كتاب الحدود 5

الدرس في كتاب الحدود 5، ألقاها

حد الزنا للزاني غير المحصن وتفاصيل الحكم

الزاني غير المحصن يحكم عليه بالجلد مئة جلدة وتغريب عام، بينما يخفف الحكم على الرقيق. يُشرح تفاصيل الحكم وتخفيفه في حالات معينة.

إثبات حد الزنا ووسائل الإثبات

يتناول إثبات حد الزنا بإقرار الزاني أو بشهادة أربعة شهود، مع توضيح تفاصيل كل وسيلة إثبات. يُشرح أن الإقرار يعتبر أقوى البينات.

شروط إقامة حد الزنا وتفاصيل الشهود

يشرح شروط إقامة حد الزنا بالإقرار أو بشهادة أربعة شهود عدول، مع تفاصيل حول شروط الشهود ونتائج عدم توافرها. يُوضح أهمية عدالة الشهود.

حكم إقامة الحد على الزاني وتقديم البينة

إذا شهد الشهود برؤية الزنا ووصفوه بدقة، أقيم الحد على الزاني حتى وإن أنكر لاحقًا، حيث تُقدم البينة على الإنكار. يُوضح أهمية البينة في إقامة الحد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في درسنا الماضي أن حد الزنا له حالان: الحال الأولى أن يكون الزاني محصنًا، وتقدم الكلام على ضابط ذلك، أي ضابط المحصن، وكذلك تقدم الكلام على حد المحصن. والحال الثاني أن يكون الزنا وقع من غير المحصن، وهو درسنا في هذا اليوم بإذن الله عز وجل. ثانيًا: الزاني غير المحصن، وهو من لم تتوافر فيه الشروط السابقة في الزاني المحصن، بمعنى إما أنه لم يتزوج أصلاً، أو أنه تزوج ولكن لم يدخل بأهله فلم يطأ أهله، أو أنه لم يكن بالغًا ولا عاقلاً، ولا كذلك حرًا. حده إذا زنى غير المحصن، فإن حده الجلد مئة جلدة وتغريب عام. إلا أنه يشترط في تغريب المرأة وجود محرم معها، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، ولحديث عبادة بن صامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام». تغريب الزاني، نفيه وإبعاده عن وطنه. هذا هو حد الزاني إذا كان غير محصن، أنه يجلد مئة، ذكرًا كان أو أنثى، يجلد مئة جلدة، وكذلك يغرب، يعزر أو قل يغرب، بمعنى ينفى من بلده. ومسألة جلد الزاني غير المحصن مئة جلد هذا محل اتفاق بين العلماء، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. الكتاب كما في الآية المذكورة بين أيدينا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. والسنة كما في الحديث الذي بين أيدينا، وهو حديث رواه مسلم في صحيحه. وكذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، في قصة العسيف الذي زنى بامرأة سيده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بحكم الله»، أو قال: «بكتاب الله، على ولدك الجلد مئة وتغريب عام». وكان القصة أن رجلاً استأجر أجيرًا شابًا، فواقع ذلك الأجير بامرأة ذلك الرجل، فأتي به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهم بكتاب الله جل وعلا. وأن العسيف، أي الأجير، عليه حد، وهو مئة جلد، كما هو نص القرآن، وزيادة أن عليه كذلك تغريب عام. ومعنى تغريب عام، أي أن ينفى من بلده. وتغريب العام وقع فيه شيء من الخلاف، الجمهور على أن تغريب العام هذا من الحد، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من الحد، وإنما هو اجتهاد يرجع إلى الحاكم، إن رأى النفي نفى، وإن رأى أن لا ينفي فله ذلك. فجعل مسألة النفي أو التغريب أمر اجتهاد، كأنه تعزير، كأنه من التعزيرات التي ترجع إلى الحاكم والسلطان، إن رأى ذلك فعل، وإن لم يرَ ذلك فالأمر إليه. وظاهر النصوص تدل على قول الجمهور، ولا سيما حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكم بكتاب الله»، ثم قال: «على ابنك جلد مئة وتغريب عام»، فدل هذا على أن هذا حكم الله، على أن هذا حكم حكم الله جل وعلا، ليس هو حكم عائد إلى اجتهاد الحاكم. وقد ذكر العلماء رحمهم الله سؤالاً لتطبيق هذا الشر، أو لتطبيق هذا الأمر، وهو التغريب، اشترطوا أن لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم، بمعنى أنه إذا نقل إلى بلدة أخرى، فترتب على ذلك أو ظن راجحًا أو توقن بأن ذلك الزاني أو تلك الزانية إذا انتقلت أو نقل بها إلى بلد أخرى تغريبًا، أدى ذلك إلى فساد أعظم، فالأولى أن ينتقل إلى معنى يكون فيه معنى التغريب. فذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن التغريب شرع لحكم عظيم، منها مباعدة من وقع في تلك الفاحشة عن مكان تلك الفاحشة، وذلك أجدر بأن يبتعد عنها، وأن يخلص منها قلبه، وينفر منها قلبه، إلى جانب ما يحصل له من معنى التأديب والزجر بذلك النفي والتغريب. فإذا كان فيه النفي والتغريب مفسدة أعظم من مصلحة نفيهم، فحينها يكتفى بالحبس، أن يحبس في مكان، ويكون ذلك المكان في مصلحة، أي مكان مؤتمن أيضًا بالنسبة للرجل، وكذلك بالنسبة للمرأة. وإن كان هناك مكان صالح للتغريب، فالأصل هو التغريب، لكن كما ذكر العلماء رحم الله تعالى، أن المرأة إذا غربت، غرب معها محرمها. وإن زن الرقيق، محصنًا كان أو غير محصن، عبدًا كان أو أمة، فإن حده أن يجل، خمسين جلده. الرقيق ذكرًا يجلد، يعني ذكرًا كان أو أنثى، يجلد نصف حد البكر، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. فالعذاب المذكور في الآية هو الجلد مئة جلدة للذكر والأنثى الأحرار، فينصرف التنصيف إليه، أي إلى الجلد، لماذا؟ لأن الرجم لا يمكن تنصيفه، الرجم لا يمكن تنصيفه. فانتقل في الرقيق، ذكرًا كان أو أنثى، محصنًا كان أو غير محصن، إذا وقع منه زنا، أنه يجلد خمسين جلدة، ذكرًا كان أو أنثى، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ومعلوم كذلك كما تقدم، أن الحد الذي يتنص في حقه الحر، وهو حد الرقيق، هو الجلد، لأن القتل، الرجم، لا يتنصفه. فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بهذه الآية: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، استدلوا بها أنها باقية على عمومها في حق ماذا؟ في حق الرقيق، باعتبار أنه باقٍ في عمومها في حق البكر والثيب، سواء كان ذكرًا أو أنثى، أن حده يتنصف. وذلك لأن الرقيق وجد فيه مانع من موانع الرجم، وهو كونه ليس بحر، لأن من شروط الرجم أن يكون من وقع منه الزنا حرا. والرقيق ليس كذلك. وكذلك من حيث المعنى، كما مر معنا، أن الرقيق لا يتحاشى من الوقوع في شيء من هذه القاذورات، بخلاف الحر العفيف، فإنه يأنف أن يقع في شيء من هذه القاذورات، ذكرًا كان أو أنثى، إما لرادع الدين، وإما لرادع السمعة، وكذلك النزاهة عن مثل هذه القاذورات. فلأجل هذا المعنى خفف الحكم في الرقيق، وغلظ في غيره من الأحرار، كما تقدم معنا. قالوا: لا تغريب على الرقيق، إذ لم ترد السنة في تغريبه المملوك إذا زنى، ولأن في تغريبه إضرارًا بسيده، ولا تغرب المرأة إلا بمحرم، كما سبق. حكم التغريب، هل هو عام في الأحرار والرقيق، أم أنه خاص بالأحرار دون الرقيق؟ الجواب: ما تقدم أن التغريب خاص بالأحرار فقط، يدل على هذا أولاً: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لم يرد عنه قط أنه أمر مملوكًا أو رقيقًا، أنه إذا وقعت منه الفاحشة بأن يغرب، كما هو الحال في ماذا؟ في الأحرار. ثانيًا: أنه قد وقع في زمنه صلى الله عليه وسلم شيء من ذلك، وقع في زمنه شيء من ذلك، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالجلد، كما جاء عند أبي داود وغيره، بإسناد حسن، عن علي رضي الله عنه وأرضاه، أن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت في شيء من هذه القاذورات، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليًا أن يجلدها الحد. والحديث: «أشهد أن يجلدها الحد»، ولم يأت أنه أمر بتغريبها. عام الأمر الثالث، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت عنه أنه قال: «إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد، فإن زنت مرة أخرى، فليجلدها الحد، فإن زنت مرة ثالثة، قال: فليجلدها الحد»، أو قال صلى الله عليه وسلم: «فليبعها ولو بحبل من شعر»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. والشاهد أنه ما قال بأنه يجلدها ويغربها، بل أمر