شرح كتاب التوحيد 79

شرح كتاب التوحيد 79

الدرس في شرح كتاب التوحيد 79، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الرزق في الإسلام

الرزق في الإسلام يشمل كل ما ينتفع به الإنسان، وليس مقصورًا على المال. يشمل ذلك الزوجة الصالحة والأولاد والصحة والأمان.

تقسيم الرزق إلى عام وخاص

الرزق ينقسم إلى رزق عام يشمل جميع المخلوقات، ورزق خاص يختص به الله من يشاء من عباده. نعمة الدين والإيمان من أعظم الأرزاق.

التوجه لله في طلب الرزق

يجب التوجه إلى الله وحده لطلب الرزق دون اللجوء إلى السحرة أو الأضرحة. الله بيده الرزق وهو القادر على كل شيء.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويُتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع إقرار بأن الله تعالى هو الأعلم.

  • 20 جمادى الآخرة 1444هـ - 12/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾، أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في معرض كلامه على باب من الشرك أن يستغيث أو يدعو بغير الله. وهذه الآية التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى قد أخذها المؤلف رحمه الله تعالى من حوار قد جرى بين إبراهيم الخليل عليه السلام ومع قومه من أهل الكفر والتنديد ممن كانوا يعبدون الأصنام والنجوم والكواكب. وكان من محاجة إبراهيم عليه السلام لقومه ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى عنه أنه قال: ﴿إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾، فاكتفى المؤلف رحمه الله تعالى بهذا المقطع من الآية. فإبراهيم عليه السلام يحتج على قومه ببطلان الآلهة والمعبودات التي عبدت من دون الله من أنها لا تملك رزقا لا لنفسها ولا لغيرها، فمن أين تستحق الألوهية والربوبية؟ ثم أبان عليه السلام بأن الله هو الرازق جل في علاه، فطلب أن تصرف له النداءات. لأن قوله سبحانه وتعالى: ﴿فابتغوا عند الله﴾، الابتغاء فيه معنى الطلب ومعنى الإرادة ومعنى الدعاء والاستغاثة، ﴿فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾. والرزق، إخواني في الله، كما قال العلماء: هو كل ما ينتفع من حصوله، كل ما ينتفع من حصوله يقال عنه رزق. وليس من الشرط، وهذه للأسف من الأفكار القاصرة التي انقدحت في أذهان كثير من الناس، أنهم حصروا الرزق على المال. المال، يا عبد الله، رزق وليس كل الرزق. فإن الرزق كلمة عامة تشمل كل ما ينتفع بحصوله، كل ما تنتفع منه يا عبد الله يقال عنه رزق. فمثلا الزوجة تعد رزقا، إن حباك الله بزوجة صالحة. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الآخر». فقوله عليه الصلاة والسلام: «من رزقه الله امرأة صالحة»، فجعل نبينا صلى الله عليه وسلم المرأة رزقا؛ لأنك تنتفع بحصولها، تنتفع من حصولها. وهكذا قصة عبد الله، الأولاد والذرية هذه أرزاق. كذلك الأمن والأمان والصحة والمعافاة هذه أرزاق. قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم معافاة في بدنه، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا». هذه الأرزاق الذي يطلبها الإنسان. من أصبح منكم معافاة في بدنه نعمة الصحة والمعافاة، آمنًا في سربه أي آمنًا في جماعته، الأمن والأمان في البلاد والأوطان، عنده قوت يومه، عندك ما يسد به الرمق لك ولأهلك ولأولادك ومن هم تحت يدك، حينها قال عليه الصلاة والسلام: «فكأنما حيزت له الدنيا». فهذه أرزاق إخواني في الله، فهذه أرزاق. فليس من شرط الرزق أن يكون مالا، بل إن الرزق يكون كل ما ينتفع من حصوله. لكن هذا الذي سمعتموه يعبر عنه العلماء بالرزق العام، بالرزق العام، والذي يعطيه ربنا جل وعلا لكل أحد من خلقه، حتى الكافر، حتى الكافر يعطيه ربنا جل وعلا من هذه الأرزاق. فتجد الكافر يتزوج، تجد الكافر له الأولاد، تجد الكافر له متاع من حظ الدنيا له، وله هذه من أي من الله عز وجل، حباه ربنا ورزقه الله. إذ أن هذا من الرزق العام التي تشترك فيه جميع الكائنات والمخلوقات. وهناك رزق خاص، رزق خاص، وهو الذي يخص ويختص به من شاء من عباده، ليس كل أحد. وما يكون من نعمة الدين والإيمان والتقى والبر والهدى، هذه نعمة رزق، لكن لا ينالها كل أحد، إنما ينالها من أراد الله جل وعلا أن تناله من أهل التقى والصلاح. كونك يا عبد الله مسلما، اعلم أن الله قد حباك بأعظم نعمة في الوجود أن جعلك مسلما موحدا، والله أعظم من كونك غنيا أو من كونك معافا. فلو أن أحدا من أهل الإسلام ابتلاه الله بسلب النعم والأرزاق عنه، فجعله فقيرا متقعا، أو جعله طريدا مشردا، أو جعله طريحا مريضا، لكنك يا عبد الله حباك الله بالإسلام، فاحمد الله، احمد الله نعمة عظيمة. أو أن جعلك من أهل الصلاح، من أهل الصلاح، احمد الله ولو كنت على هذه الحالة من الضيق والضنك؛ لأن نعمة الدين من أعظم نعم الدنيا. فما يغنيك يا عبد الله لو أن الله أعطاك أموالا وعطاك ذرية وأولادا وعطاك صحة ومعافاة، لكنك فاجر أو كافر؟ ما الذي يغنيك؟ والله ما يغنيك شيئا، متاع قليل، سنوات قلائل في الدنيا، ثم بعد ذلك ترجع إلى ربك بكفرك وشركك، هذه المصيبة الكبرى والداهية العظمى. لهذا، إخواني في الله، ينبغي أن يعلم عظيمة هذه الأرزاق التي يمن الله سبحانه وتعالى على من شاء من عباده. فالشاهد أن هذه الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، فهذه الأرزاق العامة والخاصة هي بيد الله جل في علاه وحده، لا أحد ينازعه في هذا قط. وتأمل في أسلوب الآية، الآية تقول: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، وأصل الآية: ﴿فابتغوا الرزق عند الله﴾ هكذا التركيب، لكن جاءت الآية بتقديم لفظ الجلالة: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، قال العلماء: هذه إشارة لفظية بلاغية، وهو قاعدة عند أهل البيان واللغة والبلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص. فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، فبدل أن تكون الآية: ﴿فابتغوا الرزق عند الله﴾، فأصبحت: ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، دل على أن الله هو الذي اختص جل وعلا بأن يرزق العباد كيف شاء سبحانه وتعالى. فإذا علم العبد هذه الحقيقة، حينها التجأ إلى الله سبحانه وتعالى في دعائه وفي استغاثاته؛ لأن ما من أحد يستغيث ويطلب الغوث إلا وهو يطلب المدد، يطلب العون، يطلب الرزق من الله. فإذا أردت يا عبد الله المعونة والأرزاق، فاطلبها من ربك سبحانه وتعالى. فإذا أردت أن تدعوه وأن تستغيثه، فعليك أن تستغيث بالله وحده؛ لأن الله جل وعلا بيده الرزق، قل: «اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير». ثم بعد هذه، إخواني في الله، بعد هذه الأمور الواضحات، وبعد هذه القواعد الجليات، يأتي أناس ممن هم من أهل الإسلام، لكن يفعل بما عليه أهل الجاهليات. تجد أن من الناس مثلا إذا أراد رزقا لا يتوجه إلى الله، بل منهم من يتوجه إلى السحرة وإلى المشعوذين. وسل وانظر من الذي يأتي عند أبواب السحرة والكهان وأهل الشعوذة؟ ذاك يطلب الولد، ذاك يطلب المدد، ذاك يطلب الرزق من أي من عند ساحر؟ دعك من الأمور الشرعية، دعك من الأمور الدنيوية. هذا الساحر كيف يعيش؟ وكل السحرة ابتلاهم الله جل وعلا بفقر الدنيا، سلب عنهم الله نعمة الدنيا لخبث ما هم عليه. فتجد أن هذا الساحر وهو يتكفف الناس، يطلب منهم الأموال حتى يعينهم في سحرهم، ويعطيك ماذا؟ يعطيك دنيا، يعطيك أموال، يعطيك أولاد، يعطيك هو ما أعطى لنفسه، هو ما أعطى لنفسه، يعيش في هم وغم، يعيش في كهوف، بعضهم في غارات وفي مغارات، ما يجد ما يقتات به. ثم بعد ذلك تظن، يا عبد الله، أن هذا الرجل الموحش هو الذي يعطيك الدنيا؟ لا والله، ما يعطيك شيئا، وإنما يضحك على المغفلين كأمثال من يأتيه. أو أناس لربما يشد الرحال إذا أراد الولد وطلب المدد، شد الرحال إلى العتابات، وانطرح بين الرفات، ويطلب من هذا ومن ذاك يطلب منه الولد ويطلب منهم المال. ولا زال ينتقل من ضريح إلى ضريح، فإذا يأس من ضريح قيل له: ألا هناك في المنطقة الفلانية ورجل صالح مجرب، ترياق المجرب يعطيك ما تؤمل، فيذهب إلى ذاك من ضريح. فإن يأس دل على ضريح آخر، فلا يزال ينتقل بين الأموات، بين من بين الأموات. وهذا الميت لما كان حي كان كذلك فقيرا، ولو كان صالحا كان فقيرا، كان معوزا، لربما كان منهم من يعيش فيهم من عاش عقيمًا، من عاش فقيرا، من عاش مريضا عليلا، ما نفع نفسه. ثم إذا مات ينفعك، يا أيها الحي؟ لكنها الغفلة وتلاعب الشيطان بخلق الله. فاعلم يا عبد الله حقيقة هذه الآية، فالله جل وعلا يطلب من خلقه جميعا من أراد الرزق، أي رزق كان، من العام ومن الخاص، من الأولاد والأزواج والصحة والمعافاة، نعمة الدين، من الهداية والتقى ومن رقة القلوب ومن مغفرة الذنوب، كل هذه الأرزاق إنما هي بيد الله. لهذا أمر الله جل وعلا أن تصرف له وحده، ﴿فابتغوا عند الله الرزق﴾، هذا ما يذكر إخواني في الله في فهم هذه الآية، وفي الاستدلال الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، بدلالة على أن الاستغاثة والدعاء ولا تكون إلا في طلب الأرزاق، فإنما تكون لله وحده. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.