كتاب الصلاة 40

الدرس في كتاب الصلاة 40، ألقاها

حكم اتباع الجنازة وتشيعها

يُسنّ اتباع الجنازة وتشيعها إلى القبر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه فضيلة عظيمة وأجر كبير لمن اتبعها. وهي من فروض الكفاية.

أحكام حمل الجنازة ودفن الميت

يجوز حمل الجنازة بمركوب إذا كانت المقبرة بعيدة، ويشترط المشاركة في الحمل بسكينة واعتبار. يسن دفن الميت في مقبرة خاصة والإسراع بالجنازة في غسلها وتكفينها والصلاة عليها ودفنها.

مشروعية الإسراع في حمل الجنازة وآدابها

الإسراع بالجنازة دون الخبب هو الأفضل، ويستدل بفعل أبي بكر رضي الله عنه. يجب السكينة وعدم رفع الصوت أثناء حمل الجنازة، ورفع الصوت بدعة مخالفة للسنة.

حكم خروج النساء مع الجنازة

لا يجوز للنساء الخروج مع الجنازة لحديث أم عطية، وتشيع الجنازة خاص بالرجال ويكره للمشيع الجلوس حتى توضع على الأرض.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض أحكام الجنائز، وتوقفنا في الدرس الماضي عند المسألة السادسة، قد قرأناها وتوقفنا عند المسألة السابعة. المسألة السابعة: حمل الجنازة والسير بها، قالوا: يسن اتباع الجنازة وتشيعها إلى القبر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين». والحديث كما تقدم معنا متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه فضيلة عظيمة وأجر كبير فيمن اتبع الجنازة. وقد جاء في صحيح مسلم أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه لما حدث بهذا الحديث وسمعه منه ابن عمر رضي الله عنهم جميعاً، قال ابن عمر لأبي هريرة: يا أبا هريرة، اعلم ما تقول، فأخذه أبو هريرة إلى عائشة رضي الله عنهم جميعاً، فقال لها: أنشدتك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها» إلى آخر الحديث، فقالت: نعم. وجاء في رواية أخرى أن ابن عمر لما بلغه ذلك وثبت عنده ذلك، كان في يدي حصيات فرماها، وقال: كم من قراريط ضيعناها، كم من قراريط ضيعناها؟ أي من أجور؛ لأنه رضي الله عنه أرضاً لم يكن يعلم بهذا الحديث، فأشاهد من هذا أن فيه حثاً عظيماً وثواباً كبيراً لمن اتبع الجنازة، على ما تقدم تفصيله في الدرس السابق. قال: وينبغي للمسلم إذا علم بوفاة أحد من المسلمين أن يخرج لحمل جنازته والصلاة عليه ودفنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز». والحديث متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: ويتأكد ذلك إذا لم يخرج أحد في جنازته، بمعنى أن الجنازة إذا لم يتبعها أحد قد يتأكد الخروج، بل قد يتحتم؛ لأن حمل الجنازة والصلاة عليها وقبل ذلك تجهيزها من فروض الكفاية، إن قام بها البعض الذين تكفي جماعتهم للقيام به سقط الإثم عن الآخرين، فإن لم يقوموا بذلك أو قام البعض ويحتاجون إلى من يكمل القيام بذلك الواجب، فيكون الواجب كذلك متعيناً حتى يقوم به من تسقط أو يسقط به ذلك الواجب. قالوا: ويتأكد ذلك إذا لم يخرج أحد في جنازته، ولا بأس بحملها في سيارة أو على دابة، ولا سيما إذا كانت المقبرة بعيدة، وعلى المتابع لها المشاركة في الحمل، بمعنى أن الأصل أن تحمل الجنازة على الأكتاف، هذا هو الأصل أن تحمل الجنازة على الأكتاف، لكن إن كانت المقبرة بعيدة وفي حملها إلى ذلك المكان شيء من المشقة، فلا بأس حينها بحملها بمركوب؛ لأن القاعدة الفقهية عند العلماء: المشقة تجلب التيسير، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. قالوا: وعلى المتابع لها المشاركة في الحمل، أي المشاركة دون أن يكون هناك أذية أو مدافعة؛ لأن بعض الناس -أصلحهم الله- من حرصهم الشديد ربما تدافعوا في حمل الجنازة، فينبغي حملها بسكينة واعتبار ووقار، ويتداول دون أن يكون هناك شيء من الأشياء المخالفة لما تقدم ذكره. قالوا: ويشرع دفن الميت في مقبرة خاصة بالموتى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع، كما تواترت الأخبار بذلك، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، وهذا هو الأصل؛ بمعنى أن المسلمين -وهو الذي جرى عليه عمل المسلمين بحمد الله جل وعلا- أن المسلمين من زمنه صلى الله عليه وسلم وجرى على ذلك عمل المسلمين أنهم يتخذون أماكن خاصة يجعلونها