شرح مختصر سيرة الرسول  6

شرح مختصر سيرة الرسول 6

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

هجرة إبراهيم بهاجر وإسماعيل إلى مكة

أمر الله إبراهيم عليه السلام بالهجرة بهاجر وابنها إسماعيل إلى مكة وتركهما مع قليل من الماء والتمر. بحثت هاجر يائسة عن الماء بين الصفا والمروة سبع مرات، فشرع الله سعيهما نسكاً في الحج والعمرة.

سعي هاجر ونزول ماء زمزم وسكن جرهم

سعت هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات حتى نزل جبريل وضرب بعقبه فتفجرت زمزم، فشربت وأرضعت إسماعيل. ثم قدمت قبيلة جرهم وسكنت بجوار الماء بشرط ملكية البئر، وتعلم إسماعيل العربية وتزوج منهم.

اختبار إبراهيم لزوجتي إسماعيل وبناء الكعبة

زار إبراهيم ابنه إسماعيل مرتين واختبر زوجتيه، فأمر بطلاق الأولى لشكواها وأمر بإمساك الثانية لرضاها. ثم لبث فترة وعاد وبنى مع إسماعيل الكعبة المشرفة طاعة لأمر الله داعيَين بالقبول.

ختام شرح حديث ابن عباس واستكمال الدروس

أوضح المحاضر أن حديث ابن عباس المذكور موجود في صحيح البخاري معلقاً في كتاب الأنبياء. أعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يُستكمل الشرح في درس قادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم"، في سياق ذكره لما جرى لإبراهيم عليه السلام وقصة بنائه للبيت: قال: وكان عليه السلام في أرض العراق، وبعد ما جرى عليه من قومه ما جرى، هاجر إلى الشام واستوطنها إلى أن مات فيها. وأعطته سارة الجارية التي أعطاها الجبار، وهي هاجر، فواقعها فولدت له إسماعيل عليه السلام. فغارت سارة، فأمره الله بإبعادها عنها، وهذا من غيرة النساء؛ لأن هاجر سبقت سارة في الإنجاب، فولدت قبلها بإسماعيل، فغارت، فصار ما صار من غيرة النساء. فأمره الله بإبعاد هاجر وابنها إسماعيل، فذهب بها وبابنها، فأسكنهما في مكة. ثم بعد ذلك وهب الله له ولسارة إسحاق عليه السلام، كما ذكر الله بشارة الملائكة له ولها بإسحاق: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾. وقال: وفي الصحيح، وتقدم معنا أنه في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله مكان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، يعني هاجر، ومعه شنة فيها ماء، يعني قربة. فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، يعني تشرب الماء وترضع صبيها، حتى قدمت مكة، فوضعها تحت دوحة، يعني شجرة، فوق زمزم، يعني فوق الماء المعلوم اليوم وهو ماء زمزم، في أعلى المسجد، يعني في أعلى المسجد الحرام، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، مكان خالي ما فيه أحد أبداً، لا بشر ولا ماء ولا شيء، أرض جدباء. قال: وضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، يعني وعاء جلد فيه تمر، وسقاء في قربة فيه ماء. ثم قفى إبراهيم منطلقاً، أعطاها هذا الماء وذاك التمر، وقف ذاهباً عنها وعن ولدها. قال: فتبعته أم إسماعيل، يعني لحقته، فلما بلغوا فداء، وهو مكان في الحرم عند خروجك من المسعى، نادته من ورائه: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ أنت تذهب وعطيتني هذا الماء وذاك التمر، سينفذ وينتهي، ثم ماذا؟ قال: وجعل لا يلتفت إليها، لا يلتفت إليها. فقالت له: الله الذي أمرك بهذا، هل هذا عملته عن وحي أوحاه الله إليك وأمرك الله به؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. وهذا فيه شدة الثقة بالله عز وجل، التوكل عليه سبحانه وتعالى. فلما قال لها: نعم، الله أمرني بذلك، قالت: إذن لا يضيعنا، اذهب. وفي لفظ: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيت. ثم رجعت إلى صبيها، ومع هذا الماء وذاك التمر. قال: فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية، وهو جبل صغير حيث لا يرونه، يعني لا تراه هاجر، استقبل بوجهه البيت، ولم يكن بيت