كتاب الحدود 4

الدرس في كتاب الحدود 4، ألقاها

شروط إقامة حد الزنا للمحصن

يشترط لإقامة حد الزنا على الزاني المحصن أن يكون قد تزوج نكاحًا صحيحًا ووقع منه وطء مباح، وأن يكون بالغًا حرًا عاقلًا. يُشدد على أن العبد أو المجنون أو الصغير لا يُقام عليه الحد لعدم توفر الشروط.

تفاصيل شروط المحصن وحد الزنا

يشترط في المحصن البلوغ والعقل والحرية والوطء في الفرج بنكاح صحيح. إذا زنى المحصن، فإن حده الرجم حتى الموت، وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر.

إثبات حكم رجم الزاني المحصن من القرآن والسنة

يُثبت حكم رجم الزاني المحصن بالكتاب والسنة والإجماع، مستندًا إلى آثار عمر بن الخطاب وحديث أبي هريرة. يُبين المقطع أيضًا مفهوم النسخ في الشريعة الإسلامية وأنواعه.

إجماع العلماء على حكم رجم الزاني المحصن

أجمع العلماء على أن من زنى وهو محصن فحكمه الرجم بالحجارة حتى الموت، وقد ثبت ذلك في حديث عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم، وهو متفق عليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسئيات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في الباب الثاني من كتاب الحدود، وهو في حد الزنا، وأخذنا فيما مضى المسألة الأولى، وندخل اليوم بإذن الله عز وجل في الكلام على المسألة الثانية. المسألة الثانية: حد الزنا لا يخلو حال الزاني من أحد أمرين، أولهما أن يكون محصنًا، ثانيهما أن يكون غير محصن، أي أن يكون محصنًا أو غير محصن، لذا له حالان، ولكل حال حد يخصه، كما سيأتي معنا بيان ذلك بإذن الله عز وجل. أولًا: الزاني المحصن، والمقصود بالزاني المحصن أي الزاني الذي تزوج، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا ما هي شروط الإحصان التي إذا توفرت في الزاني صار يستحق حد الزاني المحصن. ويشترط للإحصان الموجب للحد الشروط التالية: أولًا أن يحصل منه الوطء في القبل، وذلك بأن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج. الثاني أن يكون الوطء في نكاح صحيح. الثالث أن يكون الرجل أو المرأة حال الوطء بالغين حرين عاقلين. فهذه شروط ثلاثة إذا توفرت في الزاني ذكرًا كان أو أنثى فإنه يستحق حد الزاني المحصن. أولها أن يكون قد حصل منه الوطء في القبل، أن يكون الزاني أو الزانية قد حصل له من قبل وقوعهما في فاحشة الزنا -والعياذ بالله- أن يكون وقع منه أولًا نكاح صحيح، أن يكون نكح أي تزوجًا صحيحًا. فكونه نكح نكاحًا صحيحًا خرج النكاح غير الصحيح، فمثلًا لو أنه نكح من الأنكحة الباطلة الفاسدة فإنه لا يقال فيه بأنه محصن، لا بد أن ينكح نكاحًا صحيحًا، أي بعقد شرعي صحيح مستوف للشروط ومنتفٍ الموانع، وأن يكون هذا النكاح قد حصل فيه وطء من الزوج لزوجته، وأن يكون هذا الوطء في القبل وطءًا صحيحًا. وأقل ذلك كما يذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى أن يجامع الرجل زوجته ولو بأن يغيب الختان في الختان، بهذا يحصل له معنى الإحصان. فلا بد كما ذكر أن يحصل منه الوطء في القبل، وذلك بأن يتقدم للزاني والزانية وطء مباح في الفرج، وأن يكون الوطء في نكاح صحيح. الأمر الثالث: أن يكون الرجل والمرأة حال الوطء بالغين حرين عاقلين، بمعنى أن المحصن حتى يقام عليه حد الإحصان لا بد أن يكون ذلك النكاح منه لإمرأته في عقده الصحيح، أن يكون حال كونه بالغًا، أن يكون هو بالغًا وأن تكون هي كذلك بالغة. قالوا: وذلك لأن تمام المتعة بالنكاح لا يحصل إلا بهذا المعنى، أن يكون من بالغين، أما غير البالغ فإن متعته إما منعدمة وإما ناقصة. وكذلك أن يكون من حرين، أن يكون حرين لأن العبد لا يقام عليه حد الإحصان، لأن حد العبد هو على النصف من حد الحر، وحد الإحصان في الزنا القتل الراجم، وهو لا يتنصف. وما دام أنه لا يتنصف قالوا: إذن يسقط عن العبد حد المحصن، ولكن يجلد، ينتقل فيه معه إلى الجلد. وذكروا معان يعني إلى جانب المعنى الأول أن حد العبد يتنصف بالنسبة للحر، قالوا أيضًا أن العبد سواء كان ذكرًا أو أنثى لا يبالي بمثل هذه القاذورات، بل هو معرض لها، بخلاف الحر فإنه بعفته يأنف عن مثل هذه القاذورات. فإن وقع منه شيء حد تطهيرًا له من ذلك القذر الذي وقع فيه. وأن يكون كذلك عاقلين، لو أن الرجل أو المرأة لم يكونا عاقلين أي حال الوقوع في الزنا أو حال النكاح الشرعي هذا مانع، لماذا؟ لأن المجنون لا يتمتع، لا يحصل له تمام المتعة بالنكاح لنقص عقله. وكذلك لو وقع منه الزنا وهو على هذه الحال فهو ليس بمكلف، كذلك الطفل أو الصغير سواء كان ذكرًا أو أنثى لو وقع منه الزنا ولو كان متزوجًا ما لم يكن بالغًا فإنه لا يقام عليه الحد، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ». إذن أن يكون الرجل والمرأة حال الوطء بالغين حرين عاقلين هذا الشرط قد يراد به في قوله حال الوطء أي حال الوقوع في الفاحشة، والأمر في ذلك واضح لما تقدم «رُفِع القلم عن ثلاثة» وبالنسبة للعبد لما تقدم من أن حد العبد يتنصف والقاتل لا يتنصف، فدُرِئ عنه القاتل لأجل هذا المعنى وانتقل معه إلى الجلد. فالمحصن هو من وطأ زوجته في قُبُلها بنكاح صحيح وكانا بالغين عاقلين حرين، أي هذا الوصف هو وصف لماذا؟ للمحصن. فهذه شروط أو فهذه خمسة شروط: الأول أن يطأ زوجته في قُبُلها، الثاني أن يكون ذلك الوطء بنكاح صحيح، الثالث أن يكون بالغين، الرابع أن يكون عاقلين، الخامس أن يكون حرين. فهذه خمسة شروط لا بد منها لحصول الإحصان الموجب للحد، وهي البلوغ والعقل والحرية والوطء في الفرج وأن يكون الوطء بنكاح صحيح. طيب هذه الشروط كما سمعتم هي شروط المحصن الذي يقام عليه حد الإحصان، بقي ما هو حد الإحصان؟ إذا وقع الزنا من المحصن أو من المحصنة حده إذا زنى المحصن فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، وكما قال من قال من العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا الوصف يُعد من أشد أنواع الحدود، إذ أنه يُرجم حتى الموت. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى تعليلًا لهذا المعنى أن هذا الحد كان شديدًا لشدة وقوع فاعله في الجرم، لأنه يُدنِّس عرضه أولًا ولا حاجة له بذلك ذكرًا كان أو أنثى. وأيضًا إذا كان من المرأة ربما حصل منه شيء من تدنيس العرض والفراش، يحصل فيه اختلاط الأنساب، ويحصل فيه كذلك معان أخرى مع عدم الحاجة، إذ أن الزوج إذا أراد قضاء وطره عنده امرأة عنده زوجة يقضي وطره منها، ولكن كونه يتطلع إلى غير ما أحل الله جل وعلا له بل ويرتكب الفاحشة معها يدل ذلك على ضعف إيمانه وقلة خوفه من الله جل وعلا. فأحتاج إلى زاجر قوي ورادع صلب لأجل أن لا تتوقى نفسه أو نفس غيره لمثل هذه الأفعال مرة أخرى. قالوا: إذا زنى المحصن فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت رجلًا كان أو امرأة. والرجم ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر من قوله وفعله. وقد كان الرجم مذكورًا في القرآن ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وذلك في قوله عز وجل: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: «إن الله بعث محمدًا بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». أثر عمر رضي الله عنه أو حديث عمر هذا رضي الله عنه وأراه يُعد أصلًا في هذا الباب، يُعد أصلًا في هذا الباب أي في حد المحصن الزاني إذا وقع المحصن في الزنا، وذلك لأمور: أولها أن عمر رضي الله عنه وأرضاه أخبر في خطبته التي خطب فيها الناس أن هذا الحكم هو حكم الله جل وعلا ورسوله على رؤوس الصحابة، على مشهد ومسمع ومشهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فكما ذكر كانت آية من آيات الله جل وعلا في القرآن تُتلى ثم نُسِخَ تلاوتها ولفظها وبقي حكمها، لأن النسخ في القرآن إما أن يكون النسخ للتلاوة دون الحكم كما هو الحال عندنا هنا، وإما أن يكون نسخًا للحكم دون التلاوة كما في حالة تحريم الخمر. الأولى والثانية كانت ماذا في أول أمر؟ ما زالت تُتلى لكن حكمها ماذا؟ منسوخ: «لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى»، «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون»، و«يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما»، هذا كان في أول الأمر، ولكن الآية ما زالت تُتلى، حكمها نُسِخَ بقول الله جل وعلا: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تتقون﴾، فسماه الله جل وعلا رجسًا، فهذه الآية ناسخة للآيات الأولى. فالنسخ في مثل هذه الآيات نسخ للحكم دون التلاوة، وقد يكون النسخ للحكم والتلاوة كما أشير أو كما جاء ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها في أمر الرضاع، كما في صحيح مسلم: «أن الرضاع كانت عشرًا ثم نُسِخَت بخمس»، وقالت عائشة رضي الله عنها: كانت فيما يُتلى، فنُسِخَ حكمها ولفظها. أشهد من هذا أن حكم الزاني المحصن وأنه يُحَد ويرجم حده ذُكِر في كتاب الله جل وعلا في قوله جل وعلا: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنياء فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾، وثابت كذلك بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، لقول عمر: «فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده»، قوله: «رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم» يدل على أنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك. وقوله رضي الله عنه وأرضاه: «ورجمنا بعده» يدل كذلك هذا على أن هذا فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الأمر لم يُنسَخ، وأن الأمر لم يُنسَخ بل بقي واستمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده كما رجموا معهم في حياتهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فتحصل من هذا الأثر إثبات هذا الحكم بكتاب الله جل وعلا، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون إجماعًا بالكتاب والسنة والإجماع. لذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مبينًا لبيان هذه المسألة وهذا الحكم: «فأخشى إذا طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله»، وهذا موجود أو غير موجود اليوم؟ موجود، قد حصل ما خشيه عمر رضي الله عنه وأرضاه، صار من يسمع الرجم تشمئز نفسه من هذا الكلام، وهو حق في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان والأئمة الأعلام رضي الله عنهم جميعًا. قال: «فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله»، فماذا قال عمر؟ «فيضل بترك فريضة أنزلها الله»، قد حصل هذا المعنى، ضل كثير من الناس عن فريضة أنزلها الله جل وعلا وفرضها الله جل وعلا في كتابه. ثم قال: «وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة»، إذن لا بد من ماذا؟ من إقامة البينة، سيأتي مع الكلام على هذا في المسألة الثالثة بإذن الله عز وجل. قال: «أو كان الحبل»، وهذا في حق من؟ في حق المرأة. ثم قال: «أو الاعتراف»، والاعتراف في حق من؟ في حق الرجل أو المرأة كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. قال: ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى إلى قِبَل وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات»، أي كرر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أبيك جنون؟» قال: لا، قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا به فارجموه». الشاهد سأله النبي صلى الله عليه وسلم بقول: «هل بك جنون؟» استدل به العلماء رحمهم الله تعالى على أن المجنون لا يرجم، لأنه قال: «أبيك الجنون؟» قال: لا. وقوله كذلك: «فهل أحصنت؟» فيه دلالة على أن غير المحصن لا يرجم، غير المحصن لا يرجم. فلما قال له: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا به فارجموه»، فأخرج من المسجد ورجمه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وحديث عمر متفق عليه، وحديث أبي هريرة كذلك متفق عليه. قال: وأجمع العلماء على أن من زنى وهو محصن فحكمه الرجم بالحجارة حتى الموت. والإجماع معلوم وتقدم وجهه في أثر عمر رضي الله عنه وأرضاه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على