهير وتحريض على ولي الأمر. فليس هذا من منهج أهل السنة والجماعة، وإنما هو من منهج الخوارج. قال: «ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال». قيل وقال يعني نقل الأقوال: «قال فلان كذا، وقيل كذا»، ونشر الأخبار التي تنشر من غير تثبت ولا تيقن. فهذا مما كرهه ربنا سبحانه وتعالى، كره لنا قيل وقال، لأن هذا غالبا يوقع في الكذب. يوقع في الكذب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع». في رواية: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع». فالذي يحدث بكل ما يسمع سيقع في الكذب، لأن الذي يسمعه منه ما هو صدق، ومنه ما هو كذب. وكم من أكاذيب وإشاعات تنشر وتشتهر، وتجد أنها كذب محض لا أصل لها، أو لها أصل لكن زيد فيه ما ليس منه. وأنت تقوم بنشر هذه الأقوال، فتقع في الكذب. فينبغي للمسلم أن يحذر من ذلك، وأن لا يكون ممن قال الله عز وجل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. نشر الفاحشة وهو نشر كل فعل أو قول فاحش. ومن ذلك نشر الأقاويل التي تنشر، ربما ينشر أن فلان زنى، تذهب وتنشر هذا القول: «فلان زنى»، وهو كذب، بريء من ذلك. أو فلان سرق، وهو لم يسرق، تذهب وتنشر هذا القول، فيكون لك نصيب من هذه الآية. أو فلان لص وليس بلص، أو فلان مبتدع وليس بمبتدع، وأنت تقوم بنشر هذا الكلام وإشاعته، فلك نصيب من هذه الآية. فينبغي لك أن تحذر من القيل والقال الذي يوقعك في الكذب، ويوقعك كذلك في الاعتداء على أعراض إخوانك المسلمين بغير حق. «من قال في أخيه ما ليس فيه، أسكنه الله ردغة الخبال حتى ينزع مما قال». ربما تتهمه بشيء ومنه بريء، ويكون ذلك سببا في وقوعك في هذا العذاب العظيم. فلا تكن ممن ينشر الأقوال من غير تثبت ولا تريث. فلينبغي لك أن تكون متثبتا، وأن تكون متريثا، وأن يكون من خلقك الحلم والأناة وعدم العجلة، حتى تسلم من الوقوع في الأكاذيب. نقف إن شاء الله هنا، ونكمل في درس قادم.