الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث ابن مغفل عن قراءة النبي ﷺ سورة الفتح على راحلته يوم فتح مكة مستدلاً به على جواز القراءة في كل حال ومنها الركوب والسفر. كما يبين مواضع كراهة القراءة كدورات المياه والحمامات التي تخالطها النجاسة مع تفريق العلماء بين الحمام القديم والمسابح النظيفة.
كان السلف يستمعون للقرآن في الحمام ودورات المياه دون قراءة تعظيماً لكلام الله ويحرصون على استغلال الأوقات بالاستماع. كما يُنهى عن رفع الصوت بالقرآن إذا أزعج الآخرين لأن كل قارئ يناجي ربه ويجوز القراءة في جميع الهيئات.
أدى نقض قريش لبنود صلح الحديبية بالاعتداء على خزاعة إلى استنجاد عمرو بن مالك بالرسول فبشره بالنصر وتجهز النبي لفتح مكة الذي تم دون قتال. كما أشار المقطع إلى حرص السلف على الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان اقتداءً بالنبي الذي كان يدارس جبريل القرآن.
يجب على المسلم أن يجتهد في طاعة الله وقراءة القرآن من أعظم الأذكار التي يتقرب بها العبد إلى ربه. كما أن دراسة العلم وطلبه حاجة دائمة للإنسان في كل وقت ولا يستغني عنها المؤمن أبداً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. قال الإمام البخاري رحمه الله: باب القراءة على الدابة. قال: حدثنا حجاج بن منهج، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو إياس، قال: سمعت عبد الله بن مغفل، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح. وهذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري باب القراءة على الدابة، والمقصود أن الإنسان يقرأ القرآن في كل أحواله، كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من التعاهد، وأيضا من استمرار القراءة، وأيضا تثبيت الحفظ، فيقرأ في كل شيء، يمشي في ركوبه إذا ركب الدابة أو المركوب ك السيارة وغيره، فيقرأ القرآن؛ أولا لأنه أجر، وكذلك يستثبت بهذا القرآن، وأيضا يتعاهده، وأيضا لأجل كثرة القراءة، لأن كلما قرأ الإنسان كلما كان أجره عظيما، واشتغالا للوقت، يستغل وقته في طاعة الله جل وعلا، وخاصة إذا كان كتاب الله جل وعلا، فبكل حرف عشر حسنات، وكلما كانت نية الشخص وإخلاصه لله عز وجل أعظم، كان أجره أعظم. وأيضا ذكر بعض الشراح أن هناك من كره قراءة القرآن في بعض المواضع، ومن ذلك إذا ركب على الدابة، وفي هذا معنى: البخاري يرد على من يقول لا يقرأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفتح وهو على راحلته. وأيضا هناك مواضع أخرى ذكرها العلماء أنه لا يقرأ فيها القرآن، مثل المكان الذي يتخلى فيه، أو ما يسمونه الآن الحمام أو بيت الخلاء، فهذا لا يقرأ فيه القرآن، وقد ذكر كثير من الحنابلة والشافعية تحريم ذلك، لا يجوز له أن يقرأ القرآن في مثل هذا الموضع. وكذلك كرهه جماعة من أهل العلم أن يقرأ في الحمام، والحمام إذا قرأت في كتب العلماء فليس هذا الحمام الذي نقصده، وإنما الحمام هو الذي يكون فيه ماء حار يستحم به الناس، فذلك المكان غالبا يكون فيه مكان للبول وغيره، فيكون فيه أيضا مكان نجاسات، فلذلك الأفضل أن لا يقرأ القرآن في ذلك المكان. لكن إن كان نظيفا وبعيدا عن النجاسات، مثل ما يحصل الآن في بعض المسابح وكذا، فلا بأس أن يقرأ وهو في الماء، يعني وهو يقتسل في الماء يقرأ القرآن. وقد كان السلف يقرؤون القرآن في كل وقت في كل مكان، إلا ما كان كما قلنا هذه الأوقات. وكان بعض السلف إذا دخل الحمام يجعل من يقرأ عليه إما قرآنا وإما من كتب العلم حتى يسمع، والسماع ليس فيه شيء، يعني السماع يسمع فقط، إما قرآن وإما شيء من كتب العلم، لكن لا يقرأ، لا يقرأ، وإنما يستمع. قد كان كثير من الأئمة ما يفعل ذلك، منهم الإمام أبو حاتم، كان إذا أراد أن يدخل بيت الخلاء أعطى ابنه الكتاب وقال له: اقرأ وارفع صوتك حتى أسمعه. وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من العلماء، يريدون أن يحافظوا على أوقاتهم فيسمعون العلم حتى في تلك الأماكن، لكن لا يقرأون لأجل إجلال اسم الله عز وجل وتعظيمه، فلا يقرأ في تلك