التعليقات على كتاب الأدب المفرد 108

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 108، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير الإسلام من الأخلاق السيئة

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من النميمة والكبر لما لهما من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع. النميمة تسبب الإفساد بين الناس والكبر يؤدي إلى رد الحق واحتقار الناس.

آثار الكبر والعجب على المجتمع

الكبر والعجب يؤديان إلى الاستحقار والبغي والظلم، بينما التواضع يمنع البغي والاعتداء. المستبان يقعان في عمل الشيطان بالتهاتر والتكاذب.

آداب التعامل مع غير المسلمين والعتب

يتناول حكم قبول هدايا المشركين وخلاف أهل العلم في ذلك، ويشير إلى خلق النبي صلى الله عليه وسلم في العتاب وعدم سبابه أو لعنه للمسلمين. كان عتاب النبي لطيفا ولا يتضمن سبابا أو ألفاظا قبيحة.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد في باب المستبان ما قال: فعل الأول، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما العَضه؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم». والحديث صحيح، وجاء بعض لفظه في الصحيح، والمراد بالعَضه النميمة، ولهذا فسرها بقوله: «نقل الحديث من بعض الناس إلى بعض ليفسدوا بينهم». وذكرها رحمه الله في هذا الباب لأنها فيها معنى السب وإثارة الشحناء والبغضاء، فالذي يقل الحديث من بعض الناس إلى بعض وهو يعلم أن هذا الذي ينقل إليه الكلام يغضب ولا يرضى بذلك، فيأتي ويقول له: فلان يقول فيك كذا ويقول كذا، فيحصل من ذلك الفساد: إفساد ذات البين، وما يترتب من ذلك من مفاسد كثيرة، رغم حصول التقاطع، وحصول التهاجر، وحصول السباب والشتام، والرمي بالتهم بسبب هذا النمام الذي نقل الكلام، وربما زعم أنه مصلح، وهو كاذب في ذلك. ولهذا مثل هذا الباب ينبغي أن يحذر منه المسلم، فلا ينقل الحديث إلى شخص ويعلم أنه يغضب، وأنه سيترتب على نقله ذلك مفاسد، فعليه أن يسكت، وأن لا يسعى في الإفساد. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن النمام لا يدخل الجنة، قد جاء في رواية: «لا يدخل الجنة نمام»، هذه عقوبة عظيمة لهذا النمام الذي يسعى في الإفساد، ويسعى كذلك في التفريق بين الأصحاب والإخوة بسبب النميمة. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض»، الحديث صحيح، وهو في صحيح مسلم، وسيأتي. إن الله عز وجل أوحى إلي أن تواضعوا، أي: ليكن من خلقكم التواضع، ولين الجانب، وحسن التعامل؛ لأن التواضع سبب لعدم حصول البغي والاعتداء، ولهذا قال: «ولا يبغي بعضكم على بعض»؛ لأن التواضع إذا عدم حصل ضده، وهو الكبر، والكبر ضد التواضع. فالذي يحرم التواضع فإن من خلقه الكبر، والكبر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بطر الحق وغمط الناس»، يعني: رد الحق وعدم قبوله. فتجد المتكبر ما يقبل الحق مهما أتيت له بالبراهين والحجج، ولو كان الحق ظاهرا كظهور الشمس، ما يقبله؛ لأنه يرى أنه أكبر من الحق، ومن يكون فلان حتى يقبل منه حتى يأخذ منه الحق؟ فهو يرد الحق ولا يقبله، وهكذا يستحقر الناس؛ لما في قلبه من الكبر والعجب والغرور، فيرى أنه لا أحد أفضل منه، وأن الناس عنده كالذر، ما لهم قيمة، وليس لهم أي اعتبار، فيرى أنه أرفع منهم، وأنه أفضل منهم، وأنه أكرم منهم. فإذا كان من ذوي الأموال فيستحقر من كان فقيرا، ومن كان دونه في المال، وإن كان من ذوي النسب فإنه يستحقر من لم يكن من ذوي النسب، وهكذا، إن كان من ينتسب إلى العلم فإنه يستحقر غيرهم من هو من أهل العلم، ويرى أنهم لا شيء عنده؛ بسبب تكبره، يغتر بما معه من علم أو ما معه من محفوظات. فلهذا تجده يبغي، يقع في البغي، وهو الظلم والاعتداء، هذا من آثار الكبر، ومن آثار العجب أنه يعتدي على غيره، فتجده يستحقر غيره: فلان هذا مسكين ما عنده شيء، وذاك جاهل ما يفقه، وذاك ما يحسن أن يحفظ أربعين حديثا، وهذا كلامه فسوة عجوز، إلى مثل هذه الاستحقارات، ومثل هذا الاحتقار بسبب العجب وبسبب الكبر. فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يبغي بعضكم على بعض»، يعني: إذا حصل التواضع فإنه لا يحصل البغي، لا يحصل البغي والاعتداء. فالمتواضع ما يحب أن يترفع على أحد، بل تجده خافض لجنبه، ويعامل غيره بالمعاملة الحسنة، ويعلم أن ما أوتيه هو من فضل الله سبحانه وتعالى، وأن بقاء هذه النعمة هو بشكر الله عز وجل. فلهذا لا يترفع على غيره، وإذا لم يترفع لم يعتدي ويظلم، وإنما يقع البغي ممن حرم التواضع، وصار من خلقه الكبر والعجب، فهو الذي يبغي على غيره ويعتدي ويظلم. فينبغي للمسلم، وطالب العلم على وجه الخصوص، أن يحرص على التواضع، وأن لا يتكبر، ولا يغتر بما معه من علم، أو بما أوتي من قوة حفظ، أو من شدة ذكاء أو فهم. قال رحمه الله: باب المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان، قال: