شرح مختصر سيرة الرسول  11

شرح مختصر سيرة الرسول 11

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الإيمان الحقيقي ومشروعية الجهاد بعد الهجرة

يبيّن المقطع أن الإيمان الحقيقي يتحقق بالتفقه في الدين والعمل بالطاعة لا بمجرد النطق، مستشهداً بقول عمر بن عبد العزيز. كما يوضح أن الجهاد شُرع بعد الهجرة، وأول آية فيه آية الإذن بالقتال ثم آية فرضه، مبيناً حكمة مشروعيته رغم كراهة النفوس له.

استعراض الغزوات والوقائع القرآنية لتأكيد حقيقة الإيمان والعمل

يستعرض المؤلف أبرز الغزوات التي نزل فيها القرآن كدليل على جهاد الصحابة بأموالهم وأنفسهم، رداً على من يكتفون بمجرد اللفظ. يؤكد أن النطق بالشهادة لا ينفع دون عمل موافق، مقارناً ذلك بحال عباد القبور.

فتح مكة وغزوات حنين وتبوك ووفاة النبي وبدء حروب الردة وثبات أبي بكر

يتناول المقطع أحداث ما بعد فتح مكة ونزول سورة النصر، مروراً بغزوة حنين وتبوك المذكورتين في سورة براءة، ثم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. يبرز موقف أبي بكر الصديق الحازم في قتال المرتدين حتى استتب الأمن، مصداقاً للآيات القرآنية.

