الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الشيخ الدروس بكتاب مختصر سيرة الرسول للإمام محمد بن عبد الوهاب، مستعرضاً ترجمة المؤلف ونسبه التميمي ومولده في العيينة عام 1115هـ. كما يبرز نشأته في بيت علم وحفظه القرآن المبكر ورحلاته التي كشفت له انتشار الشرك والجهل.
نشأ محمد بن عبد الوهاب في بيئة حنبلية وتلقى العلم في العيينة ثم رحل للحجاز والبصرة والأحساء. تأثر فكرياً بكتب ابن تيمية وابن القيم اللذين صارا إماميه في العقيدة والمنهج، وعاصر واقعاً اتسم بتفشي الشرك والبدع.
واجه الشيخ معارضة شديدة من أبيه وأهل قريته فانتقل إلى العيينة حيث ناصره أميرها عثمان بن معمر. ثم أجبر على الرحيل إلى الدرعية حيث بايعه أميرها محمد بن سعود عام 1157هـ فاجتمعت الحجة والسيف.
بدأ أفراد ممن قبلوا دعوة ابن عبد الوهاب بالهجرة إليها تاركين قبائلهم ليجتمعوا تحت راية التوحيد. وقد وفرت لهم الدولة الحماية والحرية في العبادة على التوحيد الخالص على أن يستكمل الترجمة لاحقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، فإِن شاء الله نبدأ في أول درس من دروس هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وهو "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم للشيخ المجدد العلامة الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي التميمي رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب تجدونه إِن شاء الله تعالى في بعض المكتبات، إِن شاء الله تسألون عنه. وفي هذه الليلة نأخذ ترجمة للمؤلف الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ويوم الأحد والإثنين يكون الدرس إِن شاء الله لأخينا الشيخ عبد الحافظ، ونكمل دروسنا بعد انتهائه، يعني نبدأ من يوم الثلاثاء والأربعاء إِن شاء الله تتمة ومواصلة في هذا الكتاب. قال: ترجمة المؤلف، اسمه ونسبه: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد التميمي، عربي تعود به أصوله إلى تميم، وتميم إحدى كبريات قبائل مضر، وعند إلياس بن مضر يجتمع بنو تميم مع الرسول صلى الله عليه وسلم. قال: مولده ونشأته: ولد محمد بن عبد الوهاب في بلدة العيينة من بلدان نجد، وهي منطقة بالقرب من مدينة الرياض، وهي التي يعني الرياض تسمى بِي اليمامة، والآن الرياض المشهورة هذه. فولد في هذه البلدة، بلدة العيينة، سنة خمس عشرة بعد المئة والألف من الهجرة، يعني في أول القرن الحادي عشر الهجري. قال المؤرّخون: ثلاثة وسبعمائة وألف للميلاد، يعني ألف وسبعمائة وثلاثة. وتوفي عام ألف ومائتين وستة، يعني عاش أكثر من تسعين سنة رحمه الله تعالى، عاش أكثر من تسعين سنة. فهو ولد في أول العام الحادي عشر الهجري، وفي كذلك أول العام الثاني عشر الهجري، القرن الثاني عشر الهجري. قال: وكان مولده في بيت علم ودين، فوالده عبد الوهاب بن سليمان كان من علماء قاضي العيينة، لكن ذكر أنهم كانوا على ما كان عليه المجتمع من بعض المخالفات والبدع ونحو ذلك. قال: ورُئي أنه كان عالماً متفقهاً، مثالاً للفضل والعدل، وألف عدة رسائل في الفقه والتفسير، يعني