الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
هذا الفصل يشرح معنى الآية الكريمة ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ ويبين دلالتها على التوحيد وأفعال الله عز وجل. يحذر من ادعاء بعض الناس قدرتهم على هداية أو إضلال غيرهم.
يفسر هذا الفصل حديث وفاة أبي طالب ويبين أن النبي عليه الصلاة والسلام حاول إقناعه بقول لا إله إلا الله، لكنه رفض بسبب العزة بالإثم. كما يفسر الآيات التي تتحدث عن الهداية والاستغفار ويبين أن الهداية بيد الله وحده.
يستنبط هذا الفصل عدة فوائد من حادثة وفاة أبي طالب، منها أن القلوب بيد الله وحده، وأن الاستغفار للمشركين لا يقبل. كما يبين أن اتباع السلف في الباطل قد يؤدي إلى الشرك، بينما الحق يقتضي الاتباع دون تعصب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام محمد بن عبدالوهاب التميمي النجدي رحمه الله: باب قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾. قال في الصحيح عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعنده عبدالله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي عليه الصلاة والسلام، فأعاد. فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا يستغفروا المشركين ولو كانوا أولي قربى﴾، وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾. طيب، هذا الباب في هذه الآية: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾، وهذا من أدلة التوحيد وبراهينه، وهو متعلق بأفعال الله عز وجل. وأن الله عز وجل له أفعال عظيمة، ومن ذلك الهداية، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، يهدي من يشاء فضلا ويضل من يشاء عدلا. فلهذا الهداية بيد الله جل وعلا، وهي من أمور الربوبية، معنى من أفعال ربوبية الله عز وجل فيما اختص بها الرب سبحانه وتعالى. فمن ادعى أن أحدا يهدي أو يضل، فهو قد أشرك في ربوبية الله جل وعلا. وأيضا هذا يدل على أن من أقر بهذا الأمر يعلم أن كل شيء بيد الله سبحانه وتعالى، لا بيد غيره. وأن الهداية والإضلال بيد الله، فلهذا مهما فعل الإنسان ما يستطيع أن يهدي غيره، فضلا أن يدعي أنه يخرجه أو يدخله الجنة أو يخرجه من النار. كما يفعل بعض أهل التصوف أو الذين يدعون الولاية، تجده مثلا يقول: أنا أخرج فلان من النار. وبعضهم يقول: عندنا في حضرموت، هنا في الطريقة العلوية عندهم شيء يسمون الغدفة، الغدفة هذا مثل الشباك يضعه في ظهره، فإذا جاء هذا المريد إلى الولي هذا أو صاحبه وشيخه يقول له: كيف يوم القيامة؟ يقول له: سأخذك بالغدفة. فيقول: فيأخذ ناس بالغدفة يدخلهم الجنة. فكأن الجنة لهم والنار لهم، يخرجون من يشاء ويدخلون من يشاء. سبحان الله، تجاوزوا حدودهم. أن هذه الأمور حتى الأنبياء ما ذكروا فيها شيء، وما تجرأوا، لكن هؤلاء تجرأوا. وكما قال -إن صح عنه- أبو يزيد البستامي: "أخذنا بحرا وقف الأنبياء بساحله". وهذا ليس مدحا، بل ذما، مدام الأنبياء وقفوا، فالذي يدخل يتجاوز الحد. لكن هم يظنون أن هذا مدح، يظنون أنه مدح. قال: "وقفنا أو أخذنا بحرا وقف الأنبياء بساحله، ما استطاعوا أن يدخلوا مثلنا". هذا كلام باطل. وأيضا دليل على أن صاحبه ليس فقيها -إن صح عنه- والله أعلم. فلهذا فمن أدلة التوحيد وأمور الربوبية، ولأن العبادة إنما تكون لمن التزم بربوبية الله عز وجل، فربوبية ملزمة للعبادة. يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. فدل على أن العبادة لا تكون إلا بالإيمان بربوبية الله جل وعلا. فلهذا من هذه الربوبية، من أفعال الله، اعتقاد الهداية والإضلال منه سبحانه وتعالى. فلهذا يسعى العبد في طاعة الله، وأيضا يستعمل الأسباب التي