حدثنا عمرو مرزوق، قال: أخبرنا عمران وهو القطان، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار، قال: قلت: يا رسول الله، الرجل يسبني؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان». وهذا الحديث صححه شيخ الألباني رحمه الله. وفيه إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن المستبان شيطانان، يعني: الذان يقعان في السب، فيسب كل واحد منهما الآخر، فهما يعملان عمل الشيطان، فهما شيطانان يتهاتران، يعني: يتكلمان بالباطل، فكل واحد يرمي الآخر بما ليس فيه، ويتهم الآخر بما ليس فيه، وهكذا أيضا يتكاذبان، يعني: يقعان في الكذب؛ لأن كل واحد يريد أن ينتصر لنفسه. قال: وحدثنا أحمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثني إبراهيم، عن حجاج بن حجاج، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله، عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد». فقلت: يا رسول الله، أرأيت لو أن رجلا سبني في ملأ هم، أنقصوا مني، ورددت عليه، هل علي في ذلك جناح؟ قال: «المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان». وهذا الحديث أصل في مسلم دون ذكر السب، وأمر الكلام عليه. قال عياض: وكنت حربا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأهديت إليه ناقة قبل أن أسلم، فلم يقبلها، وقال: «إني أكره صدقة المشركين». والحديث صحيح، وهو كذلك في السنن. وفيه أنه رضي الله تعالى عنه أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام ناقة قبل أن يسلم، يعني: في حال كفره، فردها النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقبلها، وقال: «إني نهيت أو إني أكره صدقة المشركين». وصدقة المشركين يعني: عطاياهم وهداياهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام كره هدايا المشركين وعطاياهم، وجاء في بعض الروايات وبعض الأحاديث الأخرى أنه قبل بعض هدايا المشركين. واختلف أهل العلم في الجمع بين هذه الأحاديث على أقوال، منهم من قال: إن المنع ما إذا كانت الهدية خاصة، والجواز إذا كانت الهدية عامة، يعني: لسائر المسلمين. وقيل: بالنسخ، فأحاديث الجواز ناسخة لأحاديث المنع، وقيل: بالعكس، أحاديث المنع ناسخة لأحاديث الجواز، وهذا القول ضعيف أيضا، والذي قبله كذلك ضعيف؛ لأن من الهدايا التي قبلها النبي عليه الصلاة والسلام ما كانت له خاصة. وأما النسخ فإنه لا يصار إليه إلا عند عدم إمكان الجمع، وما دام أن الجمع ممكن فلا نسخ. وقيل: إن المنع من قبول هدايا المشركين إذا كان المقصود منها التودد والموالاة، فإنها لا تقبل، وأما إذا كان المقصود منها حصول التأليف للإسلام فإنها تقبل، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأحاديث. وقال الحافظ رحمه الله: الأصل هو المنع من قبول هدايا المشركين، إلا إذا كان في ذلك مصلحة خاصة أو عامة، إذا كان في قبولها مصلحة، كتأليف هذا الكافر، وتأنيسه لدخوله في الإسلام، ونحو ذلك، فإنها تقبل، وعلى ذلك تحمل الأحاديث التي فيها قبول هدايا المشركين. قال: بَابُ سَبَابِ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرني يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد بن مالك، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «سباب المسلم فسوق». والحديث أصله في الصحيح. قال: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا فليح بن سليمان، قال: حدثنا هلال بن علي، عن أنس، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا لعانا ولا سبابا، كان يقول عند المعتبة: «ما له ترب جبينه». والحديث صحيح، وفي صحيح الإمام البخاري. وفيه يذكر أنس رضي الله تعالى عنه ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من خلق، وأنه ما كان عليه الصلاة والسلام فاحشا، يعني: فاحش القول، يتكلم بالكلام السيء، ولا لعانا، يعني: يلعن، ولا سبابا، يعني: يسب ويشتم، ما كان هذا من خلق النبي عليه الصلاة والسلام. كان يقول عند المعتبة، يعني: عند العتاب، إذا أراد أن يعاتب أحدا: «ما له ترب جبينه»، يعني: وضع جبينه في التراب، وهذه كلمة تجري على لسان العرب، ولا يريدون منها حقيقتها، وإنما يراد بها فقط ظاهرها، كلمة تجري على لسانهم هكذا. كان عتاب النبي عليه الصلاة والسلام كلمات لطيفة، لا يراد منها حقيقتها، ما كان سبابا ولا لعانا، ولا كذلك فاحشا عليه الصلاة والسلام. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، أن يكون حسن الكلام، وإذا عاتب يكون حسن العتاب، ما يكون مثل بعض حال الناس، وإلاسف أنه ربما ينتسب إلى العلم، إذا سب أطلق لسانه بلا خطام ولا زمام، تسمع السباب والشتائم القذرة التي ربما يتنزه عنها من كان في الأسواق والشوارع، من تلك السباب والشتائم القبيحة، فهذا مما ينبغي أن تنزه عنه المسلم، وأن يحفظ لسانه من مثل ذلك.