كان من العلماء في ذاك الزمان، لكن على ما فيه من موافقة أهل بلده وعصره. قال: أما جده سليمان بن علي المتوفى عام تسعة وسبعين وألف من الهجرة، فقد ذكر مؤرخ نجد عنه أنه كان فقيه زمانه، تبحراً في علوم المذهب الحنبلي. فكان العلماء في ذاك الزمان معتنين بالفقه، معتنين بالفقه، أما بالعقيدة والتوحيد فلا يعتنون بذلك. قال: وقد أتاحت هذه البيئة لابن عبد الوهاب أن يبدأ رحلة تحصيل العلم مبكراً، فحفظ القرآن قبل العاشرة من عمره. وهذا نقرأه في سيرة كثير من السلف، أنهم كانوا يحفظون القرآن في وقت مبكر. انظروا: قبل العاشرة، ابن عبد الوهاب رحمه الله حفظ القرآن. لذلك كان المحدثون إذا جاءهم الطالب سألوه: هل حفظت القرآن؟ فإذا لم يحفظ القرآن أمروه أولاً أن يحفظ القرآن، ثم يطلب الحديث، ثم يطلب الحديث. فهذا هو الأفضل والأكمل لطالب العلم: أن يبدأ أولاً بحفظ القرآن، بحفظ القرآن، ثم بعد ذلك يتضلع ويدرس بقية العلوم. قال: وبعد أن تم له حفظ القرآن اشتغل في العلم، وجد في الطلب. قال: رحلاته بعد بلوغه، يعني بعد بلوغه مباشرة. بعد تصغيروا، بعد. قال: بعد بلوغه زوجه أبوه وهو ابن اثنتي عشرة سنة، ما شاء الله، يعني تعجل في حفظ القرآن وتعجل في الزواج. هكذا كان الآباء يعتنون بتزويج أبنائهم، تزويج أبنائهم. فمن استطاع ذلك فهذا أفضل له، خصوصاً في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمغريات والشهوات، فالزواج حفظ للشاب، حفظ للشاب، واستكمال لدينه. قال: ثم أذن له بالحج، يعني يذهب ليحج. فحج وأقام في المدينة المنورة شهرين، ثم رجع. بعض أهل العلم انتقد لفظ "المنورة" أن يطلق على المدينة "بالمنورة"، لأنه سماها النبي عليه الصلاة والسلام "طيبة"، ولم يذكر أنه سماها "المنورة". والصوفية لهم اعتقاد في هذه اللفظة، ويعتقدون أن النور هو نور حسي، نور حسي، وأن النبي عليه الصلاة والسلام يضيء بنفسه. فأهل العلم يعني ينتقدوا هذا. ومما أذكر مما سمعته: العلامة الألباني عليه رحمة الله في شريط له يعني ينتقد مثل هذه اللفظة. قال: فحج وقام في المدينة المنورة شهرين ثم رجع. ويبدو أن رحلته الأولى هذه قد أخرجته من عالمه المحدود بآفاق نجد وأحوالها إلى آفاق التفكير في حالة المسلمين وقياس واقعهم على منهج الإسلام. يعني أنه لما خرج من بلده رأى ما رأى في طريقه وفي نزوله في بعض القرى وبعض المدن، ما عليه المسلمون من الجهل والشرك والأضرحة ونحو ذلك، فآلمه هذا الشيء، وكان سبباً في تفكيره في الطريق السليم لانتشال هؤلاء من هذا المستنقع، وهو الشرك بالله عز وجل. قالوا: قياس واقعهم على منهج الإسلام، ولفت نظره البعد بين هذا الواقع وذلك المنهج. ثم كانت رحلته الثانية، والذي تؤكده المصادر النجدية أن رحلة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم تتجاوز الحجاز غرباً والبصرة شرقاً، يعني هذه الرحلة الثانية. ولا شك أنه في هذه الرحلات جلس مع العلماء وأخذ العلم، أخذ العلم. قالوا: أن المدن التي ألم بها في رحلاته هي مكة والمدينة والأحساء والزبير والبصرة، وأن نيته انعقدت على التوجه إلى الشام، يعني