شرح كتاب التوحيد 78

شرح كتاب التوحيد 78

الدرس في شرح كتاب التوحيد 78، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم دعاء غير الله وشرح الآية الكريمة

يشرح هذا الفصل معنى الآية الكريمة "ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك" ويبين تحريم دعاء غير الله. يشمل النهي كل أنواع الدعاء والاستغاثة.

تحليل معنى الظلم والشرك في القرآن

يفسر هذا الفصل معنى الظلم والشرك في القرآن ويحلل الآيات القرآنية مثل ﴿فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾ و﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾.

التحذير من دعاء غير الله وبيان حقيقة الاستغاثة

يحذر هذا الفصل من دعاء غير الله ويوضح أن الله هو الكاشف للضر، ويبين أن حصول المراد عند دعاء غير الله قد يكون فتنة أو ابتلاء.

خاتمة والتحذير من الشرك في الدعاء

يختم هذا الفصل بالتحذير من الشرك في الدعاء ويعتبر الدعاء بغير اسم الله تعالى ظلمًا، ثم يدعو للنفس ويصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

  • 20 جمادى الآخرة 1444هـ - 12/01/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية في باب بياني أن من استغاث بغير الله أو دعا غير الله فقد أشرك، وأشرنا إلى مسائل الباب وفوائده. وأورد رحمه الله تعالى هذه الآية، وهي من أوائل استدلالاته على صحة تبويبه، فإن من استغاث بغير الله فقد وقع في الشرك. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تدع من دون الله﴾، ولا تدع هنا لا للنهي، والنهي هنا يصلط على الفعل، والقاعدة البلاغية أن النهي إن تصلط على فعل من الأفعال فإنه يعم هذا الفعل. مثاله لو قيل لك: يا فلان لا تأكل، يا فلان لا تشرب، فقوله: لا تشرب نهي عن تناول أي شيء يدخل في حكم الشراب. لا تأكل، لا تلعب، لا تتحرك، لا، فالنهي إن تصلط على الفعل شمل وجمع كل ما يدخل في هذا الفعل. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فلا تدعو﴾ نهي عن الدعاء، يدخل في ذلك كل ما كان من مسمى الدعاء. وأشرنا أن الدعاء هو الطلب، فدخل في ذلك الاستغاثة، دخل في ذلك دعاء المسألة، دخل في ذلك دعاء الطلب، دخل في ذلك الابتهال، دخل في ذلك النداء، دخل في ذلك التضرع، كل ذلك ما يكون من جنس الدعاء ما ينبغي لعبد الله أن يصرف لغير الله. فقال سبحانه وتعالى: ﴿فلا تدعو من دون الله﴾، أشرنا إلى أن هذه الكلمة "من دون الله" بمعنى غير الله أو مع الله، فدون تأتي بمعنى مع وتأتي بمعنى غير. فلا تدعو من دون الله أي لا تدعو مع الله أو لا تدعو غير الله، وهذا الغير يشمل كل أحد، يدخل في ذلك الأنبياء، يدخل في ذلك الأصفياء، يدخل في ذلك أهل الصلاح والملائكة، كل أحد ما يدخل في النهي أنك لا تتوجه إليه بنوع من أنواع الدعاء أبدًا. فقال سبحانه وتعالى: ﴿ما لا ينفعك ولا يضرك﴾، ما لا ينفعك ولا يضرك كما قال المفسرون، هذا الوصف يدخل فيه جميع الخلق، فكل مخلوق هذا وصفه لا ينفع ولا يضر. لا ينفع ولا يضر، فما هناك أحد له نفع استقلالي يستطيع أن ينفعك بنفسه. فما تراه يا عبد الله من منافع حصلت لك على أيدي أناس، اعلم أنهم ما هم إلا سبب، والنافع الحقيقي هو الله جل في علاه. وما من ضر ابتليت به على أيدي بعض الناس، اعلم أنهم ما هم إلا سبب، فالضار جل في علاه هو الله. فالله هو النافع الضار، وأما الخلق فهم لا ينفعون ولا يضرون استقلالًا. ولهذا جاء في الحديث: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك". هذا الذي أراده الله عز وجل فكان سبحانه وتعالى، فما هناك أحد ينفعك إلا الله، وما هناك أحد يضرك إلا الله سبحانه وتعالى. فقال سبحانه وتعالى واصفًا: ﴿فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾، أي إن حصل ذلك منك فتوجهت إلى بعض خلق الله ممن لا يضر ولا ينفع، وكلهم كذلك، فتوجهت إليه بالدعاء. قال سبحانه: ﴿فإنك إذا من الظالمين﴾، والظالم اسم فاعل من الظلم، والظلم هنا بمعنى الشرك. فالظالم هنا أي المشرك الكافر. والدليل على أن الظلم بمعنى الشرك ما جاء في قوله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، أعظم الظلم، أعظم الظلم في الوجود هو الشرك بالله سبحانه وتعالى، هو الذي يخلق، هو الذي يرزق، هو الذي يعطيك، هو الذي يحبيك، هو الذي يصطفيك ويجتبيك، ثم بعد ذلك تتوجه لغيره، هذا ظلم عظيم. فالشرك ظلم، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين﴾، أي إنك إذا من المشركين، وهذا في حق من صرف الدعاء لغير الله سبحانه وتعالى. ثم قال جل في علاه: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾، وإن يمسسك الله بضر، وهنا ضر نكرة، والنكرة جاءت في الآية هنا على سياق الشرط، والقاعدة البلاغية أن النكرة في سياق الشرط تفيد العموم. إن يمسسك الله بضر، أي ضر سواء كان هذا الضر من نقص في الأموال، من فقر، أو من عل في الأبدان، من مرض، أو من شدة في المعيشة، أو كربة في الحياة، أو ضيق في متعة الدنيا، أو ما يكون من الأمراض أو الأوبئة الذي فيك أو في أهلك أو في عيالك، ما من نوع من أنواع الضر إلا وهو من الله سبحانه وتعالى. وإن يمسسك الله بضر، أي ضر، فهو من الله عز وجل. لكن تأمل في الآية، الله عز وجل ينزل الضر والشدة والكربة على من يستحق ذلك إما عقوبة أو ابتلاء. لكن تأمل في تعبير القرآن: ﴿وإن يمسسك الله﴾، مس دلالة على رحمة الله في خلقه سبحانه وتعالى، أي أن الله جل وعلا ما يصيب العبد كل ما يستحقه من عقوبة، وإلا لهلكنا، لكان الهلاك في حقنا، لأهلك الله جميع الخلق بذنوبهم وبجرمهم. لكن الله عز وجل من رحمته يلقي علينا من العذاب ما هو قد عبر عنه في هذه الآية بأنه مس. ﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ رحمة، رحمة من الله سبحانه وتعالى لعموم خلقه. قال: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو﴾، وهذا هو مقام الاستغاثة. قد أشرنا في بداية الدروس على أن الاستغاثة هو طلب الغوث، والغوث هو إزالة الكربة والشدة والمضرة. فمن استغاث وأراد أن يغاث، فاستغثت يا عبد الله في رفع مشقة أو شدة أو كربة أو رفع مضرة، اعلم أن الرافع لها هو الله سبحانه وتعالى. ﴿فلا كاشف له إلا هو﴾، وتأمل هذا الأسلوب القرآني، هذا الأسلوب أسلوب إثبات، لكن جاء على سياق الحصر. وهذا السياق الحصر يعتبر من أعظم وأقوى أساليب الحصر في اللغة العربية، وهو الاستثناء بعد النفي. الاستثناء بعد النفي: ﴿فلا كاشف إلا هو﴾، لا كاشف إلا هو، هذا يسمى استثناء بعد النفي، هذا من أعظم صور الحصر، مثل: "لا إله إلا الله"، أعظم صور الحصر فيها الإثبات لله جل وعلا. وهكذا في هذه الآية: ﴿فلا كاشف له إلا هو﴾ سبحانه وتعالى، أي أن الكاشف للضر هو الله، وما هناك أحد يزاحمه جل في علاه. وإن الإنسان متى ما تحقق من هذا المعنى، فعلم أن الله هو الذي يقدر عليك الضر، وهو بالمقابل هو الذي يرفع عنك الضر، إذا ما الذي بقي؟ ما بقي يا عبد الله إلا في أول أمرك الرضا والاستسلام، وفي الثاني أنك تستغيث بالله جل في علاه. وهذه الآية قطعت جذور الشرك، قطعت جذور الشرك. فعلى ما يا عبد الله تذهب يمنة ويسرة؟ والله هو الكاشف، الله عز وجل هو المنقذ لك من هذه المواقف ومن هذه المصائب والكربات. فقال سبحانه: ﴿فلا كاشف له إلا هو﴾. وتأمل يا عبد الله أيضًا من فوائد هذه الآية أن هذا الخطاب في حق من؟ قال سبحانه: ﴿فإن فعلت﴾، القرآن يخاطب من؟ في هذه الآية يخاطب نبينا عليه الصلاة والسلام. أي إن صدر هذا منك، وحاشا وحاشا لرسول الله أن يصدر منه شيء من ذلك، لكن إياك أعني واسمعي يا جارة. وإن كان الخطاب موجهًا لرسول الله، لكن المراد بالخطاب هو غيره. فقال المفسرون: إن كانت هذه الآية فيها التحذير لرسول الله من أن يدعو غير الله، فما ظنك بغيره؟ فما ظنك بغيره؟ فلا يجوز لأحد كائنًا من كان. ولا تستدل يا عبد الله بعد ذلك وأنت قد تحتج بأن فلان وفلان من أصحاب العمائم ومن أصحاب الجبب، وهم في المزارات يستغيثون ويلهجون. قل ولو، ولو، فإن هأواء الظلمة لقول ربنا عز وجل: ﴿فإن فعلت﴾، وما هناك أحد أرفع من رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد من ذلك إخواني في الله أن هذه الآية فيه بيان على أن من أراد أن يستغيث في إزالة الضر وكشف الكرب، فعليه أن يستغيث بالله، لأن الله جل وعلا هو الذي وحده يكشف الضر. هنا مسألة إخواني في الله أختم بها المقام. قد يقول قائل: فما تقول يا عبد الله في الذي نحن نراه نذهب إلى العتبات نذهب إلى المزارات، وانبطحنا وانطرحنا بين فراتها بين أبوابها وبين سدنتها وسألناها، فحقق لنا الرجاء، ذاك الذي أراد الولد جاءه الولد، وذاك الذي أراد المال والمدد فرزق الأموال، هذا قد وجدناه، فماذا تقول؟ نقول إخواني في الله أن هذا إن حصل وقد يحصل، لكن حصوله ليس الدلالة على الرضا، بل إن هذا قد يحصل من باب الفتنة ومن باب الابتلاء ومن باب الاستدراج. فلا تغتر يا عبد الله بما قد تسمعه من غيرك أو بما تظن أنه قد وقع لك بأنك يومًا من الأيام لهجت بس بغير الله فتحقق لك المراد، لا تستأنس بهذا يا عبد الله، فهذا فتنة وابتلاء. لماذا نقول فتنة وابتلاء؟ لأن الله قال لك في أول الآية: ﴿فلا تدعو﴾، نهاك، نهاك عن ذلك. فكيف يا عبد الله أنت تسترضي أمرًا لنفسك ربك جل وعلا قد حرمه عليك؟ فإن أبيت، فإن أبيت إلا والولوج في النهي والتحريم، وفي هذه الظلمات، إذن سيستدرجك ربك، وأملي لهم إن كيدي عظيم. فلو أن هذا الأمر محل رضا لما نهى الله عنه، لكن في قوله: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك﴾، شمل النهي كل أحد من خلق الله. فانتبه يا عبد الله في هذا المقام من أنك تزل، أن تزل قدمك فتستغيث وتهتف بغير اسم الله. ﴿فإن فعلت فإنك إذا حينها تكون من الظالمين﴾. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.