شرح كتاب لم الدر المنثور 40

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 40، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

فضل التمسك بالسنة والقرآن عند المرض والموت

يسرد المقطع قصص السلف الصالح مثل إبراهيم الرمادي وأبي زرعة الرازي موضحين كيف كان التمسك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم سبباً للطمأنينة عند المرض وحسن الخاتمة عند الموت. ويختتم بنقل قول الإمام البربهاري محذراً من الاكتفاء بكثرة الرواية دون العمل، مؤكداً أن العالم الحقيقي هو من اتبع الكتاب والسنة.

فضل طلب العلم والعمل بالسنة على نوافل العبادات

يبيّن المقطع أن العالم الحقيقي هو من يعمل بالعلم والسنة لا من كثرت روايته، وأن المبتدع هو من خالف الكتاب والسنة عمداً. كما يوضح فضل طلب العلم وكتابة الحديث على نوافل العبادات لأن العلم ينفع صاحبه وغيره ويمنع التقليد الأعمى.

أهمية تعلم السنة ونشرها لمواجهة البدع واندراس السنن

يؤكد المقطع على اندراس السنن وظهور البدع عبر التاريخ، مستشهداً بانتشار التصوف في حضرموت بسبب تقصير الحكام والعلماء. ويوضح أن تعلم السنة وفهمها واجب على أهل السنة لرد شبهات المبتدعين بالعلم لا بالجدال.

