كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 39

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 39

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم

يشرح المقطع حديث المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً جواز نظر الخاطب إلى مخطوبته لتقرير رغبته فيها. كما يستدل بوقعة الصحابي الذي طلب تزويجها على وجوب المهر في النكاح وأنه شرط لصحته، ويجوز أن يكون مالاً أو منفعة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الخاطب بالتماس شيء ولو يسيراً للصداق.

زواج الفقير بالقرآن مهراً

يروي المقطع قصة رجل فقير أراد الزواج فلم يجد ما يصدّق به، فزوّجه النبي صلى الله عليه وسلم بما يحفظه من القرآن، وجعل تعليمه إياها مهراً لها. وناقش العلماء جواز كون المهر نفعاً كتعليم القرآن، وفضل الحفظ على القراءة من المصحف.

فضل القراءة في المصحف مقابل الحفظ

يبيّن المقطع أن القراءة نظراً في المصحف أفضل لكون النظر إليه وأخذَه عبادة، مستدلاً بأقوال ابن مسعود والنووي وغيرهما. وأن الأحاديث المرفوعة في تفضيل النظر غير ثابتة، بينما القراءة عن ظهر قلب مشروعة للمراجعة وتثبيت الحفظ، وكلاهما طاعة وأجره عظيم.