الأماكن. وأيضا مسألة القراءة في غالب الأماكن، إلا إذا كان هناك تشويش على أحد، إذا كان مثلا إنسان يقرأ في مسجد أو في بيته، مثلا ما ينبغي أن يرفع صوته بالقرآن إلا إذا كان وحده حتى لا يشوش على الناس. وقد جاء عند أحمد وأبي داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي عليه الصلاة والسلام أشرف على أصحابه وقد ارتفعت أصواتهم بالقرآن، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أخفضوا من أصواتكم، فإن كلكم يناجي ربه، فإن كلكم يناجي ربه، يناجي ربه» أي بقراءة القرآن. وكما كان بعض السلف يقولون: من أراد أن يكلم الله فليقرأ القرآن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن، فإن كلكم يناجي ربه». فلهذا هناك أماكن لا يقرأ فيها القرآن، ومواضع لا يرفع فيها صوته بالقرآن، والأصل أنه لا بأس إذا رفع صوته ما لم يكن لأجل الرياء وغيره. وأيضا يقرأ القرآن وهو جالس وهو ماش وهو راكب، فكل ذلك خير عظيم، وهو من ذكر الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾، ومن أعظم الذكر هو كتاب الله جل وعلا. قال: سمعت عبد الله بن مغفل، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على رحلته سورة الفتح. لما دخل مكة قرأ سورة الفتح: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾. واستدل به بعض العلماء أن الفتح في هذه السورة هو فتح مكة، والذي عليه أكثر المفسرين أن الفتح في سورة الفتح هو صلح الحديبية، وهو ليس فتحا لكنه بداية فتح، لكن الفتح الأكبر هو فتح مكة. ولأن صلح الحديبية من أسباب فتح مكة، النبي عليه الصلاة والسلام لما عقد صلحا مع أهل مكة، فعقد أو في بنود العقد أن من أراد أن يدخل في حلف محمد صلى الله عليه وعلى وسلم فله ذلك، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش فله ذلك، أي من القبائل، فدخلت بنو خزاعة في حلف رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، ودخل بنو بكر في حلف قريش. ثم حصل بينهم شيء من النزاع، أي بين بني بكر وبين خزاعة، فقتل بنو بكر بعض أهل خزاعة في الحرب، وساعدهم على ذلك جماعة من قريش، ساعدوهم على قتل هؤلاء الشباب الذين كانوا من خزاعة. فلما عملوا ذلك ذهب عمرو بن مالك الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستنجده في ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن مالك: «لقد نصرت يا عمرو بن مالك». وجاء أبو سفيان وغيره حتى يكمل الصلح أو يعقد الصلح ويواصل فيه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعطيه أو لم يكلمه، وجاء إلى أبي بكر فلم يكلمه، فانصرف. ثم تجهز النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وفتح الله عز وجل هذه الأرض المقدسة المباركة، فتحها على أهل الإسلام، فكان الفتح العظيم والفتح الكبير. فهذا هو لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة كان يقرأ سورة الفتح عليه الصلاة والسلام، وكان يرجع صوته كما قال عبد الله بن مغفل: كان ينطق الألف ويرجعها. وأيضا كذلك فيه أن الإنسان يحاول أن يجتهد في قراءة القرآن، وخاصة في رمضان يقرأ كثيرا؛ لأن الأجور تتضاعف كثيرا، فيجتهد كما كان السلف رحمهم الله. بل قدوة أهل الإسلام نبينا عليه الصلاة والسلام كان يدارس جبريل القرآن في رمضان، وفي السنة التي توفي فيها دارسه القرآن مرتين، فكان السلف اجتهدوا في قراءة القرآن في رمضان. وأيضا بعضهم من يترك العلم، أقصد يترك الحديث، ومنهم من يبقى على الحديث، وأكثرهم يبقى يقرأ القرآن ويجتهد فيه ويبقى في الدروس، لا يزال في رمضان وفي غيره ما يتركون الدروس. لكن جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يتركون، كما قال الزهري رحمه الله: إذا جاء رمضان قال: جاء شهر القرآن. وجاء عن مالك، إلا أن بعض العلماء يضعف ما جاء عن مالك، والذي اشتهر عنه أنه يدرس في رمضان أنه يدرس الحديث في رمضان. المهم أن الإنسان يجتهد في طاعة الله عز وجل، فقراءة القرآن من أعظم الذكر، كذلك دراسة العلم يحتاجها الإنسان في كل وقت، فنكتفي بهذا والله أعلم.