الدرس في كتاب الحدود 14، ألقاها
يتناول تعريف الحرابة لغة وشرعًا، حيث تعرف بأنها الأخذ بالقوة والقتال أو البروز لأخذ مال معصوم أو قتله أو إرهابه. يشمل التعريف كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذميًا أو مرتدًا.
يتناول شروط اعتبار الشخص محاربًا وعقوبته وفقًا للشريعة الإسلامية، حيث يشترط لاعتباره محاربًا أن يقطع الطريق ويأخذ المال أو يقتل النفس. تختلف عقوبته باختلاف الجرائم التي ارتكبها.
يتناول أحكام المحاربين وقطاع الطريق كما وردت في القرآن الكريم، حيث يكون جزاءهم بالقتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض، حسب نوع جريمتهم. يُفصّل في معنى المحاربة وشروط تطبيق هذه الأحكام.
يتناول بعض الأحكام المتعلقة بباب معين، ويبين أن هذا الباب لا يتضمن معاني العفو أو المكافأة. تم اختتام الدرس بالدعاء والشكر للمشاهدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب السابع في حد الحرابة، وفيه مسائل، أي أن هذا الباب مدخل في الكلام على أحكام حد الحرابة، وتضمن هذا الباب مسائل. وبعضهم يسمي هذا الباب، كما ذكرها هنا، حد الحرابة، وبعضهم يعبر عنه بقولهم حد المحاربين، وهو بمعناه، ومنهم من يسميه حد قطاع الطريق، والمعنى الأول يشمل ذلك. قولهم في هذا الباب: في الباب السابع في حد الحرابة، هذا التعبير يدل على أن الحرابة يترتب عليها حد شرعي، أي مقدر شرعًا، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، فهذه عقوبة مقدرة من الله جل وعلا في حق هؤلاء المحاربين، فدل ذلك على أن هذا الحد لهؤلاء المحاربين حد شرعي حده الله جل وعلا، أي قدره الله جل وعلا، وهذا هو الضابط في الحدود الشرعية. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا الكلام على الآية في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، هل «أو» ها هنا للتخيير أو أنها للتنويع؟ على ما يأتي ذكره بإذن الله جل وعلا. هذا الباب، كما ذكر، تضمن مسائل، أولها المسألة الأولى في تعريف الحرابة. تعريف الحرابة وحد المحاربين: تعريف الحرابة، أو الحرابة لغة، مأخوذ من «حرب»، حربًا، أي أخذ جميع ماله. وشرعًا: البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرهاب، مكابرة، اعتمادًا على الشوكة، مع البعد عن مسافة الغوث، من كل مكلف ملتزم للأحكام، ولو كان ذميًا أو مرتدًا، حُرًا، طيبًا، من كل ذمي كان أو مرتد، وسأتي معنا بإذن الله جل وعلا. قولهم في تعريف الحرابة لغة: بأنه البروز، ومعنى البروز أي الأخذ بالقوة، وبالقتال، أي بالمقاتلة، أخذوا لمال، أو لغير ذلك، بالقوة وبالقتال. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن ذلك إما أن يكون بالسلاح الفتاك، أي البروز والقتال وقطع الطريق على الغير، سواء كان بسلاح يفتك من الأسلحة الفتاكة، سواء كانت الحديثة أو كانت غير الحديثة، مثل الأسلحة المعروفة المتداولة الآن، أو أسلحة مما تستخدم كذلك في هذا المعنى، كالسيف والرمح وما شابه ذلك. ويدخل فيه كذلك، كما ذكر من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى: كل ما كان فيه معنى هذه الأشياء مما يستخدم في القتل والإضرار، قالوا: