الدرس في شرح كتاب التوحيد 81، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل وجوب صرف الدعاء والاستغاثة لله تعالى، ويبين أهمية الإخلاص في الدعاء خاصة في حالة الاضطرار. يُظهر أن الله وحده هو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف السوء عنهم.
يتناول هذا الفصل أهمية دعاء الله في حالة الاضطرار والإخلاص له، ويبين أن الله يحب أن يسمع من عبده التضرع والإلحاح في الدعاء، ويرد على اعتقاد باطل بأن الله يعلم بحال العبد ويغنيه عن السؤال.
يقارن هذا الفصل بين حال الكفار الذين يلجأون إلى الله في الشدائد وحال بعض المسلمين الذين يلجأون إلى الأولياء والصالحين، ويحذر من الشرك بالله في طلب المدد والاستغاثة، ويبين أن الله يجيب المضطرين.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل، ويشير إلى صلاة الله على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله جل في علاه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى، وهو يستعرض لنا الأدلة الدالة على وجوب الاستغاثة والدعاء لله جل في علاه، وأن صرفها لغير الله يعد من الشرك الأكبر، وذلك إذا كان دعاؤك فيما لا يقدر عليه إلا الله جل في علاه، فلا يجوز صرفه لغيره سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية دلالة واضحة على وجوب صرف الدعاء والاستغاثة لله سبحانه وتعالى، فقوله جل في علاه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، هذا يسميه العلماء استفهام إنكاري، هو نعم سؤال، لكن خرج مخرج الإنكار، من هذا الذي يدعي أن بإمكانه أن يجيب المضطرين؟ فقال سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾، المضطر هو من أصيب بضرر، ومن ابتلي بشدة، هذا هو المضطر، ومن أهل التفسير من قال في تعريف المضطر: هو كل من لا حول له ولا قوة، كل من لا حول له ولا قوة هذا المضطر، أي من أصيب بضرورة فلا يملك لنفسه قدرة على إزالة ما ابتلي به من مشقة. قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وهذا هو الشاهد، من هذا الذي يجيب المضطر إذا توجه له بالدعاء؟ هو الله سبحانه وتعالى، ولهذا في تمام الآية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾، فدل على أنه لا إله إلا الله، ولا مغيث للعباد إلا هو، ولا مجيب لمن سأله إلا هو سبحانه وتعالى، فلا أحد يجيب المضطرين سوى الله. قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، وكل ذلك من أفراد الاستغاثة، قد ذكرنا في دروس خلت أن الاستغاثة نوع من أنواع الدعاء، إلا أنه يختص بدعاء الله جل وعلا بدفع ورفع الشدة والكرب والمضر، فهذه الآية دلالة على أن الله عز وجل هو الذي يجيب دعاء المضطرين من المستغيثين به سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية من المسائل، إخواني في الله، في قوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾، فيه أن الله سبحانه وتعالى أرجى ما يكون منه الاستجابة لدعاء عباده إذا كان في حال الاضطرار، إذا كان في حال الاضطرار، ولماذا هذه الحالة أرجى ما تكون منه الاستجابة؟ قال العلماء: لأن المضطر قد تقطع قلبه بأي العوائق، قد تقطع قلبه بكل العوائق، فما تعلق قلبه بأحد، هذا المضطر، فالمضطر لربما في سعته قد تكون عنده عدة جهات يركن إليها، لكن إذا وصل إلى حالة الاضطرار فلا يبقى معه إلا الإخلاص. ولما يكون العبد في غاية من الإخلاص، فهنا تأتي الاستجابة من الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، الإنسان إذا وصل إلى حالة أنه يجد ويرى الهلاكة نصب عينيه، يصعد إلى عباب البحار، فيرى الأمواج تطاطم أمامه كالجدران، بل أصبحت كالظل عليه، حينها يأس من الحياة، فما يبقى معه إلا الصدق والإخلاص، فيتضرع ويلجأ إلى الله سبحانه وتعالى، هنا في قمة الإخلاص وقمة التعلق بالله تأتي الإجابة. ولهذا، إخواني في الله، فمن أرجى ما يكون من إجابة الداعي أنك تدعو الله جل وعلا دعاء المضطر، ولهذا تجد من الناس من يرى إذا أراد أن يدعو ربه جل وعلا يحكي عن نفسه ويذكر وصفه في دعائه، يقول: يا رب دعوناك دعاء المضطر الذليل، لماذا يقول دعاء المضطر؟ لعلمه أن الإنسان متى ما كان مضطرًا فسأل الله تأتي له الإجابة، لأن الإنسان في حالة الاضطرار يكون في غاية من الإخلاص. وهذا فيه فائدة لنا جميعًا، إذا أردت يا عبد الله أن الله يستجيب منك الدعاء، فليكن هذا حالك، تدعو الله كدعاء المضطر، أو كما يعبر بعض العلماء: وكما جاء في الآثار: تدعو الله كالغريق، الغريق الذي يكون في وسط المحيطات، فما هناك شيء يتشبث به، يرى الهلكة هنا، إذا دعا الله عز وجل بهذا القلب المحترق، فالله عز وجل يجيب دعوتك. فأحيانًا، إخواني في الله، يكون العيب في دعائنا، ما يكون من عدم الإخلاص، ومن عدم الإذلال بين يدي الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَا﴾، إذا لا بد يا عبد الله أنك تتحرى هذا الوصف. ثم في قوله تعالى: في بيان على أن المضطر إذا أراد أن الله يعينه، فعليك يا عبد الله بالدعاء، تدعو الله سبحانه وتعالى، لأن من الناس، إخواني في الله، وهذه من المعايب العظيمة، تجد أن من الناس من لربما تحفه من الخطوب والكروب والهموم والغموم ما الله به عليم، لكن ما يدعو الله، ما يلتجئ إلى الله، ما يبث أحزانه وأجانه إلى ربه. حتى أن من الناس، وهذه من الغفلة العظيمة، لربما يستدل بحاله على ذلكم الحديث الموضوع الذي يشتهر عند العامة، في أن إبراهيم -ويحكى ذلك عن رسول الله- عندما نزل عليه جبريل وأكثر ما تذكر هذه القصة عن إبراهيم عندما كان في المنجنيق وأراد قومه أن يرموه في النار، كربة عظيمة، نزل عليه جبريل عليه السلام قائلاً: «يا إبراهيم ألك حاجة؟» قال: «أما منك فلا، وأما من الله فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي»، هذا الموضوع ما يثبت، وهذه القصة بهذا السياق ما تثبت. وهذا الذي يتكئ عليها بعض العامة يقول: «علمه بحالي يغنيه عن سؤالي»، ما معنى هذا الكلام؟ أي أن الله بما أنه يعلم حالي وما أنا عليه من الهم والغم يغنيه أني أسأله، ما في داعي أني أدعو الله، هل هذا صحيح؟ لا يا عبد الله، هذا باطل، هذا معنى باطل، ومن أعظم ما ترده هذه القصة المكذوبة الواهية، هذه الآية التي بين أيدينا، قال سبحانه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، الله يحب أن يسمع من عبده التضرع، بل إن الله يحب الملحين في الدعاء، كما جاء ذلك في بعض الآثار، يحسنها جماعة من أهل العلم. فالله يحب من عبده الإلحاح، تدعو ثم تدعو ثم تدعو ثم تدعو، فإن ذلك دلال على وحدانيتك، لعلمك أنه لا رب إلا الله، هو الذي يجيب المضطر ويجيب الدعاء، فما يتداوله بعض العامة من تلك القصة «علمه بحالي يغنيه عن سؤال» كذب، بل علمه بحالك يا عبد الله يضطرك إلى