من أجل طلب العلم، فحيل بينه وبين تحقيق هذه الأمنية، حيث كان يعتزم السفر مع الحجيج الشامي من المدينة إلى الشام، لولا أنه تعرض لحادث اعتداء من سراق الحجيج. لأن كان حال المسلمين في ذات الزمان حال يرثى لها من حيث الشرك والجهل، وكذلك التقطع والظلم ونحو ذلك. فالخلل في العقيدة سبب لاختلال غيرها من الآداب والأخلاق والسلوك والمنهج ونحو ذلك. فكان المسلمون يأكلوا بعضهم بعضاً، ويستو بعضهم على بعض. قال: لولا أنه تعرض لحادث اعتداء من سراق الحجيج، حيث سلبوه ماله وشج رأسه، فمكث في المدينة ردحاً من الزمن، يعني فترة من الزمن، ثم عاد إلى نجد ليتخذها مقراً ومستقراً ومنطلقاً لحركته حتى تاريخ وفاته عام ستة ومئتين وألف للهجرة. قال: شيوخه. قال: درج ابن عبد الوهاب في بيئة علم ودين، فتلقى العلم بكراً كما تقدم، وتفقه على مذهب الإمام أحمد. وتفقه على هذا المذهب يأتي موافقاً لما هو سائد قديماً بين أهل نجد، يعني كانوا يدرسون المذهب الحنبلي ويجمدون عليه، يجمدون عليه. قال: وما يثير العجب أن محمد بن عبد الوهاب الذي تعرض للخلط في شأن رحلاته حتى نسب إليه أنه رحل وزار معظم بلاد العالم القديم، يعني للخلط بمعنى أن بعضهم أثبت له رحلات كثيرة وأنه وصل إلى الشام ونحو ذلك. قال: وزار معظم بلاد العالم القديم، وتعلم في رحلاته شتى ألوان المعرفة. رماه آخرون بأنه لم يتلقَ العلم عن أحد، وهذا أمر غير منصف ودعوى غير صحيحة. فالشيخ محمد بن عبد الوهاب أخذ العلم أولاً عن أهل بلده العيينة، ثم رحل رحلته الأولى إلى مكة والمدينة، ولا شك أنه أخذ من علمائها العلم، وهكذا رحل إلى الحجاز غرباً والبصرة شرقاً والأحساء والزبير ونحو ذلك، لا شك أنه أخذ من علمائها العلم. فمن الظلم أن يوصف الشيخ بأنه لا شيوخ له، وليس هذا من الإنصاف. قال: غير أن المصادر التي ذكرت الشيوخ الذين تلقى عنهم الشيخ ابن عبد الوهاب لم تفسح مجالاً كافياً لترجمة أحد منهم والتعريف بهم على وجه البيان، مع ما ورد عن شيخين منهم: محمد حياة السندي، توفي عن خمسة وستين ومئة وألف للهجرة، والشيخ عبد الله بن إبراهيم آل سيف، الذي تواثرت الأخبار عن تلقي ابن عبد الوهاب عنهما وتأثره بهما. ويصف البعض أثر محمد حياة السندي في حياة ابن عبد الوهاب بأنه شعلة أنارت له الطريق. قالوا: من الأشخاص الذين تأثر بهم ابن عبد الوهاب فكرياً، ومعنى فكرياً يعني قراءة في كتبهم دون الالتقاء بهم والجلوس معهم لأنهم ليسوا في عصره. قالوا: من الأشخاص الذين تأثر بهم ابن عبد الوهاب فكرياً يبرز شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. فابن تيمية وابن القيم هم من علماء القرن الثامن، القرن الثامن الهجري، وليس القرن الحادي عشر والثاني عشر، ولكن تأثر بكتبهما في كثرة قراءته في كتب هذين الإمامين. قال: الذين كان لهم الأثر الفذ في تكوين عقيدة محمد بن عبد الوهاب وتحديد فكره ومنهجه، وطالما صرح هو بذلك، يعني في بعض كتبه يذكر وينقل عن شيخ الإسلام. حتى في كتاب التوحيد، لمن درس كتاب التوحيد، نقل بالنص الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعض عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك شيخ الإسلام ابن القيم عليهما رحمة الله في كتاب التوحيد. لو قرأتم ذلك لاشك أنه تأثر بكتب هذين الإمامين تأثراً كبيراً، ويظهر ذلك في كتبه. قال: وطالما صرحوا بذلك، مبدئياً إعجابهم بالشيخين واعتزازهم بمؤلفاتهما، فقد اقتفى في دعوته وتعاليمه العالم، فقد اقتفى في دعوته وتعاليمه العالم الكبير، العالم الكبير ابن تيمية، الذي كان يقول بالاجتهاد ولو خالف الحنابلة، يعني في الفقه، وكان حر التفكير في حدود الكتاب وصحيح السنة، يعني إنه عالم محقق، وإن كان ينتمي إلى الحنابلة، لكن إذا ظهر له الحق خلاف ما عليه الحنابلة أخذ بما تبين له. قال: وكان حر التفكير في حدود الكتاب وصحيح السنة، ذلق اللسان، قوي الحجة، شجاع القلب، لا يعبأ بسجن مظلم ولا تعذيب مرهق. ويظهر أن ابن عبد الوهاب عرف ابن تيمية من طريق دراسته الحنبلية، فأعجب به وعكف على كتبه، لأن شيخ الإسلام ما من علم من العلوم إلا وتكلم فيه وألف فيه، فهو في الفقه فقيه، وفي العقيدة كذلك، وفي الأصول، وفي اللغة، في جميع الفنون. قال: وعكف على كتبه ورسائله، يكتبها ويدرسها، فكان ابن تيمية إمامه ومرشده وباعث تفكيره، حتى أصبح من المسلمات لدى الباحثين في الحركة، في الحركة الوهابية. والتعبير بـ "الحركة الوهابية" هذا من تعبير أعداء دعوة التوحيد، فالأفضل اجتنابها، الأفضل اجتنابها. فيصفون من تمسك بالتوحيد بأنه وهابي نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب، وأول من شهر وأكثر من ذكر هذا الوصف لمن تمسك بالتوحيد هم العثمانيون، كما سيأتي معنا في طور الدعوة وكيف حوربت هذه الدعوة من قبل العثمانيين. قال: وزعيمها أنها هي التحقيق لفكر ابن تيمية وتلميذه. قال: عصره وأثره في العالم الإسلامي. قال: عاش محمد بن عبد الوهاب أحداث القرن الثاني عشر الهجري ومقدمات القرن الثالث عشر، القرن الثاني عشر الهجري، لأنه ولد عن ألف ومئة وخمسة عشر، فقد مضى القرن الحادي عشر وولد في بداية القرن الثاني عشر، وتوفي في بداية القرن الثالث عشر، أنه توفي عام ألف ومئتين وستة. قال: والذي كان في حالة سيئة من معظم النواحي: الاقتصادية، السياسية، الفكرية، والاستعمار. فكان حال الإسلام في هذه القرون حال يرثى لها من وجود الشرك والبدع، وتفكك المسلمين، وكثرة الدويلات، وقلة الأمن. لأن الشرك سبب للخوف، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾. فلا شك أن وجود الشرك والأضرحة والقبور ودعاء غير الله سبب لانتشار الجهل والخوف والتشتت ونحو ذلك. قال: قال: وقد ظهرت أكثر من حركة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي لرفض هذا الواقع المؤلم ومحاولة النهوض بالأمة، ليس المجال هنا للحديث عنه. ولم تكن نجد والجزيرة العربية تختلف عن بقية العالم الإسلامي، وربما كانت أسوأ في بعض النواحي. ولقد كانت هذه المأساة والمعاناة بهموم العالم الإسلامي ولحال الأمة الإسلامية أحد مكونات شخصية ابن عبد الوهاب. يعني أنه تألم لواقع الأمة، ما يرى من دعاء غير الله، من الشرك والبدع والخرافات، وقعد