بجلدها فقط، فدل ذلك على أن العبد أو الأمة إذا وقع منهم شيء من هذه القاذورات، فإنه يحد الحد، ولا يغرب. يحد الحد، ولا يغرب. هذا من حيث الدليل. وأما من حيث التعليل، فكما تقدم من أن العبد أو الأمة ذمته مشغولة بحق سيده، فلو أنه وقع منه شيء من هذه القاذورات، فنفي عام، لكان في ذلك النفي راحة له لمدة عام، وعلى سيده أن ينفق عليه مدة ذلك العام، وقد يكون سيده محتاجًا إليه، فيحصل ضرر لذلك السيد. وقد جاءت قاعدة الشريعة بنفي ضرر، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». فاجتمع الدليل والتعليل على أن الرقيق إنما يجلد الحد وحده، كما تقدم، نصف حد الحر، ثم بعد ذلك لا يغرب. المسألة الثالثة: بما يثبت الزنا؟ أي يثبت حكم الزنا، وأن الإنسان وقع في الزنا. قالوا: لإقامة حد الزنا، لا بد من إثبات وقوعه، ولا يثبت وقوعه إلا بأحد أمرين: الأمر الأول أن يقر به الزاني أربع مرات، ولو في مجالس متعددة. فقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم باعتراف ماعز والغامدية. وأما يعني أخذ باعتراف، فدل على ماذا؟ أخذ باعترافه ما، فدل على أن من البينات الإقرار. وكما يقول علماء رحمهم الله تعالى: بأن من أقوى البينات الإقرار، أقوى البينات الإقرار، لماذا؟ أن الإنسان هو شاهد على نفسه، يشهد على نفسه بنفسه، فهو أقوى البينات، بخلاف ما إذا شهد عليه شاهدان مثلا في غير زنا، أو أربع شهود في الزنا، هي شهادة معتبرة، لكن الإقرار يقول: هي أقوى. هو أقوى، لماذا؟ لأن الإنسان لا يشهد على نفسه بشيء يترتب عليه عقوبة شديدة، إلا وهو قد وقع منه ما وقع، إلا وهو قد ندم وانكسر بسبب ما حصل منه. فالإقرار هو من أقوى البينات، بل هو أقوى البينات. وأما اشتراط الأربع، فلأن ماعزًا اعترف عند النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فرده، فلما اعترف الرابعة، أقام عليه الحد. وهذا الأمر محل خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، بمعنى هل يشترط في الإقرار التكرار أربع مرات؟ أم لا يشترط؟ من أهل العلم من قال بذلك، ومنهم من قال بالآخر، بمعنى منهم من قال: يشترط أربع شهادات، واستدل على ذلك بفعل ماعز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه أعرض عنه في الأولى، في الثانية، في الثالثة، لما كان في الرابعة، حقق معه النبي صلى الله عليه وسلم القول. فلما علم أنه وقع بالزنا الصريح الواضح، وأخبر أو سأله: هل محصن؟ فقال: نعم، أمر برجمه. فاستدل الجمهور على ذلك بأنه يشترط التكرار في الإقرار. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه لا يشترط في الإقرار أن يكرر أربع مرات، قال: لأن الإقرار الواحدة والأربع سواء، لأن الرجل هو الذي يشهد على نفسه، فلا يحتاج إلى تكرار، ولا إلى تقرير التقرير أربع مرات. لأنه لو شهد على نفسه بأنه سرق، لا يحتاج إلى التكرار، لو شهد على نفسه أنه شرب الخمر، أنه قتل، يقام عليه الحد أو القصاص بذلك الإقرار، ولا يشترط فيه ماذا؟ ولا يشترط فيه التكرار. قال: وما جاء في حديث ماعز، إنما هو موافق، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض عنه لأجل أن يستر نفسه. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويعرض له لأجل أن يستر نفسه، لا لأنه أراد أن يقرره أربع مرات، أو قال: قل مرة ثانية، مرة ثالثة، مرة رابعة إلى غير ذلك. فقال: يكتفى بذلك بالأربع مرات. وهذا القول من حيث التعليل والمعنى قول قوي، ولكن القول الأول أقوى، ولا سيما وأنه جاء في بعض ألفاظ الحديث، كما في صحيح مسلم، أنه لما شهد الرابعة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما وإنك أقررت أربعًا»، أما وإنك قد أقررت أربعًا. قال حينها النبي صلى الله عليه وسلم: استفصل منه، ثم قال: «أرجموه»، أشهد أما وإنك وقد أقررت أربعًا. ففيه على ظاهر هذا الحديث معنى ما ذهب إليه القائلون باشتراط التكرار أربع مرات في الإقرار. والله تعالى أعلى وأعلم. قد يقول قائل: فكيف تقولون في قصة الغامدية؟ الغامدية ليس فيها أنها كررت، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، طهرني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «استغفر الله وتوب»، أو كما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: أتريد أن تردني كما رددت ماعزًا؟ إني حبلى من الزنا، قال: علماء رحمهم الله تعالى: اكتفى نبينا صلى الله عليه وسلم بإقرارها مرة واحدة، لأنها أكدت ذلك الإقرار بأن حبلى من الزنا، وهي قرينة تدل على إقرارها. قال: ولابد أن يصرح في إقراره بحقيقة الزنا والوضع، لإحتمال أنه أراد غير الزنا من الاستمتاع الذي لا يجب حدًا. وأبواب الحدود لا بد فيها من ماذا؟ من التحري. يعني إذا جاء إنسان فقال: وقعت على امرأة، لا يقول الحاكم: قل هذا أربع مرات، قال: أربع مرات، يقول: ارجمه، لا، ماذا تقصد بوقعت عليها؟ يستفصل معه حتى يدقق في الأمر الذي يستوجب الحد. فإن كان أمر الحاكم حينها بما عليه الحد، وإلا نظر. قال: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لماعز حين أقر عنده: «لعلّك قبلت أو غمزت؟» قال: لا، يعني كرر عليه: «لعلّك لعلّك لعلّك»، وهو يقول: لا، لا، لا. وكرر معه الاستيضاح عدة مرات، حتى زال كل احتمال. قال: ولابد أن يثبت على إقراره حتى إقامة الحد، ولا يرجع عنه. فقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا مرة بعد مرة، لعله يرجع عن إقراره. ولأن ماعزًا لما هرب أثناء رجمه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لا تركتموه؟» وهذا مما ذكر في المسألة من أن ما كان من حد الإقرار، يعني ما كان من إقرار، فهل لمن أقر بالحد أن يتراجع؟ هل لمن أقر بالحد أن يتراجع عن إقراره؟ قال علماء رحمه الله تعالى: ذكر العلماء رحمه الله تعالى في المسألة قولين: منهم من قال: ليس له ذلك. ومنهم من قال: له ذلك. والصحيح أن له ذلك، لعموم ما جاء، يعني في المعنى، جاء مرفوعًا وموقوفًا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ادرأوا الحدود بالشبهات». فما دام أنه شبه، هناك شبه احتمال وقوع، احتمال، فلا يقام الحد مع ماذا؟ مع الاحتمال. ولا سيما أن البينة هي الإقرار، فما دام أنه كذب نفسه، قال: كذبت على نفسي، ما وقع مني شيء من ذلك، قالوا: تنتفي وتسقط البينة، كما أن الشهود لو جاء شاهدان أو أربع شهود، فقالوا: نحن رأينا فلانًا وقع في الزنا، قبل إقامة الزنا، قال: كلهم أو بعضهم: كذبنا عليه، هل يقام عليه الحد؟ أم لا يقام عليه الحد؟ الجواب: ماذا؟ لا يقام عليه الحد، لماذا؟ لسقوط البينة. قالوا: فكذلك لو أقر على نفسه بالحد، ثم نفى ذلك، نفى ذلك، قال: ما حصل مني هذا، أنا كذبت على نفسي، أنا قلت في ساعتي غضب، في ساعتي إنسان لا يعي ما يقول، أو ما شابه ذلك، كذبت على نفسي، أنا لا أقر الآن بما ذكرت، هل يقام عليه الحد؟ الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يقام عليه الحد، لماذا؟ لما تقدم ذكره. وكذلك لما جاء في بعض روايات قصة ماعز، كما في صحيح مسلم، أنه لما شعر بحر الرمي أو الرجم، فرأ، فأدركه رجل فضربه في لحي جمل، فمات، فلما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «هل لا تركتموه؟» فاستدل به العلماء رحمهم الله وتعالى على هذا المعنى، على أنه إذا رجع عن إقراره قبل إقامة الحد، أنه لا يقام عليه الحد. الأمر الثاني: أن يشهد عليه بزنا، يعني بينه، إما أن يكون بالإقرار، إقامة الحد إما بالإقرار على نفسه، وإما بماذا؟ وإما بأن يشهد عليه بزنا أربعة شهود، أن يشهد عليه بالزنا أربعة شهود، لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وقوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾. ويشترط لصحة شهادتهم عليه بالزنا شروط، بمعنى أن البينة في الزنا إما أن تكون بالإقرار، وإما أن تكون بشهادة الشهود، وسأتي معنى من شروط الشهود ماهي حتى تثبت بهم البينة. قالوا: ويشترط لصحة شهادتهم عليه بالزنا شروط: أولها أن يكون الشهود أربعة، للآيات المتقدمة، فإن كانوا أقل من أربعة لم تقبل. يشترط في حد زنا أن يكون أربعة، وكما قال العلماء رحمهم الله تعالى: يعتبر من أشد أنواع الشهادات عددًا، يشترط فيه أربعة شهود. الشرط الأول لضاهي القرآن: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، فإذا لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون. قال العلماء رحمهم الله تعالى: فإذا لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند الله هم الكاذبون، يقول: لو أن ثلاثة عدول رأوا رجلاً يزني بامرأة، ورفعوا تلك القضية إلى الحاكم، وليس معهم رابع، فإن أولئك العدول يصيرون بتلك الشهادة فساقًا. وأولئك الذين رأوهم على تلك الحال لا يقام عليهم الحد، لماذا؟ لعدم اكتمال نصاب الشهادة في الزنا. فيشترط أن يكون أربعة شهود، أن يكون شهودًا عدولاً. الشرط الثاني: أن يكون أي شهداء مكلفين، بالغين عاقلين، فلا تقبل شهادة الصبيان والمجانين، الصبيان والمجانين ليس مقبولة، والأمر في ذلك واضح، الصبي عقله ناقص، والمجنون كذلك، بل أولى. والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاثة». الأمر الثالث أو الشرط الثالث: أن يكون رجالاً عدولاً، فلا تقبل شهادة النساء في حد زنا، صيانة لهن وتكريمًا، لأن الزنا فاحشة، ولا تقبل الشهادة، لأن زنا فاحشة، فلا يعرض له النساء. مثلا لو أن رجلاً رأى هذه الفاحشة فيأتي بشهود معه من الرجال العدول، حتى يشهد على تلك الفاحشة، إذا كان هناك مرأة لا تقبل ولا تقرب من هذا الأمر، لماذا؟ لأنها فاحشة، فلا تقرب المرأة، بل تصان عن تلك الفاحشة. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن هذا الفعل هو النظر، النظر إلى فعل تلك الفاحشة لأجل الشهادة، هذا من النظر الذي أجيز للضرورة، أجيز للضرورة. لأن الأصل في النظر إلى فرج الرجل أو المرأة لا يجوز، إلا لزوجه، والزوج لزوجته، والعكس، أو ملك اليمين. أما في الزنا، فأجيز للضرورة، أجيز للضرورة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهو لا يتم إقامة الحد إلا بهذه الشهادة، فاضطر إلى النظر اضطرارًا. قال: ولا تقبل شهادة الفاسق أيضًا، لقول تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فالفاسق ليس بعدل. ومن شرط الشهادة أو الشهد أن يكون عدولاً، من اتفاق الأمر. الأمر الرابع: أن يعاين الشهود الزنا، ويصف ذلك وصفًا صريحًا، يدفع كل الاحتمالات عن إرادة غيره من الاستمتاع المحرم. فيقولون: «رأينا ذكره في فرجها كالميل في المقحلة». وإنما أبيح النظر في مثل ذلك للضرورة، ثبت عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: «لا حتى يرى منها ما يرى بمعنى أنه يرى حتى يرى الميل في المقحلة»، لا يكفي الوصف العام، بل لابد من الوصف الخاص. الأمر الخامس: أن يكون الشهود مسلمين، فلا تقبل شهادة الكافر، لعدم تحقق عدالة تقدم، إذا كان الفاسق لا يقبل، فالكافر من باب أولى. الأمر السادس: أن يشهد عليه في مجلس واحد، سواء كانوا سواء جاءوا مجتمعين أو متفرقين، المجلس نفسه. فإن اختل شرط من هذه الشروط، وجب إقامة حد القذف على الشهود جميعًا، لأنهم قذفوا، بمعنى أنهم لو قال: إنسان مثلا: أنا رأيت أربعة، كل قال: نحو رأينا، قررهم الحاكم: أنت رأيت كيف رأيت؟ يأخذهم واحدًا واحدًا، كما قال علماء: يأخذهم واحدًا واحدًا: كيف رأيت؟ قال: رأيت في مكان كذا يعمل كذا وكذا، صرح الثاني، الثالث، الرابع. قال: «رأيت، ولكن لم أرَ الميل في المقحلة»، فإذا كان كلهم قذفوا، فيترتب عليهم حكم أو حد القذف الذي سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في الدرس الآتي. وإن كلهم شهدوا بنفس الشهادة، كلهم قالوا: رأينا، ووصفوا ذلك الوصف الدقيق، فحينها يقام عليه الحد، وإن كذب، قال: ما حصل مني، يقال: البينة مقدمة، البينة مقدمة في ذلك. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على