الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 22، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تولت رعاية أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم مدة ثلاث وأربعين سنة أقرّ خلالها بنبوته ونصره دون أن يدخل في الإيمان، ومات على ملة الكفر. وقد استدل المؤلف بأشعاره الدالة على إقراره بالرسالة مع بقائه على دين قومه.
عند احتضار أبي طالب حثه النبي صلى الله عليه وسلم على قول الشهادة فمنعه أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية ف مات على الشرك، ونزلت الآيات تحرم الاستغفار للمشركين. يستفاد من ذلك خطورة رفقة السوء، وآداب نقل الكفر بضمير الغائب، وأن الشفاعة ملك لله لا تنال إلا بإذنه.
بعد وفاة أبي طالب تجرأت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، ويناقش المقطع نسب أبيات شعرية لعلي بن أبي طالب ومصائر أبناء أبي طالب الأربعة في بدر وإسلام عقيل. ويختم بذكر خروج النبي مع عمه إلى الشام ولقاء بحيرا الراهب واختلاف العلماء في صحة تفاصيلها وزيادة إرسال بلال.
يختم المؤلف بتحذير القارئ من الاعتماد على ما ورد في بعض كتب السيرة من أخطاء واضحة في النقل والتاريخ. ويؤكد في ختام كلامه على أن الله أعلم بالصواب.
الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمؤلف يبين آباء وأجداد وأعمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما هم عليه من المكانة والسيادة في قومهم، وكذلك يذكر رحمه الله تعالى ما ألقى الله عز وجل في قلوبهم من محبة رسول الله، ومن كذلك تقديمه على أولادهم ونحو ذلك. هذا كله مما هيأه ربنا سبحانه وتعالى لنبيه. قال: وأما أبو طالب فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد جده، كما تقدم. لما توفي عبد المطلب جده أوصى به إلى عمه أبي طالب، كما تقدم معنا. قال: ورق عليه رقة شديدة، وكان يقدمه على أولاده، مثل عبد المطلب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم الأبوين، وقد توفي أبوه وأمه وهو في هذا السن الصغير. قال الواقدي: قام أبو طالب من سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة من النبوة. في نسخ أخرى عندكم: ماذا بعد هذا غير هذه النسخة؟ ماذا عندك بعد قوله: "إلى السنة العاشرة من النبوة"؟ "ثلاثة وأربعين سنة". هو يحوط ثمان من مولده إلى السنة العاشرة من النبوة. نعم، فيكون العدد ثلاثة وأربعين. نعم، لكن هنا في نسخة بالنصب: "ثلاثة وأربعين"، وفي نسخة بالرفع: "ثلاثة وأربعون". والصواب: من مولده قام أبو طالب من سنة ثمان من مولد رسول الله إلى السنة العاشرة من النبوة، ثلاثة وأربعين. هذا الصواب: ثلاثة وأربعين؛ لأنه يكون بدل من قوله: "من سنة ثمان إلى السنة العاشرة من النبوة"، يعني ثلاثة وأربعين سنة، إلا إذا أراد الابتداء فيكون ثلاثة وأربعون. يحوطه ويقوم بأمره، هكذا والله أعلم. يعني قبل النبوة وبعد النبوة عشر سنوات بعد النبوة، وقبل النبوة ثلاثة وثلاثون سنة. وهو أكثر من كفل النبي عليه الصلاة والسلام: أبو طالب. قال: قام أبو طالب من سنة ثمان من مولد رسول الله إلى السنة العاشرة من النبوة، ثلاثة وأربعين، يحوطه ويقوم بأمره ويذب عنه ويمطّف به. وهذا واضح وبين في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقال أبو محمد بن قدامة: كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، والإقرار غير الإيمان. فالإقرار يكون بالاعتراف بالقلب، وربما يكون باللسان، ولكن ليس معه إيمان وعمل. ولذلك يقال: إن مشركي العرب يقرون بتوحيد الربوبية، يقرون ولا يقال يؤمنون بالربوبية. إن فرق بين الإقرار وبين الإيمان، بين الإقرار وبين الإيمان. فأبو طالب كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يؤمن، كما