مقابر. قالوا: ويسن الإسراع بالجنازة في غسلها وتكفينها والصلاة عليها ودفنها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره». ذكر في التخريج أنه رواه الطبراني وحسنه الحافظ ابن حجر رحمه الله، والصواب أن الحديث ضعيف؛ لأنه من طريق يحيى بن عبد الله البابل وهو ضعيف، وشيخه أيوب بن ناهك منكر الحديث، فالحديث ضعيف جداً، وقد ضعفه كذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتاب أحكام الجنائز، ولكن المعنى صحيح، وهو أنه يسن الإسراع بالجنازة لعمومات الأدلة في ذلك. قالوا: وما يفعله بعض الناس من تأخيرها ونقلها من مكان إلى آخر أو اختيار يوم من الأسبوع تدفن فيه، فهذا كله خلاف السنة، وهذا كما ذكر أن بعضهم ربما أخر الميت أو نقله من بلد إلى بلد لغير حاجة. قالوا: كما يسن الإسراع في المشي بها أثناء حملها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكون سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». والحديث كذلك متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. قال: لكن لا يكون إسراعاً شديداً، بل دون الخبب كما اختاره بعض العلماء، ومعنى الخبب هو نوع من العدو، ولعل من ذهب إلى هذا القول يستدل بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المشي خلف الجنازة، فقال: «ما دون الخبب»، وهذا الحديث لا يصح كذلك؛ لأنه من طريق أبي ماجد الحنفي وهو ضعيف أو قل مجهول، وقد ضعفه غير واحد من العلماء ومنهم العلامة الألباني رحمه الله. والصواب أن يسار بها سيراً نحو الرمل؛ لما ثبت أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه أدرك الناس وهم يحملون جنازة على عواتقهم وهم يمشون بها بمشي بطيء، فقال لهم رضي الله عنه وأرضاه: سِرُوا بها؛ فلقد كنا نسير بها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كدنا نرمل، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه، وهذا هو المعتبر؛ لأن قوله: «كنا» يدل على أن هذا الأمر مرفوع، والرمل كذلك نوع من المشي السريع، ولكن كما ذكر من ذكر من أهل العلم أنه ينبغي أن يراعى كذلك السرعة مع عدم رجرجة ولا هزّه للميت. لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنهم لما حملوا جنازة ميمونة خالتهم وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «هذه زوجة نبيكم، فلا تزعزعوا». وذكر كلاماً نحو هذا، فيسار بها سيراً سريعاً مع مراعاة السكينة في ذلك السير، وكذلك الاعتبار بذلك السير الذي يسير به إلى أين يقدم الجنازة، وكيف حاله غداً؟ هو اليوم حامل، غداً يكون محمولاً، فيكون معتبراً متدبراً متأملاً متخشعاً في هذه الحالة. قالوا: وعلى الحاملين لجنازة السكينة والوقار وعدم رفع الصوت لا بقراءة ولا بغيرها؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك، ومن فعله فقد خالف السنة، بل قد روى الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى بإسناد رجاله ثقات، وكذا رواه البيهقي رحمه الله عن قيس بن عبادة رضي الله عنه أنه قال: «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت في ثلاث: في أثناء حمل الجنازة، والذكر، والقتال». وهذا كما ترون فيه النهي. ومنها هنا نعلم خطأ ما يفعله كثير من الجهال أنهم إذا ساروا بالجنازة تجدهم يرفعون أصواتهم بالأذكار أو بالاستغفار وما شابه ذلك، وقد ثبت عن جماعة من السلف كالأوزاعي رحمه الله تعالى وغيره أنهم سمعوا جنازة يقال فيها: «استغفروا له، استغفروا له»، فقال: «بدعة»، فكيف إذا رأى هؤلاء -رحمهم الله تعالى- ما عليه كثير من المسلمين في هذه الأيام من رفع الأصوات والصياح وما شابه ذلك؟ قالوا: ولا يجوز للنساء الخروج مع الجنازة؛ لحديث أم عطية: «نهينا عن اتباع الجنائز». والحديث واضح وهو متفق عليه. قالوا: فحمل الجنازة وتشيعها خاص بالرجال، ويكره للمشيع الجلوس حتى توضع الجنازة على الأرض؛ لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الجلوس حتى توضع، أي إن كان من الحاملين لها أو ممن كان يسير معها، أما إن كان متقدماً عليها فرأى بعض أهل العلم أنه لا بأس أن يتقدم فيجلس. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على