تفسير الحسن البصري للآية في أبي بكر والصحابة وقتال أهل الردة

يوضح المقطع أن الحسن البصري فسر آيات المحبة والقتال بأنها تنطبق على أبي بكر الصديق وأصحابه في قتالهم لأهل الردة. يذكر المتحدث أن تفصيل حروب الردة سيؤجل لدرس قادم مستقل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه «مختصر سيرة الرسول» صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال، قال عمر بن عبد العزيز وهو يبين رحمه الله ما معنى الإيمان، وأنه كما يظنه غالب الناس أنه مجرد كلمة تلاك وتقال باللسان، وإنما الإيمان هو الذي يدفع صاحبه إلى العمل، وكذلك الإقبال على الطاعة. قال: قال عمر بن عبد العزيز: «يا بني، ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن تعقل عن الله ثم تطيعه». يريد نفي الخير هنا، يعني الخير الحقيقي أو الخير التام الذي يسعى إليه، ليس أن يكثر مالك وولدك، وإن كان هذا من الخير إن استخدمت هذه النعمة في طاعة الله، لكن الخير الحقيقي التام هو أن تعقل عن الله، بمعنى تتفقه، تتفقه عن الله عز وجل، ثم تطيعه، تعمل بهذا العلم الذي تعلمته. ثم قال رحمه الله: ولما هاجر المسلمون إلى المدينة واجتمع المهاجرون والأنصار، شرع الله لهم الجهاد، وقبل ذلك نهي عنه، وقيل لهم: كفوا أيديكم. وقد مر معنا في أسباب النزول، لو تذكرون، أن الصحابة في مكة جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلبوا منه أن يأذن لهم بالجهاد، وأن يكتب عليهم الجهاد. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾، يعني عن القتال، وهذا في مكة قبل الهجرة، لأن المسلمين كانوا مستضعفين، لم يكن الجهاد قد توفرت شروطه في ذاك الزمان من الإعداد، من الإعداد الحسي، وقبل ذلك الإعداد المعنوي، فأجل القتال، وما شرع إلا بعد الهجرة، شرع وفرض القتال بعد الهجرة، وأول آية نزلت في الأمر به قوله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾. ثم نزلت آيات أخرى بالحث على القتال ونحو ذلك، ومنها هذه الآية: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. وهذه الآية ليست هي أول آية نزلت في الأمر بالجهاد كما تقدم، فـ «كتب» هنا بمعنى فُرض، وليس معنى هذه الآية أن القتال كره للمسلمين ألا يقاتلوا، لا، وإنما النفوس لربما وقع لها شيء من الكره لأنها تحب الدعة والراحة ونحو ذلك، لكن الله عز وجل شرعه لما فيه من الحكم، ولما فيه من كذلك القيام بالدين، وكبت الأعداء، ونحو ذلك من المقاصد والمنافع الكثيرة. قال: قال، فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى، رضي الله عنهم للصحابة، فشكر الله لهم ذلك ونصرهم على من عاداهم، مع قلتهم وضعفهم، وكثرة عدوهم وقوته، ومع هذا فإن الله عز وجل نصرهم. وهو يورد هذه الحوادث على وجه السرد والاختصار، يريد أن يصل إلى أمر مهم جدا يتعلق بالواقع الذي يعيشه، وهو أمر ما عليه كثير من الناس من أن الإسلام إنما هي كلمة قالوا باللسان، وكل من قال لا إله إلا الله فهو مسلم، وإن صدر منه ما صدر. فهو يذكر هذه الحوادث حتى يبين أن أناسا لربما قالوا لا إله إلا الله، ثم سيأتي في أهل الردة: قالوا لا إله إلا الله، ومع هذا لم تنفعهم هذه الكلمة، لأنهم أتوا بما ينقضها، أتوا بما ينقضها، وسيأتي ذلك إن شاء الله. فأراد أن يصل إلى هذا، ويشبهة عباد القبور اليوم: إذا قلت لهم قد وقعتم في الشرك، قالوا: ألم نقل لا إله إلا الله؟ والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه، وحسابه على الله»، أو نحو ذلك، شبهة يوردونها. فتوسع هنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رد هذه الشبهة، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: قال، فمن الوقائع المشهورة التي أنزل الله فيها القرآن: وقعت بدر. والوقائع جمع وقعة، والتعبير بالوقائع هذا من باب التوسع في اللفظ، وإلا في اصطلاح أهل السير: أن القتال الذي حضره الرسول عليه الصلاة والسلام يسمى غزوة، والقتال الذي لم يشهده النبي عليه الصلاة والسلام يسمى سرية، وأما الوقعة فهو الجهاد الذي لم يحصل فيه قتال، يقال له وقعة، وجمعه وقاع، أو وقع فيه قتال لكن من غير ميعاد بين المؤمنين وأعدائهم، فهذا كذلك تسمى وقعة، يعني ما خرجوا للقتال إنما خرجوا لشيء آخر، فهذا من باب التوسع في اللفظ. قال: فمن الوقائع المشهورة التي أنزل الله فيها القرآن: وقعت بدر، قد أنزل الله فيها سورة الأنفال، يعني أن الله عز وجل بين حوادثها وشيئا من يعني وقائعها في سورة الأنفال. قال: وبعدها وقعت قنقاع، يعني مع اليهود، ثم وقعت أحد بعد سنة، وفيها الآيات التي في آل عمران، ويريد بهذا تأكيد ما تقدم من أن الصحابة بذلوا أنفسهم وأموالهم لله، رضي الله عنهم، وجاهدوا في الله حق جهاده لما أمروا بالقتال. قال: وبعدها وقعت بني النظير، وفيها الآيات التي في سورة الحشر، وتقدمت معنا في سورة الحشر سبب النزول، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فحكم بأن يجلوا من المدينة، وأن يحملوا ما يستطيعون حمله دون السلاح. قال: ثم وقعت الخندق وبني قريضة، يعني من اليهود، وهم آخر من أخرجوا من المدينة لأنهم نقضوا العهد، فوالوا المشركين وتواطؤوا معهم في هذه الغزوة، قال: فيها الآيات التي بسورة الأحزاب. ثم وقعت الحديبية، يعني صلح الحديبية، وقد مر معنا أيضا في أسباب النزول، وفتح خيبر، وأنزل الله فيها سورة الفتح، يعني يريد الحديبية وخيبر، وفتح مكة، ووقعت حنين، وأنزل الله فيها سورة النصر. فتح مكة: أنزل الله عز وجل فيها سورة النصر، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، مراد بالفتح فتح مكة، ﴿ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾. قال: ووقعت حنين، وأنزل الله فيها سورة النصر، وذُكر حنين في سورة براءة: ﴿ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾. ثم غزو التبوك، وذكرها الله في سورة براءة: ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكُمْ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ﴾، هذا في غزوة تبوك، وذكر شيئا من حوادثها، ومن تخلف، الثلاثة الذين تخلفوا فيها، ومن حلف المنافقين ونحو ذلك، كل ذلك في سورة براءة. قال: ولما دانت له العرب، أي للنبي عليه الصلاة والسلام، ودخلوا في دين الله أفواجا كما في سورة النصر، وابتدأ في قتال العجم، يعني في غزوة تبوك، وغزوة حنين كانت هذه مع الأعاجم من الفرس والروم، اختار الله له ما عنده، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أقام بالمدينة عشر سنين، وفي مكة أقام ثلاثة وخمسين سنة، فعاش النبي عليه الصلاة والسلام على الصحيح ثلاثة وستين سنة. قال: وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة، فوقعت الردة المشهورة، يعني بعد موته وقعت الردة، لأنه تدرج، يريد أن يصل إلى ما ذكرنا من فوائد قتال الردة، فهو يأخذ من وقائع السيرة ما يعالج الواقع، وما كذلك يبين للناس ما هم فيه من مخالفة مثل هذه النصوص الواردة في السيرة والسنة. قال: وذلك أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد غالب من أسلم، وحصلت فتنة عظيمة، ثبت الله فيها من أنعم عليهم بالثبات، بسبب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فهو الذي وقف موقفا حازما، موقفا كذلك الثبات، ثبات الجبال الراسخات، فلم يبالي بكثرة المرتدين ولا بعددهم وقوتهم، وإنما توكل على الله وقاتل هؤلاء حتى قضى على هذه الفتنة، رضي الله عنه. قال: فإنه قام فيها قياما لم يدانِه فيه أحد من الصحابة، لا، لم يساويه فيه أحد من الصحابة، ذكرهم فيه ما نسوا، وعلمهم ما جهلوا، وشجعهم لما جبنوا، وليس المراد بالجبن ما يقابل الشجاعة، وإنما المراد بالجبن هنا التردد، تردد بعض الصحابة، وخاف من العاقبة التي ربما تعني تكون بعد هذا، واجتهاد اجتهدوه، وإلا فالصحابة في الحق من أشجع الناس، رضي الله عنهم، ولكن يريد بالجبن هنا التردد. قال: فثبت الله به دين الإسلام، جعلنا الله من أتباعه وأتباع ما حمله أصحابه. قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية، يعني من تخلف عن نصرة هذا الدين ورجع القهقرى، فإن دين الله لا يضيع، دين الله عز وجل لا يضيع ولا ينتهي، بل الله سبحانه وتعالى يجعل من أهل الإسلام من يقوم بهذا الدين وينصر هذا الدين. قال: قال الحسن: «هم والله أبو بكر وأصحابه»، يعني يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونهم، أذلة على المؤمنين، عزة على الكافرين، لأن ورد في هذه الآية ذكر الردة، فأبو بكر والصحابة هم الذين وقفوا في وجوه هؤلاء وقاتلوهم. قال: قتال أهل الردة، أو نترك هذا إن شاء الله بطوله إلى درس قادم، نكتفي بهذا هذا اليوم، وإلى هنا والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر