الدرس في كتاب الحدود 17، ألقاها
الردة تحصل بارتكاب ما يجبها سواء كان جادًا أو هازلًا، وتشمل الشرك بالله وجحود أركان الإسلام وسب الله ورسوله. الردة عن الإسلام تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام مثل تحكيم القوانين الوضعية ومظاهرة المشركين.
يجب استتابة المرتد ومنعه من التصرف في ماله، وحرمانه من الغسل والصلاة والدفن مع المسلمين. يُطلب من المرتد التوبة والإقرار بالإيمان والاعتقاد بتحريم ما حرم الله.
يجب على من جحد أحكامًا شرعية أن يتوب ويؤمن بها، ويقر بالإيمان والاعتقاد بتحريم ما حرم الله. هذا يمثل الخطوة الصحيحة للتوبة والعودة إلى الطريق الصحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. المسألة الثانية من الباب الثامن في الردة من كتاب الحدود، الأمور التي تحصر بها الردة، أي ما هي الأمور التي إذا وقعت من المسلمين يصير بها مرتدًا؟ والردة تحصل بارتكاب ما يجبها جدًا أو هزلًا أو استهزاءً. الجد هو ضد الهزل، والهزل كذلك ضد الجد، والاستهزاء وهو بمعنى التنقص والإزراء والاستهانة، فالردة تحصل بارتكاب ما يوجبها، سواء كان فاعل ذلك جادًا أو كان هازلًا أو كان مستهزئًا، إذا فعل ما يوجب الردة فإنه يكون بذلك مرتدًا. كالشرك بالله بجميع أنواعه، أي من ارتكب الشرك بالله جل وعلا بجميع أنواعه فإنه يكون مرتدًا. والمقصود بالشرك ها هنا الذي يخرج من الملة هو الشرك الأكبر؛ لأن الشرك والكفر والنفاق والظلم والفسق عند أهل السنة والجماعة على قسمين: أكبر وأصغر، والمخرج من الملة منه هو الأكبر. فإذن قولهم: كالشرك بالله بجميع أنواعه، أي بجميع أنواعه التي هي من الشرك الأكبر، كالسجود لغير الله، كالاستغاثة بغير الله، كالذبح لغير الله، كالنذر لغير الله، كاعتقاد أن غير الله جل وعلا ينفع ويضر نفعًا مطلقًا وضرا مطلقًا، كاعتقاد أن مع الله جل وعلا خالقًا آخر إلهًا آخر، كل ذلك من الشرك بالله جل وعلا. وكاعتقاد كذلك أن الله جل وعلا له شفعاء ووسطاء كما هو شرك الجاهليين، كل هذا من أنواع الشرك بالله جل وعلا من الشرك الأكبر، وهو ردة، بل هو أعظم الظلم وأعظم الذنب. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، وقال الله جل وعلا عن لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهُ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. فالشرك بالله جل وعلا هو أن يجعل مع الله جل وعلا غيره، أن يشرك مع الله جل وعلا غيره بشيء مما هو من خصائص الله جل وعلا وحقوق الله جل وعلا. هذا باعتبار الشرك عمومًا، ثم يتفرع عليه كما هو معلوم عند أهل السنة والجماعة أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فأي ذلك فعل فقد أشرك بالله جل وعلا، وكان مرتدًا بذلك. الفعل الثاني أو قال: كالشرك بالله بجميع أنواعه، وجحود الصلاة وغيرها من أركان الإسلام. نعم، وجحود الصلاة بمعنى أن من جحد وجوب الصلاة، قال: لا تجب علي، مع علمه بوجوبها؛ لأن وجوب الصلاة وجميع أركان الإسلام هي من الأمور المعلومة عند الناس ضرورة، فلا يسع جهلها، لذا عبر بالجحود الذي هو الإنكار عن معرفة. فمن جحد شيئًا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، جحد وجوبها إن كانت واجبة، أو جحد تحريمها إن كانت محرمة -يعني كتحريم الربا والزنا والسرقة والخمر- جحد تحريم هذه الأشياء المعلومة بالدين بالضرورة بأنها محرمة، أو جحد شيئًا من الأشياء المعلومة بالدين ضرورةً بأنها واجبة، هذا كذلك يكون كافرًا مرتدًا بإجماع، لا خلاف بين العلماء في ذلك. وقولهم: وجحود الصلاة وغيرها من أركان الإسلام، هذا على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، وإلا فالأمر كما تقدم: من جحد شيئًا من الأمور المعلومة ضرورةً، جحد وجوب ما هو واجب، أو جحد تحريمًا فإنه يكون كافرًا