الناس عن الدين الحق، وعن التوحيد، وعن السنة ونحو ذلك، ألمه هذا الواقع، فأراد أن يغير من هذا الواقع. وهذا فيه أن الشخص لا ييأس من كثرة الباطل، من كثرة الشرك والبدع، وإنما يتوكل على الله ويصدق مع الله عز وجل، ويلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، ويتفقه في دين الله، وينطلق في دعوته، والله سبحانه وتعالى ناصره. قال: وبالتالي أسهمت في تحديد فكره ومنهجه، إلى جانب ما تلقاه عن شيوخه. قال: بعد أن استقر بنجد، انتهى من الرحلة الأولى والرحلة الثانية، ثم استقر في بلده نجد. قال: وكان في بلده حريملا، وهي أيضاً من مناطق نجد، من مناطق نجد. قال: التي كان أبوه قد انتقل إليها من العيينة، كان في العيينة ولد فيها، ثم انتقل إلى حريملا. قال: ليواصل بها القضاء والإفتاء. يعني أبوه استفزه ما يراه من البدع، يعني آلمه هذا الواقع، فكثر، فكثر منه الإنكار، لذلك حتى وقع بينه وبين أبيه كلام. يعني بدأ ينكر البدع وما يخالف التوحيد ونحو ذلك، وتعرف لا أحد على هذا التوحيد في ذاك الزمان، وليس له نصير وليس له معين، فعرضه أبوه، ووقع بينه وبين أبيه كلام، بينه وبين أبيه كلام. وكان هذا مما يمنعه من التصريح بدعوته وكذلك القيام بالإنكار. فلما تُوفي والده عام ثلاثة وخمسين ومئة وألف، أعلن بالدعوة والإنكار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بدأ ينشط في دعوته. وهذا فيه، هذا فيه أن الداعي إلى الله عز وجل من أعظم الموانع التي ربما تمنعه من انتشار دعوته الآباء والأقارب والأرحام، والأرحام. فظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند. فظلم القرابة ليس كظلم غيرهم، ربما تخشى من العقوق أو تخشى من كذلك أمور أخرى تحدث بينك وبين أبيك وبين أهلك. فكان الشيخ عبد الوهاب يريد أن ينكر لكن يحصل بينه وبين أبيه ما يحصل، فلما مات أبوه وجد مجالاً ووجد كذلك سعة في نشر دعوته رحمه الله تعالى. قال: ولم يلبث أن أثارت دعوته المخالفين له، وهذا في كل زمان ومكان، فحاولوا أذيته. وهذا فيه أن صاحب الحق لا يظن أن دعوته سيفرش لها الورود، وكذلك لا يعارض بأذى أبداً، بل ما من أحد دعا إلى الحق إلا وعودي وأوذي. قال: فحاولوا أذيته، فاضطر أن ينتقل إلى بلدة العيينة، ما تحمل هذا الأذى، فانتقل إلى بلدة أخرى. قال: ورئيسها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر. فالدعوة حتى تسير لا بد لها من قوة تنصرها، وهذا من ذكائه رحمه الله، فطلب من أميرها عثمان أن يسانده، يعني يقف معه في هذه الدعوة، فهو يدعو بالحجة والبيان، وهذا الأمير يسانده بالسيف والسنان، بالسيف والسنان. فطلب من أميرها عثمان أن يسانده، قائلاً له: إني أرجو إِن أنت قمت بنصر "لا إله إلا الله" أن يظهرك الله وتملك نجداً وأعرابها. وهذا قد ورد في القرآن: التمكين إنما يكون بالتوحيد، إنما يكون بالتوحيد، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم في الآية المتقدمة: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يدعو قريش، قد قال: "قولوا لا إله إلا الله تَدِين لكم العرب". فالدعوة