ولو كان بالعصى، ولو كان بالحجارة، فإنه يأخذ أو يدخل في هذا المعنى. أي لو أن إنسانًا، أو طائفة من الناس، مثلًا، يتقطعون الطريق على الناس بالعصي، أو بأحجار يستخدمونها كالمقاذيف نحوها، يتوصلون بها إلى قتل الغير، أو إلى سلب أموالهم، هؤلاء يدخلون في معنى المحاربين والمقاتلين. كما أن المحارب من الكفار هو كل من حارب الإسلام، سواء كان بالسلاح الفتاك أو كان بغير ذلك من السلاح، حجارة، عصي، إذا قاتل وحارب المسلمين به، فيقال فيه بأنه محارب. وكذلك العكس، المجاهد يقال فيمن جاهد لإعلاء كلمة الله جل وعلا بأنه مجاهد، ولو قاتل بأي سلاح يمتلكه، سلاح فتاك، كما يقال، أو بالسيف، أو بالرمح، أو بالعصى، أو بالحجارة. قولهم: لأخذ مال، المقصود بالمال ها هنا أخذ مال من معصوم، أو قل المال المعصوم، فيقيد المال بالمعصوم، والمال المعصوم يدخل فيه مال المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، ويخرج منه مال المحارب، أي الذي يحارب أهل الإسلام، الذي يحارب أهل الإسلام، فإن ماله هذا ماله، بل ونفسه غير معصومة. إذن، لأخذ مال، يقيد بماذا؟ بمعصوم، بمال معصوم، أو لقتل، كذلك لقتل معصوم، بهذا القيد أيضًا، أو لإرهاب، أي تخويف وإفزاع، كذلك إفزاع من كان كذلك معصومًا. أما المحارب فإنه لا يدخل في هذا. الله جل وعلا يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، فالمحارب الذي يحارب على القيد المذكور في الدرس الماضي، ليس المقصود بالمحارب من بيننا وبينهم عهد، أو دخل مستأمنًا، أو دخلنا بلده ونحن مستأمنين، أو بيننا وبينهم عهد، نفرق بين هذا وبين المحارب في حالة الحرب، أو الذي ليس بيننا وبينهم شيء من العهود ولا المواثيق. أما من كان بيننا وبينهم شيء من العهود والمواثيق، فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾. فالحاصل المقصود من ذلك: البروز لأخذ مال، أو لقتل، أو لإرهاب من كان معصومًا، أما من كان ليس بمعصوم، فهو ليس بمعصوم، لا معصوم المال، ولا معصوم النفس. وقولهم: مكابرة، أي مجاهرة، فخرج من أخذ المال خفية، كالسرقة والاختلاس وما شابه ذلك. لكن ها هنا مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: من أخذ المال وقتل، لا على سبيل المجاهرة، ولكن على سبيل الغيلة والخدعة، هل يدخلون بمعنى المحاربين أم لا؟ فمن اشترط في وصف المحاربين أنهم يأخذون المال جهرة، قال: بأن هؤلاء لا يكونون في أحكام المحاربين، وهذا قول للعلماء رحمهم الله تعالى في المسألة. وقول آخر، وهو قول أكثر العلماء: أنه يكون حكمه حكم المحاربين، للاشتراك في المعنى. ما هو المعنى؟ المعنى كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هو أن الآخذ بهذه الطريقة، أي طريقة الحيلة، يأخذ المال ويقتل النفس دون أن يتحرز صاحبه منه، مثل قاطع الطريق، الرجل يكون آمنًا في السفر، فيقطع طريقه فيأخذ ماله ويقتله. قال: فكذلك الإنسان الذي هو مار ومستأمن، فما يدي بالرجل إلا وقد اغتاله وأخذ ماله، فالعلّة هي العلّة، أي عدم التحرّز مع وجود شيء من الأمن. بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن هذا أشد، لماذا؟ لأن فيه معنى زائدًا من معنى الاطمئنان والأمان. فالراجح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن من فعل هذه الفعلة على سبيل الغيلة، أي قتل اغتال إنسانًا آمنًا مستأمنًا وأخذ ماله، أنه يأخذ حكم المحاربين. قولهم: مكابرة، على هذا القول، أي مجاهرة، ليخرج معنى السرقة وما كان في معناها. أما من قتل ونهب المال وسرق المال بالوجه السابق، أي على سبيل الغيلة والخدعة، فإن هذا يلحق بالمحاربين في الحكم. أيضًا: اعتمادًا على الشوكة، أي على القوة والمنع، سواء كان عنده قبيلة مثلًا تمنعه، أو كان عنده عصابة من الناس تمنعه، هؤلاء يسمون ماذا؟ محاربين. مع البعد عن مسافة الغوث، مع البعد عن مسافة الغوث. وكما ترون، لم يقيد بسفر أو في غيره، ولكن العبرة جعلوا في ماذا؟ في مسافة الغوث، بمعنى إذا كان في مكان بحيث إذا قطعه قطاع الطريق استطاع أن يستغيث بآخرين فيغيثونه، فهؤلاء لا يقال فيمن فعل هذا التقطع بأنه من المحاربين. بخلاف من تقطع وأخذ أو سلب المال وقاتل النفس، وكان في مسافة ليس فيها معنى الغوث، أي لا يستطيع الإنسان أن يستغيث غيره فيغيثه، فيكون على هذه الحال محاربًا. إذا على هذه الصورة، من شروط المحارب أو المحاربين: أن يقطع الطريق، كما يقول بعضهم صراحة، في الصحراء ونحوها، أي في المكان البعيد عن الناس. أما في البنيان فلا، أما في البنيان فلا، وهذا قول في المسألة. والقول الآخر في المسألة، وهو الصحيح: أن الحرابة يترتب حكمها، سواء كان في الصحاري والبراري أو كان في البنيان، كان في البنيان أو كان في البنيان. لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: «ولو شهر السلاح في البنيان، في الصحراء، ولو شهر السلاح في البنيان، لا في الصحراء، لأخذ المال، فقد قيل: إنهم ليسوا محاربين، بل هو بمنزلة المختلس والمنتهب، لأن المطلوب يدركه الغوث إذا استغاث الناس». وقال أكثرهم، أي أكثر العلماء: إن حكمهم في البنيان والصحراء واحد، وهذا قول مالك في المشهور عنه، والشافعي، وأكثر أصحاب أحمد، وبعض أصحاب أبي حنيفة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «بل هم في البنيان أحقوا بالعقوبة منهم في الصحراء، لماذا؟ قال: لأن البنيان محل الأمان والاطمئنان، وإنهم محل تناصر الناس وتعاونهم، فيقدامهم عليها يقتضي شدة المحاربة والمغالبة، ولأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، والمسافر لا يكون معه غالبًا إلا بعض ماله». قال: «وهذا هو الصواب، ما هو الصواب؟ الصواب: أن المحارب من شهر السيف وقطع السبيل وأخذ المال وقتل النفس جهرة، كما تقدم، سواء كان جهرة من المعنى السابق، أو غيلة، لكن كلامه هنا جهرة باعتبار البنيان، وقد يلحق فيه الغيلة، ولو كان في ماذا؟ في البنيان، على ما تقدم». فإذا العبرة بما تقدم ذكره، فإذا قولهم: مع البعد عن مسافة الغوث، هذا قول مرجوح، والقول الراجح أنه أعم من ذلك، بمعنى أنه سواء كان في البنيان أو كان في الصحاري وغيرها. من كل مكلف ملتزم للأحكام، أي أخذ المال أو قتل النفس أو إلى غير ذلك، من كل مكلف ملتزم للأحكام. ولو كان ذميًا أو مرتدًا، يعني سواء كان ذميًا أو كان مرتدًا. وكذلك يضافه، سواء كان حُرًا أو عبدًا، سواء كان حُرًا أو كان عبدًا. طيب، وتسمى أيضًا قطع الطريق، أي هذا يسمى حد الحرابة، ويسمى قطع الطريق، أي هؤلاء يسمون قطع الطريق. الأمر الثاني: حد الحرابة وعقوبة المحاربين. الأصل في إقامة الحد على المحاربين وقطاع الطريق، وعقوبتهم، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. وتختلف عقوبة المحاربين وحدهم باختلاف الجرائم التي ارتكبوها، وذلك على النحو التالي: من قتل منهم وأخذ المال، قتل وصلب، حتى يشتهر أمره، ولا يجوز العفو عنه بإجماع العلماء، نقل الإجماع غير واحد، ألا إما منهم ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في «المغني» وغيره. والحاصل من هذا: أن من قتل منهم وأخذ المال، أي لو أن أحدًا من قطاع الطريق قتل وأخذ المال، أي جمع بين جريمتين، بين قتل النفس وبين نهب المال، سرقة المال، فهذا يعاقب بعقوبتين: القتل والصلب. ثم إن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا: هل يصلب قبل القتل أو يصلب بعد القتل؟ والأظهر، والله أعلم: أن ذلك عائد إلى اجتهاد الحاكم، وإلى المصلحة، وإلى النظر في المصالح والمفاسد. دليل هذا: قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾، قال علماء رحمهم الله تعالى: «أن يقتلوا، أن يصلبوا، أو ها هنا قد تكون للتخيير، أو ها هنا تكون لماذا؟ للتخيير، بمعنى أنهم إن قتلوا فقط، فإنهم يقتلون، وإن قتلوا وصلبوا، فإنهم يقتلون وماذا؟ وإن قتلوا وسرقوا، فإنهم يقتلون ويصلبون». ومن قتل منهم ولم يأخذ المال، قتل ولم يصلب، يعني قتل ولم يسرق المال، يقتل بقتله. ومن أخذ المال ولم يقتل، قطعت يده ورجله من خلاف، في آن واحد. قد يقول قائل: ألم يمر معنا أن السارق حده أن تقطع يده؟ الجواب: نعم، ولكن ها هنا ليس هذا حد للسارق، وإنما هذا حد لمن؟ للمحاربين، أي قطاع الطريق. فحدهم قطاع الطريق أشد، لما فيه من معنى ماذا؟ معنى نهب المال والإفساد. لذا قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، فهؤلاء مفسدون، ويجمعون مع فسادهم الذي هو الإخافة أو إفزاع الناس وقطع المصالح، قد يجمعون معه جريمة أخرى، وهي القتل، أو النهب، السرقة، أو قطع أطراف، أو ما شابه ذلك، على ما يأتي معنا. فإن فعلوا هذا، أي سرق المال فقط، وما قتل، تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، لقول الله جل وعلا: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، فتقطع يده اليمنى مع رجله اليسرى، عقوبة له على جريمته تلك. ومن أخاف الناس والطريق فقط، ولم يقتل ولم يأخذ المال، نفي من الأرض، وشرد وطورد، فلا يترك يأوي إلى بلد، إلى بلد، جزاء وفاقًا. وهذا فيه معنى من معاني العدل: أنه مثل ما أنه فعل هذا الأمر، يعني كان يطارد الناس من مكان إلى آخر، يفزعهم ويخوفهم، لا يجعلهم يستقرون في مكان، كانت عقوبته من جنس ماذا؟ من جنس جريمته، أنه يبقى لا يبقى في بلد، بل يكون مشردًا، يكون مشردًا من بلد ينفى إلى بلد أخرى، ينفى إلى غير ذلك. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أنهم إذا كانوا جماعة، فرقهم الإمام، إذا كانوا جماعة، فرقهم الإمام، أي لا يجعلهم في مكان واحد، لماذا؟ لأنهم قد يعودون مرة أخرى بالشر، لكن يفرقهم، يجعل أحدهم في اليمين والآخر في الشمال، وهكذا، هذا إذا كان في المكان متسع. أما إذا كان الحاكم يخشى، أو ليس هناك مكان ينفون فيه، فالحاكم أن يحبسهم، ردعًا لهم، وكفًا لشرهم، وتأديبًا لهم. فمتى ظهرت عليهم التوبة، وعلاماتها، فالحاكم أن يكف عنهم بعد ذلك. هذا في حق من؟ في حق من أخاف الطريق ولم يقتل ولم يسرق. بقي يعني من المسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: من لم يقتل ولم يسرق، ولكن قطع يدا، أو عضوا، يعني مثلًا: فقى عينا، كسر سنا، قطع، كما سمعتم، يدا، أو رجلا، ما حكم هذا؟ ذهب العلماء جماعة من العلماء رحمهم الله تعالى: أن هذا يجري فيه مجرى القصاص، أن هذا يجري فيه مجرى القصاص، إلا أن العلماء، إلا أن كثيرًا من العلماء رحمهم الله تعالى قالوا: يجري فيه مجرى القصاص، إلا أن هذا الباب، أي باب المحاربة، لا يدخله باب العفو، لا يدخله العفو، بمعنى: من قطع يدا، ولو عفى عنها، ولو عفى عنها صاحبها، فإن يده تقطع، لو فقى عينا، ولو عفى صاحبها، فإن عينه تفقى، لابد من إقامة الحد، لما ذكره، لأن هذا من باب المحاربين، لا من باب القصاص. باب القصاص هذا لمن حق للعبد أن يتنازل عنه، قالوا: أما باب المحاربين، فإنه حق لله جل وعلا، باب المحاربين، فإنه حق لله جل وعلا، أي حكم حكم به الله جل وعلا، فليس لأحد أن يتنازل عنه. لذا كما نرى في الآية، ما قال الله جل وعلا: «فمن عفي عن أخيه شيئًا»، كما قال في القصاص، ولكن جعلها أحكامًا قطعية، أو أحكامًا ليس فيها استثناءات. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أيضًا: أن من قاتل نفسًا، وعفا عنه أصحاب، أو أولياء الدم، عفوا عنه، قالوا: فإن هذا الباب لا يدخل العفو، قتل يقتل، قتل يقتل، ولو عفوا عنه. يعني واضح، هذا أحكام أحكام المحاربة غير أحكام القصاص، القصاص يدخله العفو، أما باب المحاربة فإنه لا يدخله العفو، لماذا؟ أو لأن هذا حق لله جل وعلا، هذا حكم حكم به الله جل وعلا، لا يقوز تعديه، لا يقوز تعديه. فالله جل وعلا حكم على هؤلاء بهذه الأحكام، إما أن يقتلوا، يصلبوا، تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. لذا كذلك من المسائل التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى: أن هذا الباب ليس فيه معنى المكافأة، أي لا يشترط فيه التكافؤ في الدماء، لا يشترط فيه التكافؤ في الدماء. ما معنى التكافؤ في الدماء؟ يعني مثال ذلك: لو أن مسلمًا قتل ذميًا، مسلمًا محارب من قطاع الطريق قتل ذميًا، فإنه يقتل به. لو أن مسلمًا حُرًا قتل عبدًا، ولكن قتله وهو من المحاربين، قتله في قطع الطريق، فإنه يقتل به. بل ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، قالوا أيضًا في باب الحرابة: أن الأب إذا كان من قطاع الطريق وقتل ولده، فإنه يقتل به، لماذا؟ لأن هذا الباب، قالوا: لا يدخل فيه معنى من معاني العفو، ليس فيه معنى من معاني العفو، ولا المكافأة، ليس فيه معنى معاني العفو، ولا معنى المكافأة. هذه جملة من الأحكام المتعلقة بهذا الباب. ما بقي نؤجله إلى درس لاحق. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا للمشاهدة.