أن تدعو الله، تدعو الله، تدعوه في جوف الليل، تدعوه في أدبار الصلوات، تدعوه في أوقات الإجابات، تتفنن في إقبالك على ربك سبحانه وتعالى، فافهم هذا يا عبد الله. وما عليه الكثير من الناس بين تركهم للسؤال والدعاء متكئين على هذا الفهم المعكوس، فهذا باطل، وقال سبحانه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، إذن هذا الشرط معلق بهذا المشروط، وهو أنك تدعو ربك عز وجل، فإن دعوت الله فالله سبحانه وتعالى يجيب دعاء المضطرين سبحانه وتعالى. قال: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، وفيه بيان كذلك على أن من أحوال الكفار، مع كفرهم ومع عبادتهم للأصنام والأوثان والأنداد، إلا أنهم في وقت الضرورة يلتجئون إلى الله، مع كفرهم وعبادتهم للأصنام والأوثان، وهذا في حال السعة والراحة، لكن إذا ضاقت عليهم الأمور وحفت عليهم الهموم واضطربت عليهم الأمور، فحينها لا يبقى معهم إلا ما في القلب، وهو التعلق بالله. هذا حال الكافر كما ذكر ربنا عز وعلا: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، هذا حال الكافر المشرك، لكن للأسف، إخواني في الله، أن تجد ممن هم من ينتمي لهذه الأمة على عكس ذلك، الكافر إذا أصيب بالهموم والخطوب رجع إلى ربه، لكن ما نرى من مشرك هذا الزمان ممن تعلق قلبه بالأولياء والصالحين، إذا ضاقت عليه الأمور لربما اشتد تمسكه بالأولياء والصالحين أعظم من تمسكه بربه. وكم هي الحكايات وكم هي القصص والآثار التي بها الناس يتذكرون هذا الأمر، تتطام عليهم الأمواج ويخشون من الغرق، إذ بهم يلتجئون ويطلبون المدد من فلان وفلان، سبحان الله، الكافر لربما وقع في هذا، لهذا يعبر جماعة من العلماء أن شرك أهل هذا الزمان أعظم شركًا من ذي قبل، من خلال بعض الحيثيات، ومن هذه الحيثية أن المشرك القديم إذا ضاقت عليه الأمور رجع إلى ربه، أما في مشرك هذا الزمان إذا اشتدت عليه الأمور تمسك بمن تمسك به من الأولياء والصالحين. وهذا من أعظم الشرك ومن أعظم الكفر، وكم سمعنا وكم ذكرنا وقد علمنا مما يتناقله القوم أنهم يتفاخرون فيما بينهم، حتى قال قائلهم: وكان يستجير ويستغيث بغير الله، فلما أنكر عليه وأمر بأن يدعو الله وحده، قال: «يا فلان لقد دعوت الله ست سنين فما أعطاني شيئًا، ولما دعوت الولي الفلاني رزقني بتوأمين»، أي كان هذا الرجل يشتكي من العقم وأراد الذرية، فيحتج بأنه دعا الله ست سنين فما أعطي له ولد، لكن لما دعا الولي الفلاني أعطي ورزق بتوأمين. ما الذي يراد من ذلكم؟ على أن الولي أسرع استجابة من الله سبحانه وتعالى، هذا الذي يقرره هؤلاء في أذهان وقلوب أتباعهم، بأن مقام الولي أعظم المقامات، ولهذا هم يتشبثون بهم في كل الأمور، في السراء والضراء وفي الشدة والرخاء، فكانت تربيتهم أعظم من تربية المشركين لأنفسهم. فالشاهد، إخواني في الله، في هذه الآية الكريمة، يذكر ربنا سبحانه وتعالى أن من صفاته جل وعلا أنه يجيب المضطر إذا دعاه، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد أن رجلاً قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله إلى ما تدعو؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أدعو إلى الله وحده، الذي إن مسك ضر فدعوته كشف ما بك، والذي إن ضللت في الطريق فدعوته رد عليك»، هذا هو الله سبحانه وتعالى. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.