إلى التوحيد سبب للتمكين، وسبب لكذلك الحكم والملك. فقال له: إني أرجو إِن أنت قمت بنصري على "لا إله إلا الله" أن يظهر الله، وتملك نجداً وعرابها. وعلى هذا ناصره عثمان بن معمر في أول الأمر، ناصره. وما إن أصبح للدعوة منهج تدعو الناس إليه وسلطان يحميها حتى تنبه إليها أصحاب النفوذ والرياسة في أطراف الجزيرة العربية، يعني شاع خبر هذه القرية عند بقية القرى وأطراف البلاد، وهذا شيء جديد غريب سمعوا به، فتنبه لذلك. قال: حتى تنبه إليه أصحاب النفوذ والرياسة في أطراف الجزيرة العربية، وكان أقواهم نفوذاً في شرقي نجد سليمان بن محمد رئيس الأحساء، الذي أمر عثمان بالتخلي عن نصرة ابن عبد الوهاب وطرده من العيينة. قال له: هذا سليمان بن محمد رئيس منطقة الأحساء لعثمان، قال له: تخلى عن نصرة ابن عبد الوهاب وطرده من بلدك، وهدده إِن لم يفعل ذلك سيؤلب عليه بقية البلاد. وهكذا كان حرصاً على بقاء نفوذه الذي بات مهدداً بغضب أمير الأحساء، يعني خاف هذا الأمير على منصبه وعلى بلده، مع أنه يعرف الحق وقد ناصر الشيخ، ولكن هكذا الدنيا، وهكذا الدنيا. قال: قال: فانتقل أي ابن عبد الوهاب إلى الدرعية، وكان لقاؤه مع أميرها محمد بن سعود، مع أميرها محمد بن سعود، عام سبع وخمسين ومئة وألف. يعني كم عمره؟ وأنا من يجاوب: كم كان عمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما ذهب إلى الدرعية؟ آه، اثنين وأربعين، اثنين وأربعين. أحسنت، لأنه ولد عام ألف ومئة وخمسة عشر. طيب. قال: حيث دعاه الشيخ، الشيخ محمد، إلى نصره، دعوة التوحيد، فبايعه محمد بن سعود على أن الشيخ لا يرغب عنه إِن أظهره الله، وأن لا يتعرضوا فيما يأخذوا من أهل الدرعية مثل الذي كان يأخذ أمراء البلدان على رعاياهم. يعني أن محمد بن عبد الوهاب لا يريد دنيا الملوك، إنما يريد تطهير البلاد من الشرك ودعوة الناس إلى التوحيد، ورجوع الناس إلى الدين الحق، هذا الذي يريده. قال: وبتمام بيعة محمد بن سعود، محمد بن عبد الوهاب، بدأ الصراع على أرض نجد والجزيرة العربية يأخذ بعداً آخر، فقد دخلت الدعوة دوراً خطيراً، وهو اجتماع السيف واللسان، القوة والعقيدة. وكما جاء في الأثر عن بعض الصحابة: "إِن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وبعض الناس لا يستجيب إلا لقوة السيف والسلاح، فلا تؤثر فيه المواعظ، ولا تؤثر فيه كذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، لقسوة قلبه وجهله. فاجتمع في هذه الدعوة الدعوة باللسان والحجة والبيان، والدعوة بالسيف والقوة، بالسيف والقوة. قال: فبدأ أفراد من الذين قبلوا دعوة ابن عبد الوهاب يهاجرون إلى الدعوة، وهذا من بركة الدعوة، يهاجرون إلى هذه البلاد ويجتمعون أهل التوحيد، فلهم دولة تحميهم، ولهم دولة كذلك تترك هؤلاء يقومون بعبادة ربهم سبحانه وتعالى على التوحيد الخالص. قال: مخلفين قبائلهم، لأن الدعوة تحتم ذلك، ليكونوا جنوداً للدعوة تحت راية ابن عبد الوهاب. طيب، الوقت أدركنا، فنكتفي بهذا، ونكمل بقية الترجمة إِن شاء الله في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.