أنذاك، لكن لأن لو كان يعلم بموضعه، كان يعلم بموضع البيت الذي أمره الله عز وجل ببنائه. قال: ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، فقال: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾. فاستجاب الله عز وجل لدعوة نبيه، فتحققت هذه الدعوات كما سيأتي. قال: وجعل تمر إسماعيل ترضعه وتشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتى إذا نفذ ما في السقاء، عطشت، انتهى الماء، ولا يوجد في هذا المكان ما... انتهى ما في السقاء، عطشت وعطش ابنها إسماعيل الرضيع. قال: وجعل تنظر إليه يتلوى، أو قال يتلبط، يعني من شدة العطش يبكي ويتلوى يريد ماء. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، لأن هذا الموقف تتألم منه الأم، فالأم تتألم بألم ولدها، تتسهر لسهره وتمرض لمرضه وتتألم لألمه. فذهبت تبحث عن ماء، من باب اتخاذ الأسباب، وهذا فيه الأخذ بالأسباب. فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا، جبل صغير مرتفع، وهو اليوم يسعى بينه وبين المروة، كما هو معلوم. فوجدت الصفا أقرب جبل إليها، فقامت واستقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحداً، لعل أحد من القوافل من المار يدركها ويعطيها ماء. فلم ترى أحداً، نظرت، نظرت، ما وجدت أحداً. قال: فهبطت من الصفا، نزلت من هذا المرتفع، حتى إذا بلغت الوادي، يعني أسفل الوادي، رفعت طرف درعها، وهذا دليل على سعيها وشدة جريها. ثم سعت سعي الإنسان المجهود، يعني الإنسان الذي بلغ به الجهد مبلغاً، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، الجبل الآخر الذي يقابل الصفا، فقامت عليها، فنظرت، أنها جهة أخرى، فنظرت هل ترى أحداً، فلم ترى أحداً. ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعي الناس بينهما». جعل فعلها هذا من مناسك الحج والعمرة، السعي بين الصفا والمروة. فإذا نزل المعتمر أو الحاج من الصفا وبلغ بطن الوادي، سعى، وقد جعلت علامات لمكان السعي، أميال خضراء، يبتدىء منها السعي وينتهي. هذا الموضع الذي سعت فيه هاجر عليها السلام، فهو سعي الناس اليوم بينهما. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعلت عن الصبي، الآن صبي بعيد عنها، تركته وذهبت تبحث، فذهبت فنظرت، فإذا هو على حاله يتلوى أو يتلبط، كأنه ينشغ للموت، يعني كأنه قارب الموت. فلم تقرها نفسها، يعني ما قرت نفسها أن تجلس وتنظر إليه. فقالت: لو ذهبت لعلي أحس أحداً. ما يئست، وهذا فيه أن المؤمن مهما بلغ به الكرب والشدة لا يأس ولا يقنط من رحمة الله. انظر الآن، ولدها يتلبط، ولدها بلغ به العطش مبلغاً، وكاد أن يفارق الحياة من العطش. ثم هذا، ذهبت مرة أولى، ذهبت إلى الصفا ثم إلى المروة، تفعل ذلك سبع مرات، تبحث عن ماء. جاءت مرة أخرى إليه، رأته على حاله، ذهبت مرة أخرى، ما يئست وما قنطت من رحمة الله. فقال: فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت لعلي أحس أحداً. فذهبت، فصعدت الصفا، يعني مرة ثانية، فنظرت، فلم تحس أحداً، حتى أتمت سبعاً، يعني سبع مرات، الذهاب مرة والإياب مرة. ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، جاء الفرج، يعني سمعت صوتاً. فقالت: أغث، إن كان عندك خير. وهذا ليس فيه دليل على جواز الاستغاثة المحرمة الشركية، وإنما هي بمعنى قول الله عز وجل: ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾. فالاستغاثة بالحي القادر هو من الاستغاثة الجائزة، من الاستغاثة الجائزة، لأنه قادر على إغاثتها. فقالت: أغث، إن كان عندك خير. أما الاستغاثة بمخلوق في شيء لا يقدر عليه إلا الله، وهو لا يقدر عليه، أو الاستغاثة بميت، فإنه لا يقدر، فلا يستطيع أن يغيث نفسه، فضلاً أن يغيث غيره. قالت: أغث، إن كان عندك خير. فإذا بجبريل. قال: فقال بعقبه على الأرض، يعني ضرب بعقبه على الأرض، فانبثق الماء، يعني ظهر