كتاب الحدود 6

الدرس في كتاب الحدود 6، ألقاها

تعريف القذف وأحكامه الشرعية

القذف يعني الرمي بالزنا أو اللواط، وهو حرام شرعًا إذا كان صريحًا. هناك خلاف حول ما إذا كان التعريض يُعتبر قذفًا أم لا.

حكم القذف واستثناءاته

القذف حرام بالكتاب والسنة والإجماع، ويعتبر من كبائر الذنوب. هناك استثناءات للقذف، مثل عندما يرى الرجل زوجته تزني.

حد القذف والحكمة من تشريعه

حد القذف هو جلد ثمانين جلدة للحر وأربعين للعبد، ويهدف إلى صيانة المجتمع والمحافظة على أعراض الناس. يعتبر القذف من الجرائم التي تهدد الضروريات الخمس.

الحكمة من تشريع الحد وحفظ الضروريات

الحد في مسائل معينة شرع لحماية الضروريات الخمس، والحفاظ على العرض أحد هذه الضروريات. الله تعالى شرع الأحكام حفاظًا على مصالح العباد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثالث من كتاب الحدود في حد القذف، وفيه مسائل. أي أن هذا الباب معقود في الكلام على حد القذف وذكر مسائله. المسألة الأولى: معنى القذف وحكمه. تعريف القذف لغةً: الرمي، ومنه القذف بالحجارة وغيرها. ثم استعمل في الرمي بالمكاره كالزنا واللواط ونحوهما، لعلاقة المشابهة بينهما، وهي الأذى. وهذا التعريف بناءً على أن الرمي في اللغة موضوعٌ حقيقةً للقذف بالحجارة، ثم استعير بالرمي بكل ما يكرهه الإنسان. وشرعًا: الرمي بزنا أو لواط أو شهادةٌ بأحدهما، ولم تكمل البينة، أو نفي نسبٍ موجبٍ للحد فيهما. هذا تعريف شرعًا. وبتعريفه الشرعي تبين حقيقة القذف ومعنى القذف شرعًا، فهو كما ذكر: الرمي بزنا أو لواط. فخرج ما لم يكن كذلك، أي لو أن إنسانًا رمى إنسانًا مثلاً بأن سبَّه مثلاً بالكفر أو بالفسق أو بما شاع من السبَّ الناس، من لعن أو ما شابه ذلك، فهذا لا يسمى قاذفًا شرعًا. يعني لو أن إنسانًا قال للإنسان: يا ملعون مثلاً، هذا يأثم على سبِّه لأخيه، لكن هل يكون قاذفًا شرعًا؟ الجواب: لا. متى يكون قاذفًا شرعًا؟ يكون قاذفًا شرعًا إذا رماهُ بالزنا أو رماهُ باللواط، كأن يقول له: يا زاني، أو للمرأة: يا زانية، أو يا لوطي، أو ما شابه ذلك من العبارات الصريحة الواضحة. وهل يدخل في ذلك غير الصريحة من العبارات؟ بمعنى أنه لو أتى بلفظٍ غير صريح، أو عرَّض له بذلك، مثلًا يقول إنسان لإنسان: أنظر من أين أو من أبوك، هذا يسمى تعريضًا. أو يقول للمرأة: أنظري مع من نمت أمسٍ، أو ما شابه ذلك من العبارات التي فيها معنى التعريض والكناية، فهل يلحق هذا بالقذف أم لا؟ خلافٌ بين الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة. فمن أهل العلم من قال: بأن المعتبر في القذف الشرعي أن يكون قذفًا صريحًا، أن يكون قذفًا صريحًا بالزنا، أو أن يكون رميًا صريحًا بالزنا. أما ما لم يكن صريحًا أو كان تعريضًا، فإنه لا يكون بذلك قاذفًا. وذهب إلى القول الآخر طائفة من أهل العلم، وحكي هذا القول عن طائفة من الصحابة، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه اعتبر التعريض في القذف. وكذلك جاء هذا المعنى عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين. وذهب إليه جماعة من الأئمة رحمهم الله تعالى، وهو الذي مال إليه وبينه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. بمعنى أن الإنسان لو عرض بإنسان تعريضًا، بحيث أن ذلك التعريض عُرف بالعُرف أنه بمعنى القذف، فإنه يكون معتبرًا. فالقذف: الرمي بالزنا أو اللواط، سواء كان صريحًا أو كان في معنى الصريح. ودلَّت القرائن على هذا المعنى. الرمي بالزنا أو اللواط، أو شهادة بأحدهما، ولم تكتمل البينة. حكم القذف: القذف في الأصل حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وكبيرة من الكبائر، من كبائر الذنوب. فيحرم الرمي بالفاحشة. لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها: قذف المحصنات المؤمنات الغافلات. فهي من الموبقات، أي المهلكات التي تُهلك صاحبها. قال: وقد أجمع المسلمون على تحريم القذف، وعدوه من كبائر الذنوب. وهذا أيضًا إجماع. ويجب القذف على من يرى زوجته تزني. الآن تقدم معنا أن الأصل في القذف أنه محرم، لكن يُستثنى من القذف صورة، وهي ما إذا رأى الرجل امرأته تزني، والعياذ بالله. كما سيأتي معنا أنه يجب عليه أن يقذفها، وأن يتبرأ من فعلتها، وإن كانت ثم حمل من ذلك الزنى، يجب عليه أن ينتفي من ذلك الحمل ومن ذلك الولد. فلذا قيل: ويجب القذف على من يرى زوجته تزني، ثم تلد ولدًا يقوى في ظنه أنه من الزاني، لألا يلحقه الولد، ويدخله على قومه وليس منهم. ويباح القذف لمن رأى زوجته تزني ولم تلد من ذلك الزنى. إذن هنا حالتان: الحالة الأولى أن يرى زوجته تزني أو يعلم بذلك، ولا يوجد حمل من ذلك. فمثل هذا، ما هو الواجب في حقه؟ أو هل يجوز له أن يقذف أم لا؟ ذكر كما سمع هاهنا أن هذا إن قذف ليس بحرام. وإن سكت، هل يكون حرام عليه إن سكت أم لا؟ بعضهم ذهب إلى أن ذلك الأمر إذا حصل منها زلة وما شابه ذلك، أن باب الستر أولى. لكن لا شك ولا ريب أن الإنسان بغيرته وعفته، إذا رأى ذلك، إن سترها لا يبقيها معه. لا تبقى؛ لأنها قد دنست فراشه، وما يدري أن تكون قد فعلت مثل ذلك من قبل، أو أنها ستكرر بعد ذلك. فالحاصل أنه إن علم مثل هذا الشيء منها، فإنه لا يسكت عليها. إن سترها، باب الستر شيء، وباب الإبقاء شيء آخر. لو أبقها على تلك الحال، فهذا يخشى عليه أن يكون ماذا؟ أن يدخل في معنى الديوث، والعياذ بالله؛ لأنه رضي الفاحشة في أهله، والعياذ بالله. الحالة الثانية: أن يحصل حمل، يتيقن أنه ليس منه. كان يكون الرجل مثلًا مسافرًا، فيرجع وقد حملت امرأته في فترة أو في زمن لا يمكن مثله أن تكون قد حملت. مثال ذلك: لو أن رجلًا تزوج بامرأة، فوضعت بعد خمسة أشهر، هل يكون ذلك الولد من الزوج؟ الجواب: لا. وهذا باتفاق لا خلاف بين العلماء في ذلك؛ لأنهم قالوا: إن أقل مدة للحمل ستة أشهر، لقول الله جل وعلا: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال الله جل وعلا في الرضاع: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، والحولان أربعة وعشرون شهرًا، كم يبقى من الثلاثين؟ ستة أشهر. قالوا: فهذه أقل مدة الحمل. وبهذا أفتت الصحابة، مثل علي بن أبي طالب، وأقره عمر، وكذلك ابن عباس، وأقره عثمان. فدل عمل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أن أقل الحمل ستة أشهر. فلو أن امرأة وضعت دون هذا الزمن، تيقن بأن ذلك الحمل ليس من ذلك الزوج. فإذا كان أمر كذلك، فإنه يجب على الزوج أن يتبرأ، وأن ينتفي من ذلك الولد. يجب عليه أن يقول: هذا الولد ليس بولدي. لماذا؟ لأجل أن لا يلحق به ما ليس منه، ولأجل أن لا تختلط الأنساب، فينتسب إلى ذلك الزوج وهو ليس بولد له. فيقذف ويرمي في هذه الحالة وجوبًا؛ لأجل تبرئة فراشه وساحته من ذلك الولد. المسألة الثانية: حد القذف والحكمة منه. حد القذف: لقد قرر الشارع أن من قذف مسلمًا بالزنا، ولم تقم بينة على صدقه فيما قذف به، أنه يجلد ثمانين جلدة إن كان حُرًا، وأربعين إن كان عبدًا، رجلًا كان أو امرأة. لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾. ويجب على القاذف مع إقامة الحد عليه عقوبة، وهي رد شهادته، والحكم بفسقه. لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فإذا تاب القاذف، قبلت شهادته، وتوبته قبلت. أن يكذب نفسه فيما قذف به غيره، ويندم، ويستغفر ربه. لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إذن عقوبة القذف التي رتبها شرع: ثلاث عقوبات. الأولى: أن يجلد ثمانين جلدة إن كان حُرًا، ذكرًا كان أو أنثى. وإذا كان ليس بحُر، أي كان رقيقًا، ذكرًا كان أو أنثى، فنصف ما على المؤمن الحر من العذاب، أي يجلد أربعين. الأمر الثاني أو العقوبة الثانية: بأنه في الشرع يسمى فاسقًا، ويترتب على ذلك أنه لا تقبل شهادته. وهذه هي العقوبة الثالثة. الأولى: الجلد. الثانية: أنه فاسق. الثالثة: بأن شهادته ليست بمقبولة شرعًا. ولو كانوا قبل القذف عدولًا، يعني لو أنهم قبل القذف أربع عدول، لكن ثلاثة رأوا الأمر جليًا واضحًا، والرابع شك، رأى شيئًا لكن ما هو متيقن من حقيقة الأمر. فمثل هؤلاء في الشرع يقال فيهم: بأنهم فساق. الحكمة منه: يهدف الإسلام من إقامة حد القاذف إلى صيانة المجتمع والمحافظة على أعراض الناس، وقطع ألسنة السوء، وسد باب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين. وكما تقدم معنا أن هذا الحد خاصة شرع حفاظًا على إحدى الضروريات الخمس؛ لأن الضروريات كما مر معنا التي جاء الشرع بالحفاظ عليها خمس: الدين، النفس، العقل، العرض، المال. وهنا حفاظ على ماذا؟ على العرض. فلأجل هذا الشرع الحكيم الحد في هذه المسألة حفاظًا على العرض الذي هو إحدى الضروريات الخمس. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على