خاتمة المجلس وكفارة الجلوس

يختتم المتحدث المجلس بالدعاء المأثور المعروف بكفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك. طمعاً في مغفرة ما وقع فيه من لغو أو سهو أثناء الجلسة.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فأخذنا في كلمة «در المنثور» في باب الرفعة والنجاة في تعلم السنة وطلب الحديث، آثاراً كثيرة في رفعة من تعلم كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك نجاته يوم القيامة بسبب تمسكه بالسنة. قال المعلم حفظه الله: قال محمد بن مخلد رحمه الله: كان الرمادي إذا اشتكى شيئاً قال: «هاتوا أصحاب الحديث»، فإذا حضروا عنده قال: «اقرأوا عليّ الحديث». وهذا من باب الاستئناس بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، لأن حديثه عليه الصلاة والسلام عندما يقرأ يحصل به انشراح الصدر، وهذا قد جاء في بعض الحديث الإشارة إلى أن المسلم إذا سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعتم الحديث عني تلين له قلوبكم وأبشاركم». فالأصل هذا هو أن المسلم يحب حديث النبي عليه الصلاة والسلام وينشرح به صدره، كما ينشرح ويطمئن لقراءة القرآن. فسليم القلب، الذي قلبه سليم من الأمراض القلبية كالحقد والغل والحسد والبغض وغير ذلك من أمراض القلوب، يرتاح عندما يسمع القرآن، وعندما يسمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا الرمادي أحد السلف الصالح يقول: «آتوا أصحاب الحديث» لكي يقرأوا عنده حديث النبي عليه الصلاة والسلام حتى يطمئن، وحتى ينشرح صدره، وحتى أيضاً يخف عليه المرض. وهكذا المسلم إذا مرض وتعب، عليه أن يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى في حال مرضه، وأن يقرأ عنده كتاب الله عز وجل: قرآن وحديث النبي عليه الصلاة والسلام، فما يدري لعله أن يموت على هذه الخاتمة الطيبة، وهو يقرأ عنده القرآن أو يقرأ القرآن وحديث النبي عليه الصلاة والسلام. ذُكر عن أبي زرعة الرازي أنه لما حضرته الوفاة، أرادوا أن يلقنوه الشهادة، فبعضهم استحيا من ذلك، ولكن قالوا: نذكر عنده الحديث، نذكر عنده الحديث. فذكروا الحديث الذي فيه: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». فبدأ الحاضرون عنده -أذكياء- بذكر الأسانيد، فقالوا: حدثنا فلان، يتذاكرون وهو يسمع. وأبو زرعة الرازي إمام في الجرح والتعديل، قرين أبي حاتم الرازي، فذكروا عنده الأسانيد: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» -هو يسمع أن هذا الإسناد نهايته ماذا؟ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا...»- فقال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله»، وبعد ذلك مات. يعني: ذُكر الشهادة بحديث النبي عليه الصلاة والسلام لما تُذكر عنده، فهذا من الخاتمة الحسنة. فالذي يمرض أو يتعب، لا بد عليه أن يلجأ إلى الكتاب والسنة، لعل فيه أن يكون خيراً له شفاءً، أو كذلك أن يكون خاتمة حسنة إذا توفاه الله عز وجل. قال البربهاري -وتقدم معنا- رحمه الله: «واعلم أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب، ولكن العالم من اتبع الكتاب والسنة، وإن كان قليلاً العلم والكتب، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثيراً الرواية والكتب». هذا الكلام من الإمام البربهاري، يقول: إن العلم الحقيقي هو الذي يعمل به صاحبه، وإن لم تكن عنده مكتبة كبيرة من الكتب. فليس الشأن بكثرة الرواية، أي بأن يكون عنده أحاديث كثيرة. كان المحدثون يعتنون بهذا، يقال: فلان عنده ألف حديث، فلان عنده مئة ألف حديث. فهم من هذا الباب كانوا يكثرون من الأحاديث النبوية لكي يكون ذكرهم بين الناس. لكن العالم الحقيقي ليس من عنده كثرة رواية، ولا من عنده مكتبة كبيرة. لو عندك من هذا المسجد مكتبة وأنت لا تعمل، فلست بعالم، أو لا تعلم علم النبي عليه الصلاة والسلام، فلست بعالم. العالم الحقيقي هو متبع للسنة، وإن كان قليلاً الرواية، وإن كان قليلاً الكتب والمكتبة، لكن عنده علم يعمل به، فهذا هو العالم الحقيقي. وهكذا من خالف الكتاب والسنة فهو المبتدع، المخالفة عن تعمد لا عن خطأ، فإن الخطأ والنسيان قد رفعا عن الأمة. لكن المخالفة عن تعمد: يعرف هذه السنة فيعمل بخلافها، ويبتدع في دين الله، فهذا هو المبتدع، وإن كان هذا المبتدع كثير الرواية والكتب. كذلك لا ينفعك، أو لا ينفعه، كثرة الرواية، كثرة الأحاديث، وكثرة الكتب. فالشأن كل الشأن هو في ماذا؟ كما قال البربهاري: في العلم والعمل. قال محمد بن أحمد بن أبي الثلج: حدثني جدي، قال: سألت أحمد بن حنبل، قلت: يا أبا عبد الله، أيهما أحب إليك: الرجل يكتب الحديث، أو يصوم ويصلي؟ قال: يكتب الحديث. يصوم ويصلي، المراد به النافلة، يعني: صيام النافلة وصلاة النافلة، لا المفروضة، فإن الفريضة واجبة لا بد أن تؤدى. لكن أيهما أفضل وأحب: أن تكتب العلم وتشتغل بالعلم، أم تتنفل من صلاة وصيام؟ فقال الإمام أحمد: كتابة الحديث، يعني كتابة العلم، هو أفضل من نوافل العبادات. قلت: فمن أين فضلت كتابة الحديث على الصوم والصلاة؟ هنا سؤال: إذا قلتَ أنت أفضل أننا نكتب الحديث ونشتغل بالعلم، فكيف فضلتَ مع وجود أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها فضائل الأعمال؟ فمن أين فضلتَ هذا على هذا؟ فماذا جوابه رحمه الله؟ قال: «لئلا يقول قائل: إني رأيت قوماً على شيء فاتبعتهم». يعني: التقليد. يعني: أنت ربما تصلي تقليداً، وربما كذلك تصوم تقليداً: «إني رأيت شيئاً فاتبعتهم». لكن لو كان عندك علم، لو كنت مشغولاً بالعلم وتعرف السنة، فإنك ستعمل بالسنة، لا عن تقليد، لا عن «رأيت قوماً يعملون شيئاً فاتبعتهم»، وإنما أنا عملت بما علمت. ولهذا كان فضل العلم أفضل من نوافل العبادات. وفي رواية عنه رحمه الله تعالى أنه قال: «إذا قام يصلي ويصوم فهذا لنفسه، وإذا تعلم العلم فهذا لنفسه ولغيره؛ لأنه سينفع به أقواماً». فالعلم تنفع به نفسك وتنفع به غيره، نفعه متعدٍ، وما كان نفعه متعدياً فهو أفضل مما كان نفعه قاصراً على الشخص نفسه. أنت إذا صليت صلاة نافلة أو صمت صيام نافلة، فهذا لنفسك، لا يتعدى غيرك. لكن لو تعلمت العلم ثم علمت العلم وعملت بالعلم، فرآك من تعمل بالعلم فعمل مثل ما عملت، أليس هذا نفعه متعدٍ للغير؟ فيحصل الخير في المجتمع بسببك أنت، أيها الطالب، أيها المتعلم، يا صاحب السنة. عندما تعمل السنة، الناس يقتدون بك، وربما يسألونك: هل هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ تقول له: نعم، والدليل كذا وكذا، فتكون أحييت سنناً ميتة في المجتمع. فلا تحقر من المعروف شيئاً، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم. فاعمل بالعلم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً: في أسفارك، وفي مجالسك، عند أصدقائك، عند أصحابك، عند أهلك، فتكون أحييت سنن النبي صلى الله عليه وسلم. فنفع العلم متعدٍ عندما يعمل بهذا العلم. قال الخطيب رحمه الله: آخر أثر في هذا الباب، وهو رفعة والنجاة من تعلم العلم النافع، وهو حديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال الخطيب رحمه الله: «طلب الحديث في هذا الزمان أفضل من سائر أنواع التطوع، لأجل درس السنن وخمولها، درساً لإندراسها». معناه: الاندثار، يعني: الإماتة والإخفاء. يعني: إذا كان الخطيب -انظر، الخطيب يقول هذا الكلام، الخطيب البغدادي في زمنه- فماذا نقول في أزماننا هذه؟ يعني: هو تقريباً القرن الخامس الهجري، الخطيب، أو قبله، يقول هذا الكلام. الإمام الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد، صاحب كتاب «شرف أصحاب الحديث»، من المحدثين الكبار، يقول: طلب الحديث في هذا الزمان أفضل من التطوع. لماذا؟ قال: لاندثار كثير من السنن وخمولها، يعني: الناس ما صاروا يعملون بالسنة، وخفيت عليهم أيضاً السنن. سبحان الله! قبل ألف سنة هذا الخطيب يقول هذا الكلام، فجئنا نحن بعده بألف سنة تقريباً، فماذا نقول في السنن التي ما علمها كثير من الناس، وما عمل بها، ولو حتى علموها؟ أليس طلب العلم أفضل من نوافل العبادات؟ الجواب: بلا. لهذا يقول الخطيب هذا الكلام في الرفعة والنجاة من علم وتعلم، وأيضاً عمل. قال: «وظهور البدع في زمانهم، ظاهرة بدع، واستعلاء أهلها». ربما تكون في بعض الأزمان شوكة لأصحاب البدع، تكون لهم شوكة قوية بسبب حاكم يأتي ويظهر بدع، أو بسبب تجار كبار في المنطقة استولوا على المنطقة، على البلاد، وهكذا. فيقول: «واستعلاء أهلها»، يعني: أن في بعض الأزمان تأتي شوكة قوية لأهل البدع، فينشرون بدعهم. مثل ما حصل في مصر عندما استولى الفاطميون، يسمون أنفسهم بالفاطميين، انتسبوا إلى فاطمة رضي الله عنها، وانتساب هذا جوراً وبهتاناً وكذباً، فهم ليسوا من أهل البيت ولا شيء، وإنما ادعوا أنهم من أهل البيت، وهم عبيديون، كما بيّن شيخ الإسلام: عبيديون، هم أكفر من اليهود والنصارى، باطنيون، وعندهم كفر بواح، لكنهم يظهرون ذلك بالتقية، يظهرون أنهم من أهل البيت، وأنهم يسيرون على سير أهل البيت، ومع ذلك يقتلون أهل السنة ويذبحون العلماء. فلهذا تأتي شوكة لبعض في بعض الأزمان لأهل البدع، فيستقوون فيها، فينشرون بدعهم، أو يكون السلطان ضعيفاً في الزمان ذاك، أو في بعض الأزمنة الحاكم ضعيف، يجعل الناس في هرج ومرج، يعني: يعملون على ما يشاءون، فينشأ أهل البدع ببدعهم ويظهرون. في زماننا، في فترة ظهر التصوف وانتشر انتشاراً عجيباً، كما قال: انتشار النار في الهشيم، انتشار عجيب. كيف انتشر هذا التصوف في بلادنا في حضرموت؟ بل ونقول في الجنوب، ربما في كذلك بعض مدن الجنوب، في أبين، في يافع، في كذا، في تصوف موجود، وناس متصوفة. كيف انتشر هذا التصوف؟ بسبب هؤلاء العلماء الضلال، وبسبب أيضاً خمول الدولة عن محاربتهم، ما تعرف أن هؤلاء ينشرون البدع، والبدع خطيرة في المجتمع. البدع بعد الشرك، والبدع تؤدي إلى الشرك، تؤدي إلى الكفر بالله سبحانه وتعالى، والشرك الأكبر، لأن من البدع: كبدع استغاثة بالقبور، وغيرها، والدعاء، وتلك الكرامات المكذوبة للأولياء. هذا منتشر في هذا الزمان، انتشرت بسبب خمول بعض السلاطين والحكام، فيتركون أهل الأهواء والبدع يعملون ما يشاءون، ولا يمكنون لأهل السنة والجماعة، وربما حاربوهم. لهذا الخطيب البغدادي رحمه الله يذكر هذا في زمانه، فيقول: تعلم الحديث وأخذ الحديث أفضل من أنك تصوم وتصلي نوافل العبادات، لأن السنن اندرست، بمعنى: اندثرت واختفت، وخمل أهلها عن العمل بها، وهكذا ظهرت شوكة أهل البدع وقويت في ذلك الزمان، فصارت تنشر بدعها. فواجب على أهل السنة والجماعة أن يقوموا بهذا الأمر العظيم من التعلم. أول: تزود بالعلم، لا بد أن نتعلم ونتفقه في دين الله حتى نحارب تلك البدع. يقول المؤلف معلقاً على كلام الخطيب البغدادي: «ونحن اليوم أحوج إليه من زمن الخطيب البغدادي رحمه الله». نحن أحوج لأن نتعلم السنة، فلا بد أن نتعلم لكي نصد البدع، ونرد أهل الأهواء وشبههم. فما نردها بالجدال الفارغ، لا نردها إلا بالعلم. فإذا تعلمنا الكتاب والسنة، وقرأنا كتب العلماء، عند ذلك استطعنا أن ننشر السنة، ننشرها ونمضي عليها. وإذا جاءنا مبتدع أو صاحب هوى، رددنا شبهاته بماذا؟ بالكتاب والسنة، وجادلناه بالتي هي أحسن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا نكون انتهينا من هذا الباب العظيم، باب الرفعة والنجاة في تعلم سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.