الماء. فذهبت أم إسماعيل، فجعلت تحفر حتى يزيد الماء ويظهر أكثر. فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم، هذا الماء هو ما هو زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء، لكانت زمزم عيناً معيناً، عيناً تجري على الأرض، ليس في أسفل الأرض، بل على الأرض، عيناً تجري». وفي حديثه: فجعلت تغرف الماء في سقائها. قال: فشربت وأرضعت ولدها، جاء الفرج من الله عز وجل. فقال لها الملك: لا تخافا الضيعة، فإن ها هنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. البيت هو البيت الحرام، الكعبة. وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية، يعني مرتفع، وحواليه الوادي، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، يعني ما تطلع إلى موضع البيت لأنه مرتفع. فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، وهم من قبائل اليمن، مقبلين من طريق كداء. فرأوا طائراً عائفاً، يعني طائراً محلقاً على شيء. فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء. وهذا من خبرتهم، طائر ما سيحلق ويقرب من الأرض إلا على ما يشرب منه. وقالوا: لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، يعني نعرف هذا الوادي ونمر به كثيراً، ما فيه ماء، كيف هذا الطائر كأنه يحلق على الماء؟ فأرسلوا جرياً أو جريين، يعني أرسلوا من يجري ليأتي لهم بالخبر، ويتأكد من هذا المكان، حقاً فيه ماء أو لا؟ فإذا هم بالماء، رأوا هذا الماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا. وقالوا لأم إسماعيل: وجدوا أم إسماعيل وولدها، أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ وهذا فيه أدب العرب، نعم، أذن، استأذنوا منها، لأن هذا المكان ما كان فيه ماء، فهي السبب في وجود هذا الماء، فاستأذنوا منها. فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، يعني تشربون وتنتفعون، والحق لي. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فألقى ذلك أم إسماعيل، أو فألف، نعم، فألف ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس، يعني أحبت جلوسهم عندها حتى تأنس بهم، وكذلك يذهب ما بها من وحشة». فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم الأولاد، الأطفال والنساء، كلهم نزلوا في هذا الموضع. وهذا فيه أن العرب كانت سكنهم حيثما وجد الماء، وهذا إلى اليوم عند أهل البادية، فلا ينزلون إلا في المكان الذي به الماء، لأن به حياتهم. قال الله عز وجل: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾. قال: حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، صارت منطقة، نعم، وأبيات عدة. وشب الغلام، يعني بلغ وصار شاباً، أي إسماعيل، وتعلم العربية منهم، لأنه هو من الشام، ليس من أهل العرب، فتعلم العربية من هذه القبيلة، قبيلة جرهم، وأنفسهم، وأعجبهم حين شب، يعني حين كبر. فلما أدرك، يعني بلغ، زوجوه امرأة منهم، تزوج من امرأة من هذه القبيلة. ومات تمر إسماعيل، وجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل، يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، يعني يطالع ما تركه من زوجة وولد. فجاء ولم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه. جاء يسأل، قالوا: هذه امرأته، وإسماعيل غير موجود. فسأل امرأته، سأل امرأته عن إسماعيل، فقالت: خرج يبتغي لنا، يعني يصيد لنا شيئاً. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، يعني كيف عيشكم، كيف أكلكم، كيف حالتكم؟ فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه، يعني امرأة غير صابرة وغير قانعة. فقال: فإذا جاء زوجك، أي إسماعيل، أقرئ عليه السلام، سلم عليه، وقولي له: يغير عتبة بابه. كن بتغيير وطلاق الزوجة بعتبة الباب، بعتبة الباب. فلما جاء إسماعيل، كأنه آنس شيئاً، شعر أن شيء وقع أو أحد جاء يسأل عليه، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قال لزوجته: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أن في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. لأن لو قال لها: قولي له: طلقك، ما أخبرت إسماعيل، فكن عن ذلك بعتبة الباب، فجنت على نفسها، فقالت: نعم، يقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن فارقك، الحقي بأهلك. قال: طلقها. قال: فطلقها، وتزوج منهم امرأة أخرى. ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، يعني تأخر عن المجيء والزيارة فترة من الزمن. فقال لأهله: إني مطلع تركتي، يعني سأذهب وأنظر ما فعل ولدي إسماعيل. فجاء، فقال لامرأته: أين إسماعيل؟ قال: ذهب يصيد. قالت: ألا تنزلوا فتأكلوا طعاماً وتشربوا؟ قال: وما طعامكم وما شرابكم؟ قال: طعامنا اللحم وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم. قال: فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «بركة دعوة إبراهيم، فهما لا يخلو عليهم أحد بغير مكة إلا لم يوافق»، يعني أن الله عز وجل بارك في اللحم والماء لأهل مكة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وليس لهم يومئذ حب، يعني كان طعامهم اللحم والماء فقط، وما عندهم حب. قال: ولو كان لهم حب، دعا لهم فيه». وسألها عن عيشهم وآئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. قال: إذا جاء زوجك فأقري عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه. وهذا فيه الفرق الشاسع بين المرأة الصالحة والمرأة غير الصالحة، فالأولى غير راضية بهذه المعيشة، صاخطة ومتبرمة، وأما الثانية فهي راضية وقانعة، فلذلك أمر إبراهيم ولده أن يلزمها. قال: قال: فلما جاء إسماعيل، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أن بخير. قال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله، فقال لأهله: إني مطلع تركتي المرة الثالثة. فجاء، فوافق إسماعيل هذه المرة، وجد إسماعيل يبرئ نبلا له، يعني يصلحه ويصفيه، تحت دوحة، تحت دوحة قريباً من زمزم، يعني شجرة. فلما رآه قام إليه، وهذا فيه القيام للأب، وليس هو من القيام المنهي عنه. فصنع كما يصنع الوالد بالولد من المعانقة والترحيب ونحو ذلك، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. وإسماعيل من أبر الأبناء بأبيه، فقد رأى أبوه رؤيا كما في القرآن أنه يذبح إسماعيل، فلما بلغ معه السعي، قال: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾، قال: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾. سيذبحه ويقول له: سمعاً وطاعة، الله عز وجل أمرك بهذا، سمعاً وطاعة. وهكذا في هذا، لما قال له: إن الله أمرني أن... أمرني بأمر، فقال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. طاع وبر. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً، وأشار إلى آكمة مرتفعة على ما حولها، يعني موضع البيت، أشار إلى موضع البيت. قال: فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له، الحجر الأسود، فقام الحجر، يعني المقام، المقام الذي كان إبراهيم يقف عليه عندما ارتفع البيت. عندما ارتفع البيت، وقد يقول قائل: الآن المقام بعيد من البيت، الآن المقام بعيد من البيت، فكيف إبراهيم وقف على هذا المقام يبني البيت وبعيد منه؟ فالجواب: أن المقام أبعد فيما بعد، وإلا فقد كان قريباً من البيت، قد كان قريباً من البيت بحيث إذا صعد عليه استطاع أن يبني ما ارتفع، وعلى من البيت. قال: فقام عليه ويبني، وإسماعيل يناول الحجار، وهما يقولان: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. هذا آخر حديث ابن عباس، وهذا الحديث أيضاً في البخاري، المعلق قول في البخاري، كتاب حديث الأنبياء. طيب، نكتفي بهذا، ونقوم بغي إن شاء الله في درس قادم بإذن الله. إلى هنا.