تؤديه إلى الهداية وتقربه إلى الله. وكذلك أيضا يستخدم الأسباب التي تقرب غيره ممن يحبه، فلهذا يدعو لأحبابه ولأصدقائه ولإخوانه يدعو لهم بالهداية. وهذا بعد أن يدعو لنفسه. فهذه الهداية تجد في الصلاة سبع عشرة مرة، والعبد يقول: اهدنا الصراط المستقيم، يدعو الله عز وجل أن يهديه الصراط المستقيم. فهي مما يستلزم العبادة لأنها بيد الله عز وجل. ثم ذكر حديث سعيد بن المسيب بن حزن، في حضوري لما حضرت أبا طالب الوفاة، لما احتضر أبو طالب جاءه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. وكان عنده عبدالله بن أبي أمية وأبو جهل، فكانا يقولان له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أنت تقول لا إله إلا الله وتترك ملة أبيك ودين أبيك. فأخذته العزة على أنه لا يترك دين أباه. وإلا فأبو طالب قد أقر بدين النبي عليه الصلاة والسلام، ولقد علمت أن دين محمد خير الأديان عندي، لولا الملامة. قال: لولا أن يلومني الناس، لا أقر، لا أسلم. وفي هذا الحديث أيضا قال: أو في معنى جاء في السيرة لابن هشام أنه قال: "لولا أن الناس سيلومونني لأقررت بها عينك". أنا لقلت لا إله إلا الله، لكن سيلومني الناس. معنى نظر إلى الخلق ولم ينظر إلى الخالق، فلهذا مات وهو كافر، مات كافرا لم يؤمن بالله جل وعلا. لهذا قال في آخر شيء: هو على ملة عبد المطلب، مات على الشرك. وهذا الحديث فيه بيان أن أبا طالب مات على الشرك، خلافا لما زعمه بعض أهل التصوف وبعض من ألف في هذا كالسيوطي وغيره، فأرادوا أن يثبتوا أن أبا طالب أسلم، ولم يأتوا بشيء يدل على ذلك. وبعضهم تجرأ وضعف هذا الحديث، مع أنه الحديث في البخاري وإسناده صحيح. لكن ذكروا أشياء ليست بتلك الأشياء التي يضعف بها هذا الحديث. فمنهم من قال: إن سعيد بن المسيب من أين جاء وحضر وفاة أبا طالب؟ كيف عرف أن أبا طالب احتضر؟ وسعيد بن المسيب ابن حزن مخزومي، فكيف سيحضر وفاة أبي طالب؟ لكن هذا لا يرد به، فأبو جهل مخزومي أيضا، وعبدالله بن أبي أمية مخزومي، قد يكون جاء معه، جاء مع صاحبه، أو أنه أخبره عبدالله بن أبي أمية. والصحابي حديثه المرسل قد اتفق العلماء على قبوله. فلو قلنا أنه لم يسمع، فهو مرسل صحابي، ومرسل الصحابي باتفاق أهل العلم أنه مقبول. فقد يكون أخذ هذا الحديث عن عبدالله بن أبي أمية، لأن عبدالله بن أبي أمية أسلم، وهو مخزومي كذلك. فلهذا لا عذر لهم في هذا، وليس تعلل لحديث بمثل هذا. فهذا كما يقال أجنبي عن التعليل. فالحديث صحيح لا شك فيه. فلهذا يقال: إن من تعلق بأحد أنه يهديه أو أنه يصرف عنه الضلال أو غيره، فهو مشرك بالله. وإنما تطلب الهداية من الله لأنه هو الذي يملكها. هنا عندي مسائل: الأولى من المسائل تفسير قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾، أن الإنسان ليس له حق في الهداية لأحد. والثاني تفسير قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا يستغفروا المشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. والثالثة وهي المسألة الكبيرة وتفسير قوله: "قل لا إله إلا الله"، بخلاف ما عليه من يدعي العلم، أنه يذكر بالتوحيد يقال له: قل لا إله إلا الله، ولو كان مسلما أيضا يقال له: قل لا إله إلا الله. لا يقال له مثلا: لا إله إلا الله بدون قل، بل يقال: قل لا إله إلا الله. ولا بأس أن يقال له: ومحمدا رسول الله. والرابع: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي عليه الصلاة والسلام إذا قال للرجل: قل لا إله إلا الله. فقبح الله من أشد من أبي جهل أعلم منه بأصل الإسلام، يعرفون أن هذه الكلمة ترك للآلهة، ترك للآلهة والأصنام. لهذا قالوا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ والخامس: جده ومبالغته في إسلام عمه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد أن يسلم عمه لأنه كان يحوطه ويدافع عنه، فرجى أن يسلم، لكنه لم يسلم. وهذا حكم من الله عز وجل ليبين أنه ليس لأحد التصرف في قلوب الناس، وإنما التصرف في القلوب من الله عز وجل، هو الذي يميلها إلى الهداية أو إلى غير ذلك. فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها حيث يشاء، إن شاء أزاغها وإن شاء قومها. فالقلوب بين يدي الله عز وجل وبين أصابعه، فليس لأحد شيء في مثل هذه الأمور حتى الأنبياء، حتى نبينا عليه الصلاة والسلام. والسابع: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه، بل هم ماتوا على الشرك. وقد صرح النبي عليه الصلاة والسلام في حديث وفي أحاديث كثيرة بهذا. ومن هذا هذا الحديث لما قال: "ترغب عن ملة عبد المطلب"، أي الشرك. والسابع أيضا: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك، يدل على أن الاستغفار للمشركين لا يقبل. والله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم في استغفار بعض المشركين أو بعض المنافقين: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم". ففهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية أنه قد يستغفر أكثر من سبعين فيغفر الله لهم. لكن ذكر الله عز وجل بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى: "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، لن يغفر الله لهم أبدا لأنهم كفروا بالله ورسوله". والثامن: مضرة أصحاب السوء على الإنسان، أن أصحابه إذا كانوا أصحاب سوء، انظر إلى هؤلاء ما سلم منهم أبو طالب حتى في احتضاره في وقت وفاته، ما سلم من شرهم. والتاسع: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر، أنا أودت بأبي طالب إلى الشرك بسبب تمسكه بالآباء والأسلاف وأنه لا يريد أن يخرج عن طريقتهم. فقال: هو على ملة عبد المطلب. والعاشر: شبهة للمبطلين في ذلك الاستدلال بأبي جهل بذلك، أن الظاهر يجعل الآلهة إله واحد، أو قال: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ هذه شبهة يحتج بها أهل الشرك، يقولون: إن وجدنا آباءنا على أمة وإن على آثارهم مقتدون. والحادي عشر: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قال: هل نفعته؟ معنى قال له كلمة وحاج لك بها عند الله، معنى أنها تنفعك. لهذا لما حصل، جاء في المسند أن عمر لقي طلحة بن عبيد الله، فقال له: يا طلحة، ما لك على ابن عمك -أي أبي بكر الصديق- لماذا لا تأتي وتبارعه؟ فقال: يا عمر -أو كذا أو يا أبا حفص- والله إني أفكر فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام في الكلمة التي من قالها نجاه الله يوم القيامة -أو كما قال-. فقال عمر: ألا أعلمك بهذه الكلمة؟ قال: بلى. قال: الكلمة التي قالها لعمه، الكلمة التي قالها لعمه: لا إله إلا الله، قل لا إله إلا الله. وهذا أيضا الحديث يؤيد هذا الحديث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمه: قل لا إله إلا الله. فخرج عن طلحة ما وجد. والثاني عشر: التعمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغة صلى الله عليه وسلم وتكريره. فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها. معنى شبهة شبهة الآباء. فهذه كم من إنسان أضله بسبب أنه يتخذ الآباء سلفا له ودينا له. سبحان الله، تجد الرجل يأتيه العلم من الله ومن رسوله فيأبى إلا أن يتبع آباءه وأسلافه. وهذا التعظيم باطل، وإنما يتبعون في الحق، أما الاتباع في الباطل فهذا باطل. طيب، هذه بعض المسائل التي ذكرها المؤلف، نكتفي بذلك. والله تعالى أعلم.