مرتدًا. وسب الله ورسوله، وجحود القرآن الكريم كله أو بعضه، هذا كذلك من الردة. سب الله جل وعلا والعياذ بالله، أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الملائكة، أو شيئًا من أمور الإيمان، فإنه كذلك يكون مرتدًا. وكذلك جحود القرآن الكريم، أن يخرج عليه وسلم كغلات صوفية، وكذا كغلات رافضة، هذه كذلك من الردة. وكذلك من ظاهر المشركين وأعانهم، من ظاهر المشركين وأعانهم على المسلمين. ظاهر من الظهور، أي الإعانة، فالمظاهر بمعنى الإعانة للمشركين، تقويةً لشوكة المشركين على المسلمين، ونصرةً للمشركين على المسلمين، فهذا كذلك من الكفر بالله جل وعلا، ومن الردة كذلك. لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، فهذه الموالاة الكبرى، أن يتولاهم بمعنى أن يظاهرهم ويناصرهم ويؤازرهم على أهل الإسلام، على إطفاء نور الإسلام، على إضعاف الإسلام وإخماده، على أن تعلو راية الشرك بالله جل وعلا، كل هذا ناقض من نواقض الإيمان، وصاحبه يكون مشركًا. وسواء كانت هذه المظاهرة للمشركين سواء كانت بالقول أو كانت بالفعل، بالقول كان يناصرهم إعلامًا، نصيحةً، توجيهًا، تفكيرًا وتدبيرًا، هذه مناصرة بالقول، أو مناصرة بالرأي كما تقدم بالتدبير والرأي، أو مناصرة بالفعل أن يقاتل المسلمين ويظاهر معهم على المسلمين، فهذه ردة والعياذ بالله. والموالاة كما هو معلوم على قسمين عند أهل السنة والجماعة: موالاة كبرى وهي الردة، وموالاة صغرى وهي كبيرة من الكبائر. الموالاة الصغرى بأن لا يناصرهم ولا يظاهرهم ولا يحبهم ولا يتمنى نصرتهم على الإسلام، ولا كذلك يعاونهم بما فيه إضعاف الإسلام وأهله، لكن أن يكون منه شيء من الإكرام لهم، أن يكون منه شيء من الإكرام لهم لأجل عرض من الدنيا، كأن يرفع له القلم إذا سقط منه، أو جح له الباب إذا أراد أن يدخل، وما شابه ذلك من الأفعال، فهذه موالاة صغرى وهي كبيرة من الكبائر. لكن ليست بردة، الردة هو ما تقدم: الردة هو ما تقدم بأن يناصرهم ويظاهرهم ويعاونهم على الإسلام وأهله. ولا فرق في ذلك بين أن يكون في باطن أمره محبًا لهم أو مبغضًا لهم. يعني لو أنه كان في الباطن والظاهر مناصرًا لهم هذا كافر مرتد لا شك فيه، أو كان في الظاهر والباطن مبغضًا لهم -يعني إذا كان في الظاهر والباطن محبًا لهم معظمًا لهم مناصرًا لهم- هذا كافر لا شك فيه. وأما إذا كان في الظاهر والباطن مبغضًا لهم مظهرًا لهم العداء، فهذا مؤمن لا شك في إيمانه. الحالة الثالثة: أن يظهر لهم أن يظهر لهم الإجلال والتعظيم في باطن أمره يبغضهم، هذا إذا كان ذلك الأمر صدر منه من غير مؤازرة ومناصرة ومظاهرة على الإسلام وأهله، فهو فيه كبيرة كما تقدم. وأما إن اقترن به المناصر لهم بالقول أو الفعل، أو تحسين دينهم، أو تنقص دين الإسلام، مع أنه في الباطن يقول: أنا أبغضهم، فهذا كذلك ردة والعياذ بالله. لماذا؟ لأنه حسن لهم دينهم وصوابهم، وهذا كفر بحد ذاته. وكذلك من ظاهر المشركين وعانهم على المسلمين، وغير ذلك من أنواع الردة التي تحصل بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام الكثيرة. وقد مضى الكلام على نواقض الإسلام في بعض دروسنا في التوحيد في نواقض الإسلام بأوسع من هذا، ولكن هذه كما يقال إشارات. ومن ذلك تحكيم القوانين الوضعية ممن يرى أنها أصلح مما جاءت به الشريعة الإسلامية، أو أنها مساوية لها، كذلك تحكيم القوانين البشر الوضعية، أي التي وضعها البشر. فتحكيم القوانين الوضعية من هذا يدخل في مسألة التحاكم بغير حكم الله جل وعلا، وهذا الأمر يرجع إلى المسألة الأصلية وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله: هل هو كفر أكبر أم أصغر؟ الذي عليه السلف قاطبةً أنه كفر دون كفر، كما ثبت ذلك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: بأنه كفر دون كفر، بإسناد صحيح عنه، وهو الذي عليه كذلك تفسير، بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى اتفاق السلف على ذلك، فهو إذن كفر دون كفر، فهو كبيرة من الكبائر، وهو من جملة الذنوب والمعاصي. لكن ينظر إلى المحكم لغير حكم الله جل وعلا، محكم القوانين، محكم الأعراف القبلية، العادات على حكم الله جل وعلا، إذا كان حكمها وهو في قرارة نفسه أن حكم الله جل وعلا أولى وأفضل، ولكنه حكمها إما لشهوة وإما لهوى وإما لخوف ضعف، فهذا يكون مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب، وليس بكافر. لكن من حكمها معتقدًا أنها يجوز الحكم بها كحكم الله جل وعلا، أو أفضل من حكم الله جل وعلا، أو أن الحكم بها في هذه من حكم بحكم الله جل وعلا، أو ما شابهها ذلك من المعاني التي فيها معاني الاستحلال لهذه المعصية، فإنه يكون كفرًا أكبر. وها هنا تنبيه وقاعدة عامة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب، وهي أن أهل السنة والجماعة لا يحكمون على المعين بأنه كافر مرتد إلا بشرطين: الأمر الأول أن يكون ما صدر منه من قول أو من فعل أو من اعتقاد أو ما شابه ذلك قد دل الدليل من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه كفر وردة. كما تقدم من أمثلة: كالشرك بالله، كسب الله ورسوله، الاستهزاء بدين الله جل وعلا، كذلك جحود ما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما جحود ما هو واجب، أو جحود ما هو محرم، أو ما شابه ذلك من الأمور المذكورة وغير المذكورة التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب الفقه المبسوطة. فالأمر الأول: أن يدل الدليل من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم على أن ذلك كفر؛ لأن الكفر والحكم بالكفر من الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية مستندها الكتاب والسنة؛ لأن حكم الله جل وعلا، وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم يأخذ من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا نكفر إلا ما كفره الله، فلا نكفر إلا من كفره الله جل وعلا أو كفره رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هذا هو الشرط الأول. الشرط الثاني: أننا ننظر في المعين إذا وقع منهم ما تقدم ذكره، أي وقع منهم ما هو كفر وردة بالدليل الشرعي، فإننا لا نقدم على تكفيره حتى تستوفي الشروط وتنتفي الموانع، كما بسطها العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم، ونوه بها كثيرًا الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه، وغيره من الأئمة رحمهم الله. وعلى هذا فإنه يمكن حصر الأمور التي تحصل بها الردة فيما يلي: أولًا: القول، كمن سب الله تعالى أو رسوله أو الملائكة، أو ادعى النبوة، أو ادعى علم الغيب، وكذلك الشرك بالله تعالى، هذا بالقول. يعني له أن إنسانًا تلفظ بهذا اللفظ: سب الله تبارك وتعالى أو رسوله أو الملائكة والعياذ بالله، أو ادعى النبوة أو ادعى علم الغيب، مثلا قال: أنا أعلم ما يكون غدًا، أنا أعلم بأي أرض أموت، وما شابه ذلك من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله جل وعلا. وكذا إذا أشرك بالله جل وعلا بأي شيء، بأي نوع من أنواع الشرك الأكبر، كما تقدم ذكره، فإنه يكون كافرًا مرتدًا. الأمر الثاني: الفعل، كالسجود للصنم والقبر ونحو ذلك، أو إلقاء المصحف، أو تعمد امتهانه، أو مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، وغير ذلك، هذا كذلك كفر وردة، وهو بالفعل، وقد تقدم ذلك أيضًا. الأمر الثالث: الاعتقاد، مثل اعتقاد الشريك لله تعالى، أو صاحبة أو الولد، أو اعتقاد حل الزنا أو الخمر، أو اعتقادي أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، هذا كذلك كفر وردة، وهو من الكفر الاعتقادي. الأمر الرابع: الشك، أن تكون الردة بسبب الشك، كان يشك في حرمة ما أجمع على حله، أو حل ما أجمع على حرمته. يعني مثلا: أكل الطيبات حلال، حلال مجمع عليها، لا خلاف، الطيبات مثل أكل الفاكهة، الخضروات، الحبوب، وما شابه ذلك، يأتي إنسان يشك: والله أعلم قد تكون حلالًا وقد تكون حرامًا، ومعلومة بالضرورة أن هذه الأشياء حلال. والعكس بالعكس: يشك في شيء حرمه الله جل وعلا، يأتي عند الخمر يقول: ما أعرف، قل حرام، الزنا يقول: ما أعرف، قل حرام، الله أعلم قد يكون حرامًا وقد يكون حلالًا، الربا يقول: ما أعرف، قل حرام، الله أعلم قد يكون حرامًا وقد يكون حلالًا، هذا شاك في شيء حرمه الله جل وعلا، وقد علم حرمته ضرورة، والعكس بالعكس. ومثل لا يجهله لكونه نشأ بين المسلمين، أي هذا الشيء لا يجهله مثل ذلك الشاك؛ لأنه نشأ في بيئة العلم عنده، أو فيها ظاهر. ويستثنى من ذلك ما كان أو من كان نشأ في بيئة لا يعلم مثل ذلك أو مثل تلك الأحكام، فإنه يعذر بجاهله، ويعلم، فإن علم ورجع فالحمد لله، وإن أصر كفر بعد العلم. وكذلك من الشك: معنى أن يشك في وجود الله جل وعلا، أو أن يشك في قدرة الله جل وعلا، أو في إحاطة علم الله جل وعلا، أو في استحقاق الله جل وعلا للعبادة وحده، أو في وجود الملائكة، أو الجنة والنار، أو ما أخبر الله جل وعلا به في كتابه -يعني يجد آية أخبر الله جل وعلا مثلا عن قوم نوح- قل: الله أعلم قد يكونون موجودين وقد يكونون غير موجودين، الله أعلم، أو يقول: ماذا يقول له الله عز وجل يقول كذا وكذا في كتابه، يقول: أنا متوقف، أنا أشك في هذا الخبر. يعني الشك كذلك في خبر الله جل وعلا، وفي خبر رسوله صلى الله عليه وسلم الثابت عنده، فإنه كذلك كفر وردة، وهو من الكفر بالشك. فأهل السنة والجماعة عندهم أن الكفر قد يكون بالفعل، قد يكون بالقول، قد يكون بالاعتقاد، وقد يكون كذلك بالشك، خلافًا للمرجئة وغلاتهم من الجهمية الذين يقولون: لا يكون الكفر إلا بالجحود. المسألة الثالثة: الأحكام المتعلقة بالردة. الحكم الأول: المكره، إذا نطق بما يوجب ردته بما يوجب ردته بسبب الإكراه، فإنه لا يحكم بارتداده، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. لكن كما تقدم معنا في الدرس الماضي أن العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون ردة على قسمين: ردة ملجئة، التي وصل صاحبها معها إلى حد الاضطرار، يعني كأن يتحقق أو يغلب على ظنه أن لا يدفع عنه الشر أو الضر إلا بقول أو فعل ما طلب منه، فهذا إكراه ملجئ. لكن كما ذكر: له أن يقول كلمة الكفر أو أن يعمل ما ظاهره الكفر مكرهًا، وأن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، لا بد من هذين الشرطين: الأول أن يكون إكراهًا معتبرًا ملجئًا، والأمر الثاني أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان. أما إذا كان الإكراه ليس ملجئًا، إنما هو مجرد تهديد وتخويف، أو تهديد بالحبس فقط، ليس فيه تهديد بالقتل أو قطع بعض الأعضاء أو ما شابه ذلك، فلا يجوز له أن يقول كلمة الكفر، فإن قال كفر. إذن لا بد في الإكراه أن يكون إكراهًا معتبرًا شرعًا، وهو ما يسميه الفقهاء بالإكراه الملجئ. الأمر الثاني أو الحكم الثاني: المرتدي يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل. وقتله للإمام أو نائبه، كما مضى بيان ذلك. وهذا كما تقدم من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من يرى أن ذلك واجب الاستتابة، ومنهم من يرى أنها ليست بواجبة. ثم من رأى بأنها واجبة اختلف قولهم: هل لهذه الاستتابة مدة معينة أم ليست لها مدة معينة؟ ومن حيث الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم: ليس هناك دليل فيما نعلم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه استتاب فترة معينة. لكن وجدت آثار عن السلف عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، آثار جاءت عن عمر، عن معاذ بن جبل، عن أبي موسى الأشعري، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وأرضاهم، وهي مختلفة فيها شيء من الاختلاف. فبعضهم رأى الثلاثة أيام كما ذكر في أثر عمر السابق الذي رواه مالك في الموطأ وغير ذلك. وبعضهم ضعف الأثر، وبعضهم رأى أن يستتاب فترة مثلها، يراجع فيها نفسه، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. وهذا المعنى من غير التحديد أيضًا ثابت عن عمر، وكذلك جاء عن أبي موسى هذا المعنى. فالأظهر والله أعلم بأنه يستتاب، ومسألة المدة الأظهر والله أعلم لعدم وجود دليل واضح، والآثار مختلفة عن الصحابة تدل على أن ذلك الأمر يرجع إلى اجتهاد الحاكم. فالحاكم يحبسه إن رأى يومًا، يومين، ثلاثة، أسبوعًا، على ما يرى الحاكم، فإن أبى وأصر على كفره قتل بعد ذلك. الأمر الثالث: المرتد يمنع من التصرف في ماله، فإن أسلم مكن من التصرف فيه، وإن مات على ردته أو قتل مرتدًا فماله فيء لبيت مال المسلمين؛ لأنه لا وارث له؛ لأن المسلم لا يرث الكافر، ولا يرث أحد من الكفار؛ لأنه لا يقر على ردته. وهذه من الأحكام المختصة بالمرتدين المخالفة لغيرهم من الكفار، فالكفار على اختلاف مللهم يتوارثون. والمرتد لو رجع عن الإسلام ثم اعتنق اليهودية ومات وله أولاد يهود، فإنهم لا يرثون منه؛ لأن ماله فيء لبيت مال المسلمين، ولأنه لا يقر على أي دين سوى دين الإسلام، لا يقر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتله». ومنه يعلم بطلان ما ينادي به بعض الزنادقة والمنافقون والكفرة الأصليون من حرية الأديان؛ ما هناك شيء اسمه حرية الأديان في الإسلام، الإسلام دين واحد لا يقبل أن يدخل إنسان فيه اليوم ويخرج منه غدًا؛ لأنه دين الله جل وعلا الذي لا يقبل الله جل وعلا دينًا سواه. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فدين الإسلام هو الدين المقيم، فيجب على كل أهل الأرض أن يدخل في هذا الدين، ومن لم يدخله بعد أن بلغته دعوة الإسلام فإنه يموت كافرًا، ولو كان يزعم بأنه على دين يهود، على دين نصارى، فإنه يموت كافرًا. فالحاصل بأن المرتد يمنع من التصرف في ماله؛ لأنه بمجرد أن يرتد ماله يكون فيئًا لبيت مال المسلمين، فيوقف المال: إما أن تتوب، وإما أن تضرب عنقك -يعني تضرب عنقه- ويصير ماله فيئًا لبيت مال المسلمين، وإما أن يتوب ويرجع ويعطى ماله. فمعنى هذا أن ماله ما دام حيًا يوقف، لا يتحكم فيه، ويستتاب، فإن تاب رد إليه ماله، وإن أبى قتل وضربت عنقه. الأمر الرابع: المرتد لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين إذا قتل على ردة؛ لأنه كافر، ليس بمسلم، وإنما هذه الأحكام -الغسل والصلاة والدفن في مقابر المسلمين- أحكام خاصة بأهل الإسلام. الأمر الخامس: تحصل توبة المرتد بإتيانه بالشهادتين. نحن عندنا بدون بأ، والصلاة أن يقال: بالشهادتين. تحصل توبة المرتد بإتيانه بالشهادتين؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». ومن كانت ردته بسبب جحود شيء من أمور الدين، فتوبته إلى جانب الإتيان بالشهادتين: إقراره بما جحد وأنكر، ورجوعه عما كفر به. وهذا هو الصواب والأحوط: بأن من كفر وارتد -مثلا كفر بأن جحد- مثلا جحد وجوب الصلاة، فيقال له عند الاستتابة: يقول: تبت إلى الله عز وجل، يقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، بعد أن يقولها يقول له: قل: بأني أؤمن بأن الصلاة واجبة. إذا كان جاحدًا للصلاة، وإذا كان جاحدًا مثلا لتحريم الخمر، يقول له: قل: آمنت واعتقدت بأن الخمر حرام حرمها الله، وما شابه ذلك من الأمور التي جحدها. هذا هو الصحيح. وبهذا نكون انتهينا من كتاب الحدود من كتاب الفقه الميسر، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.