جاء في صحيح مسلم: عندما حضرته الوفاة، آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وملّة عبد المطلب الكفر والشرك. فمات على الكفر والشرك، مات على الكفر والشرك. قال: وله في ذلك أشعار، يعني تبين إقراره بنبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وهذه الأشعار بعضها صحيح وبعضها ضعيف، وأكثرها يروى بغير إسناد صحيح. وفي الجملة فإن معناها صحيح، معناها صحيح، ويدل عليه ما في صحيح مسلم: عندما حضرته الوفاة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرض عليه الشهادة لعلمه عليه الصلاة والسلام أنه ما ترك الإيمان به إلا خشية أن يؤثر عنه المخالفة لدين آبائه. ولذلك أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الشهادة، ماذا يقولان له؟ «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» يعني: أتترك دين آبائك، أتترك دين آبائك. فأبو طالب إنما منعه من الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام التقليد للآباء والأجداد، وخشية المخالفة لهم، وإلا فهو يقر بنبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فهذه الأشعار يوافقها الحديث، يوافقها الحديث. قال: ومنها أشعار: «ألا أبلغ عني على ذات بيننا لؤيا وخص من لؤيا بني كعب، بأن وجدنا في الكتاب محمدًا نبيًا كموسى خط في أول الكتب، قولوا نبيًا». قال: «وأن عليه في العباد محبة، ولا خير ممن خصه الله بالحب». وهذا فيه معنى الإقرار: بأن وجدنا في الكتاب محمدًا نبيًا. قال: ومنها: «تعلم خيار الناس أن محمدًا وزيرًا لموسى والمسيح ابن مريم، والمسيح ابن مريم، فلا تجعلوا لله ندًا وأسلموا، فإن طريق الحق ليس بمظلم» أو «بمظلم». قال: ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار، يعني أن يؤثر عليه المخالف لدين آبائه. قال: ولما حضرته الوفاة، ومعنى حضرته الوفاة يعني مقدمات الوفاة المرض، وليس معنى أنه في حال الغرغرة؛ فإن في حال الغرغرة لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»، هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن المراد: لما حضرته الوفاة يعني مقدمات الوفاة من المرض ونحوه. دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، رفقاء سوء، رفقاء سوء. فقال يا عم: للنبي صلى الله عليه وسلم: «قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». فقال له أي: أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: «أترغب عن ملة عبد المطلب؟» يعني: تترك ملة عبد المطلب وتنتقل إلى هذا الدين الجديد. قال: فلم يزل، فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرددها عليه، وهما يرددان عليه. يعني: صلى الله عليه وسلم يقول: «قل لا إله إلا الله»، وهم يقولون: «ألا ترغب عن ملة عبد المطلب؟» حتى كان آخر كلمة قالها: «هو على ملة عبد المطلب». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك». فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فهذا حديث عظيم فيه مسائل كثيرة تتعلق بالعقيدة والتوحيد. فمنها: أولاً، ضرر رفقة السوء، وأن رفيق السوء ربما يؤدي بك إلى الكفر والشرك، كهذا الحديث. قال العلماء: لعل وجود هذين الرفيقين السيئين سبب لعدم إيمان أبي طالب، وإلا لو لم يوجد لعله نطق بها وقالها. وهذا ورد في القرآن في قول الله عز وجل: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى آخر الآيات. فذكر العلماء أن رفيق السوء قد يؤدي بصاحبه إلى الشرك. فلا تصاحب صوفيًا قبوريًا، ولا تقل: بعض الناس إذا نصحته قلت له: لماذا أنت تصاحب هذا القبوري الصوفي؟ قال: نحن ما نتكلم في شيء، إنما يعني صحبة عادية، زملاء الدراسة، أو يعني جوار، أو زملاء هكذا. لا، بعد فترة ربما يدس لك السم في العسل، وما تشعر إلا وقد علقت في قلبك شبهة من شبهات القوم، فتخلخل عقيدتك واعتقادك الصحيح. فاحذر، لا تصاحب إلا مؤمنًا تقيًا، ولا يأكل طعامك إلا مؤمن، ولا يأكل طعامك إلا مؤمن. نعم، لأن فيه من المجالس والتحدث ونحو ذلك، فلو جالست المبتدع أو المنحرف أو نحو ذلك لربما أثر عليك وتضررت به. صدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ يقول: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». وكذلك من هذه المسائل: فيه أدب لفظي، وهو أنه من حكى الكفر فلا يحكيه بلسانه، ولكنه يحكيه بلسان غيره. ففي هذا الحديث قال: «هو على ملة عبد المطلب»، أتى بضمير الغائب: «هو على ملة عبد المطلب»، مع أن عبد المطلب... ماذا قال؟ قال: مع أن أبا طالب، عفوًا، مع أن أبا طالب ماذا قال؟ قال: «أنا على ملة عبد المطلب». لكن إذا تحكي قوله لا تقول: «أنا»، لأن «أنا» ضمير المتكلم. فمن أدب التلفظ بالكفر ألا تقوله عن نفسك، وإنما تحكيه بضمير الغائب. فلو إنسان مثلاً قال الكفر، تقول: «هو قال كذا وكذا»، ولا تحكي قوله بضمير متكلم، لا تحكي قوله بضمير المتكلم. هذه من أدب... أو هذا فيه أدب اللفظي. وهكذا من فوائد هذا الحديث متعلق بالعقيدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك الشفاعة إلا إذا أذن له ربه سبحانه وتعالى. فانظر إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لأستغفرن لك ما لم أنهى عنك»، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، ولم يأذن له بالاستغفار. والاستغفار هو طلب المغفرة لعمه، وهو نوع من أنواع الشفاعة. الشفاعة قد تكون بالدعاء، قد تكون بالدعاء. فهذا فيه رد على عباد القبور الذين يتعلقون بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، يقولون: هو جدنا ونحن سيشفع لنا. يا سبحان الله، كيف سيشفع لكم؟ هل يؤذن له عليه الصلاة والسلام فيكم أو لا؟ فإن من شروط الشفاعة الرضا عن المشفوع له. فهل عملكم وطريقكم مما يحبه الله ويرضاه حتى يرضى عنكم، حتى يرضى عنكم ويأذن لنبينا بالشفاعة فيكم؟ فإذن الشفاعة هي ملك لله سبحانه وتعالى، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. قال ابن إسحاق: وقد رثاه ولده علي بأبيات، يعني رثى أباه أبا طالب. علي هو ابن أبي طالب، ابن أبي طالب. قال: «أرقت لطير آخر الليل غرد، يذكرني شجوا عظيما مجددا، أبا طالب ما وصعاليك ذندا، صعاليك أي الضعفاء، ذندا أي صاحب العطاء والكرم، أبا طالب، أبا طالب ما وصعاليك ذندا، جوادا إذا ما أصدر الأمر أورد، يعني عمل بما يأمر به، فأمست قريش يفرحون بموته، ولست أرى حيا يكون مخلدا». لماذا قريش فرحت بموته؟ لأنه كان يحوط نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام ويمنعه منهم، فلما مات تجرأ على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «أراد أمورا زيفتها حلومهم، وهو القضاء على الدين والدعوة، فسماها حلومًا، يعني جمع حلم. أراد أمورا زيفتها حلومهم، ستوردهم يوما من الغي موردا، يرجون تكذيب النبي وقتله، يريدون قتل النبي وأن يفتر قدما عليه ويجحد. كذبتم وبيت الله، حتى نذيقكم صدور العوالي والحسام المهند». وقوله: «وبيت الله»، هذا فيه مخالفة للشرع، إذ فيه قسم بمخلوق وهو بيت الله. وقد يقول قائل: كيف قال علي ذلك؟ يقال: أولاً ثبت النص ثم انقش. فهل ثبتت هذه الأبيات عن علي؟ ينظر أولاً: هل ثبتت أو لا؟ وكما ذكرنا أن الغالب في مثل هذه الأبيات تنقل بغير سند، تنقل بغير سند صحيح. هذا أمر. الأمر الثاني: لعل في ذلك تغيير من بعض النساخ، تغيير من بعض النساخ، وإلا فعلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه يجل من أن يحلف بغير الله، والله أعلم. فإذن هذا فيه مخالفة: «كذبتم وبيت الله»، يعني حلف، الواو هنا واو القسم، فهو حلف بغير الله، فلا يحلف إلا بالله عز وجل. قال: خلف أبو طالب أربعة ذكور وابنتين، فالذكور: طالب وعقيل وجعفر وعلي، وبين كل واحد عشر سنين، وهذا من موافقات القدر العجيبة: أربع أولاد، بين كل واحد وواحد عشر سنوات. قال: فطالب أسنهم، يعني أكبرهم، ثم عقيل، ثم جعفر، ثم علي. فأما طالب وهو أسنهم وأكبرهم، فأخرجه المشركون يوم بدر كرهًا، يعني أكرهوه على الخروج والقتال معهم، وما يريد الخروج. فلما انهزم الكفار طُلب فلم يوجد في القتلى ولا في الأسرى، ولا رجع إلى مكة، وليس له عقب، يعني ليست له ذرية. واختلف في مصيره: أين هو؟ أين ذهب؟ فقيل: إنه هرب ولم يرجع إلى مكة خشية أهله، فذهب إلى بلد أخرى. وقيل: بل قتل، ولكنه لعله جرح ثم انسحب وابتعد، فلم يعني مات في موضع بعيد من موضع المعركة فلم يُعثر عليه، والله أعلم. وقيل غير ذلك، وعلم ذلك عند الله. هذا طالب. وأما عقيل فأسر ذلك اليوم، يعني يوم بدر، أسره المسلمون، ولم يكن له مال، ما عنده مال، ففداه عمه العباس، لأن أسرى بدر قضى فيهم أبو بكر بالأسر بالفداء، فإما منا بعد وإما فداء. فجاء عمه العباس وفداه، فدى عقيل، دفع مال حتى يعني رجع إلى بلده. قال: قال ثم رجع إلى مكة فأقام بها إلى السنة الثامنة، أي عقيل، ثم هاجر إلى المدينة، يعني أسلم بعد ذلك، أسلم بعد ذلك وهاجر من مكة إلى المدينة، فشهد مؤتة مع أخيه جعفر. وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل من منزل؟» يعني قبل إسلامه، لما أسر، لما أسر، وذلك أن المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم، فيريد بعقيل هنا أي ابن عمه. قال: واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا، يعني إلى السنة العاشرة من النبوة، قبل أن يهاجر إلى مكة... إلى المدينة بثلاث سنوات. قال: فلما بلغ اثنتي عشرة سنة، وقيل تسعًا، وهو في كفالة عمه أبي طالب، أي لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة، وقيل تسعًا، خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة، فرآه، فرآه بحيرا الراهب، وأمر عمه أن لا يقدم به الشام خوفًا عليه من اليهود، فبعثه عمه مع بعض غلمان إلى المدينة. وهذه القصة: قصة بحيرا الراهب مع النبي عليه الصلاة والسلام، وإرجاع النبي صلى الله عليه وسلم، اختلف فيها أهل العلم، والصحيح والله أعلم أنها قصة صحيحة، ذكرها شيخنا الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" في مسند أبي موسى الأشعري، جاء حديثه من حديث أبي موسى الأشعري، وكذلك الألباني في "صحيح السيرة" ذكرها، فلها أصل وهي صحيحة. وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرت أوصافه في كتب أهل الكتاب، وقد حسد العرب اليهود، حسد العرب لما بعث هذا النبي منهم وليس من العرب وليس من بني إسرائيل. فبحيرا خاف على النبي عليه الصلاة والسلام من اليهود، وهم قثر في الشام، إذا عرفوا أوصافه أن يقتلوه، فأمر عمه أن يرجعه إلى مكة ولا يصاحبه معه، ففعل ذلك أبو طالب. قصة لها أصل، ترجع إن شاء الله إلى "الصحيح المسند" تجدها في مسند... بموسى الأشعري. قال: وقع في الترمذي إنه بعث معه بلالًا، وهو غلط واضح؛ فإن بلالًا إذاك لعله لم يكن موجودًا لأنه أصغر سنًا من النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الجزء من حديث بحيرا: أي بعث بلال مع النبي عليه الصلاة والسلام، أخرجه الترمذي كما ذكر، وحكم عليها الأئمة بالنكارة، كما ذكر المعلق أن الإمام الذهبي وابن كثير وغيرهما حكموا على هذه الزيادة وهذا الجزء من الحديث بالنكارة. فنبه المؤلف على ذلك حتى إذا قرأه قارئ في شيء من كتب السيرة يحذر هذا ولا يعني يعتمد ذلك، فهو غلط واضح كما ذكر. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.