الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 59، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
كان الدين في قوة وظهور في زمن الخلفاء الراشدين الأوائل، واستمر هذا حتى مقتل عثمان رضي الله عنه حيث بدأت التغيرات وظهور البدع. السلف ثبت على الحق رغم التغيرات.
مع مرور الزمن وازدياد البعد عن زمن النبوة، زاد التفرق والاختلاف، وظهرت البدع خاصة في الطبقة الرابعة بسبب أحداث مثل فتنة خلق القرآن. السلطة انتقلت من أهل السنة إلى أهل البدع.
في فتنة خلق القرآن، أصبحت السلطة بأيدي أهل البدع، وكثر الدعاة إلى الباطل، بينما كتم أهل السنة. المبتدعة قدموا آراءهم على الشرع، مما أدى إلى رفضهم لبعض أحكام الإسلام.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي وآله وصحبه، مع التأكيد على الخضوع لله تعالى والإقرار بعلمه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال إمام البربهاري رحمه الله تعالى: قال وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب، وهذا السياق كأنه يلحق بما مضى وذاك في قول مؤلف رحمه الله تعالى حين قال: واعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة»، قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، ثم قال: وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر، أي في الظهور والقوة والغلبة. قال: وهكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب، وهكذا كان في زمن عثمان، فلما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه جاء الاختلاف والبدع، وصار الناس أحزابا وصاروا فرقا، فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغير وقال به وعمل به ودعا الناس إليه. في هذه الفقرة ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الواقع الذي كان في زمن السلف الصالح إلى ما بلغ إليه التغير في تلك الفترات التي سيأتي بيانها في الفقرة القادمة. بيّن المؤلف رحمه الله تعالى أولا أن الدين كان في ظهور وكان على انتشار وذلك في زمن الصديق رضي الله تعالى عنه، وهكذا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، ثم هكذا كان في زمن عثمان رضي الله تعالى عنهم جميعا. هذا فيه بيان إخواني في الله على أن السنة كانت منتشرة في تلك الأزمان، كانت مشتهرة في تلكم الأزمان، وإنما صار التغير بعد مقتل عثمان، صار التغير وظهور الفرق والأحزاب كان ذلك بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه. ويؤيد هذا المعنى ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حيث استقرأ هذه المراحل بقوله كما ذكر ذلك في منهاج السنة. قال رحمه الله تعالى: فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والاختلاف، ولهذا لم يحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل وتفرق الناس حدثت بدعتان متقابلتان، فكانت بدعة الخوارج وبدعة الرافضة. هذا الكلام إخواني في الله من تأمل فيه يرى كيف أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى استقرأ الأحوال فبين أن العهد كلما تأخر عن زمن النبوة كلما ظهر فيه التفرق والاختلاف، وأن منشأ الاختلاف وأصبح للأهواء والبدعة راية ولهم كيان كان ذلك بعد مقتل عثمان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فكان الأمر مستقيما حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان، انقلب الزمان وتغير الناس جدا، وفشت البدع وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة. انتقل المؤلف رحمه الله تعالى الآن إلى ما هو أعظم من ذلك، وهو أن التغير الأعظم كان في الطبقة الرابعة. بإمكان أن نقسم الطبقات: الطبقة الأولى في عهد الصحابة، الطبقة الثانية في عهد التابعين، الطبقة الثالثة في عهد أتباع التابعين. هذه الطبقات الثلاث من تأملها يرى أن السلطة والهيمنة كانت بأيدي السنة، كانت بأيدي أهل السنة، نعم قد وقع التفرق، ظهرت الفرق، ظهرت البدع، لكن لمن الغلبة؟ لمن السلطة؟ لأهل السنة. قال: فكان الأمر مستقيما حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان، انقلب الزمان وتغير الناس جدا، ومكمن هذا التغير وذلك في حادثة خلق القرآن. بعض العلماء من أصحاب الرصد وأصحاب العدد ذكر أن القرون المفضلة أو القرون الثلاثة يعني كانت نهايتها إلى سنة مئتين وعشرة، وأن فتنة خلق القرآن وقعت في عام مئتين واثنى عشر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فكان الأمر مستقيما حتى كانت الطبقة الرابعة في خلافة بني فلان، انقلب الزمان وتغير الناس جدا، وفشت البدع وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة. في فتنة خلق القرآن ولما أصبحت السلطة انقلبت، كانت السلطة بيد أهل السنة في هذا الزمان في القرن الأول والثاني والثالث، الطبقات الثلاث كانت السلطة بالجملة بأيدي أهل السنة والجماعة. قال: وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة، ووقعت المحن في كل شيء لم يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، ودعوا إلى الفرقة، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفرقة، وكفَّر بعضهم بعضا، وكل داع إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه. فضل الجهال والرعاع ومن لا علم له، وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا وخوفوهم عقاب الدنيا، فأتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم. هذا الذي يذكر المؤلف رحمه الله تعالى عبارة عن وصف عام وعن تقييم إجمالي لما وقع للناس في أيام هذه الفتنة. قال: فصارت السنة وأهلها مكتومين، وظهرت البدع وفشت، وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى، ووضعوا القياس. قصد المؤلف رحمه الله تعالى هنا من القياس أي القياس الفاسد. قال: وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم، وهذا من أعظم أنواع الضلال. أن المبتدعة جعلوا ما جعلوا أهواءهم وآراءهم ميزانا للشرع، لا عكسوا، وإنما جعلوا الشرع في عقولهم وآرائهم، فما قبل الرأي وما دخل العقل قبلوه، وما لا فردوه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينا خطورة هذا المذهب وهذا المسلك: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال وتقديم ذلك عليها هو فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر. مجمع الكفر في هذه المسألة أن تقدم آراء الرجال ويعارض بها أقوال الأنبياء والرسل. فهذا بلية مشتركة في جميع المبتدع وأهل أهواء قديما وحديثا، أن يقدموا عقولهم وآراءهم وآراء رجالهم ورجالاتهم على كلام الشرع على كلام الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: فما وافق عقولهم قبلوه، وما لا يوافق عقولهم ردوه، فصار الإسلام غريبا وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم. نسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.