مضاعفة أجر قراءة القرآن في رمضان

في رمضان تتضاعف الحسنات إلى سبعمائة ضعف وأكثر، مما يجعل قراءة القرآن تجلب أجوراً عظيمة للعبد. يختم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب القراءة عن ظهر القلب. القراءة عن ظهر القلب معناه: أي حفظاً، أو ما يقول بعضهم غيباً، أن يقرأ بدون النظر إلى المصحف. قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل الثقفي البغلاني المصري، أبو رجاء، كان حافظاً كبيراً. قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، وهو المدني، يعقوب بن عبد الرحمن المدني. قال: عن أبي حازم، وهو سليم بن جنان، عن سهل بن سعد. أبو حازم الذي يروي عن سهل بن سعد هو سليم بن جنان، وأبو حازم الذي يروي عن أبي هريرة هو سليمان الأشجعي. قال: عن سهل بن سعد أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي. وقلنا: إن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، أذن الله عز وجل بأن تهب المرأة نفسها له صلى الله عليه وسلم. وإن امرأة وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها، خالصة لك من دون المؤمنين، أي هذا أمر خالص وخاص بك. قالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي. قال: فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر إليها وصوبها. وفيه جواز النظر إلى المخطوبة، وأنه يجوز للخاطب أن ينظر إلى من أراد أن يخطبها، أن ينظر إليها من أسفلها إلى رأسها. معنى ذلك: ليس أنه بدون ثياب، لا، بثيابها، لكن له أن ينظر إلى جسمها، له أن ينظر إلى جسمها مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا، فصعد النظر إليها وصوبها. والنبي عليه الصلاة والسلام لم يحدد النظر في المرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي خطب امرأة: «انظر إليها». قال: لا. قال: «انظر إليها، فإنه أدوم لودكما». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام لرجل: «انظر، أو اذهب فانظر إليها، أو إلى ما يدعوك إلى نكاحها، انظر إلى ما يدعوك إلى نكاحها». ولا شك ولا ريب أن ما يدعو الإنسان إلى نكاح المرأة ما يكون من جسمها، مثلاً جمالها، وهذا يكون في الوجه، أو ما يكون من لون بشرتها، وهذا يكون في اليدين. لهذا أكثر ما يرى من المرأة الخاطبة أنه يرى وجهها وكفيها، ولا بأس أن يرى رجليها أو شعرها، فلا بأس بذلك. أما المفاتن، أما مفاتنها، فلا. لكن يجوز له أن ينظر إليها وهي بحجابها، معنى يرى مثلاً قامتها، يرى كذا. قال: فلما رأت المرأة، أو قال: ثم تقطعت نفسه، معنى استحى النبي صلى الله عليه وسلم أن يردها فتقطع نفسه. فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال له: «هل عندك من شيء؟ هل معك شيء تعطيها إياه مهراً؟» وهذا كما ذكرنا يدل على وجوب المهر، بل أنه شرط، أن المهر شرط في النكاح، وهو قول المالكية، لكن ليس شرطاً أن يكون مالاً، ممكن يكون منفعة، وأنه يكون مالاً أو منفعة. قال: فقال: لا والله يا رسول الله، ما عندي شيء. قال: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً، انظر إلى أهلك هل تجد شيئاً تعطيها إياه». قال: فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله. وهذا يدل على فقرهم رضي الله تعالى عنهم، ما وجدت شيئاً. قال: «انظر، ولو خاتماً من حديد»، أنا حتى بخاتم من حديد. قال: فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتماً من حديد، أنا حتى الخاتم من حديد ما عني. قال: «ولكن هذا إزاري». قال سهل: ما له رداء، رداء، فلها نصفه. معنى معه إزار وليس معه رداء، أنتم تعلمون ما يلبسه الحاج: إزار تحت، ورداء فوق. معنى: أحد الثوبين يستخدمه لتغطية أسفل الجسد، والثاني يستخدمه في أعلى الجسد، فالذي يستخدمه في أسفل يقال له إزار، والذي يستخدمه في الأعلى يقال له رداء، فهو ليس معه إلا إزار. قال: سأعطيها نصفه، نصف هذا الإزار. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء»، لأنه لو قطعه نصفين ما ستستفيد منه المرأة. «وإن لبسته لم يكن عليك شيئاً»، أنا كأن واحد كما نقول، معنى لا يصلح بعد ذلك أن يكون لباساً يلبسه المرأة، فلهذا قال له: لا يصلح هذا. فكأن النبي عليه الصلاة والسلام أراد منه أن يلتمس شيئاً، فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه الرسول، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم موليّاً فأمر به، قال: «نادوه». فدُعي، فلما جاء قال: «ماذا معك من القرآن؟» قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا، عدّها. قال: «تقرؤهن عن ظهر قلبك؟» فهذا وجه الشهادة: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟» فلتقرأهن حفظاً وغيباً. قال: نعم، معنى دون النظر للمصحف. قال: نعم. قال: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن». وفي رواية: «فقد أنكحتكها بما معك من القرآن». ولهذا بعض العلماء جعل هذه الكلمة من الكلمات الصريحة في النكاح: «ملكتكها». الكلمات الصريحة التي جاءت في القرآن: النكاح، والزواج، والتمليك. هنا ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «ملكتكها بما معك من القرآن». وهنا التمليك تمليك نكاح، وليس المراد تمليك رقبة، ومعنى أن تكون مملوكة، وإنما تمليك نكاح: «ملكتكها بما معك من القرآن». وفي هذا الحديث استدل به الإمام البخاري على القراءة عن ظهر القلب، لكن لم يذكر الإمام البخاري هل مراد أن هذا أفضل أم لا؟ لكن فيه أن من حفظ القرآن فإن له فضل عظيم، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم زوج هذا الرجل بحفظه لهذه السور، بحفظه لهذه السور. والصحيح كما قلنا من قبل أنه لم يزوجه لأجل أنه يحفظ هذه السور، وإنما لأجل أن يعلمها، كما جاء في رواية مسلم: «فاذهب فعلمها هذه السور»، فجعل تعليمها هو أجرة نكاحها، أو جعل تعليمها هو مهر نكاحها. وقال الشافعي رحمه الله: جعل تعليمها، أو جعل أجرة التعليم نكاحاً، لأن الشافعي رحمه الله يرى أن المهر لابد أن يكون نقداً، أقصد مالاً، لابد أن يكون مالاً، سواء كان مقدماً أو مؤخراً، لابد أن يكون مالاً. والصحيح الذي ذهب إليه أحمد أنه يجوز مالاً ويجوز نفعاً، حتى لو كان نفعاً، ومن ذلك التعليم. وهنا في هذا الحديث ذكر الشراح مسألة: أيهما أفضل، القراءة حفظاً أم القراءة بالنظر إلى المصحف؟ القراءة حفظاً أم القراءة بالنظر إلى المصحف؟ مثل الآن في رمضان: هل يقرأ، الأفضل الإنسان يقرأ من المصحف أم أنه يقرأ حفظاً إذا كان يحفظ؟ فهذه المسألة ذكر أبو عبيد في كتاب القراءة، وكذلك أيضاً ابن أبي داود في المصحف، عدة آثار عن الصحابة في فضل القراءة من النظر في المصحف، على أن القراءة نظراً أفضل، إلا إذا كان الإنسان يريد أن يراجع حفظه، يريد أن يراجع حفظه أو بالغيب، فلا بأس، لكن الأفضل أنه يقرأ في المصحف. وقد جاء حديث تكره أبو عبيد وغيره، لكن لا يصح منها شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، لا يصح منه شيء، مثل ما جاء: «فضل القراءة نظراً على من يقرأه ظهراً كفضل الفريضة على النافلة»، فهذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن صح عن عبد الله بن مسعود موقوفاً أنه كان يقول: «أديموا النظر في المصحف». كان عبد الله بن مسعود يقول: «أديموا النظر في المصحف»، أنا دائماً الإنسان ينظر للمصحف. وقد ذكر الإمام النووي رحمه الله أيضاً في التبيان في آداب القرآن، أو التبيان في أحكام القرآن، ذكر أن الأفضل القراءة بالنظر، وذكر ذلك عند أكثر العلم: أن النظر في المصحف عبادة، النظر في المصحف عبادة. ولهذا من هذا الباب ذكر بعض المعاصرين أن القراءة في المصحف أفضل من القراءة في الجوال أو في غيره. القراءة في المصحف أفضل، لماذا؟ لأن النظر إلى المصحف عبادة، وأخذ المصحف أيضاً عبادة، فلهذا بخلاف مثلاً أخذ الجوال، الجوال ليس بدلاً للقرآن، ليس مثل المصحف، المصحف هو قرآن، ليس فيه إلا قرآن، فلهذا فأخذه يعتبر عبادة، والنظر إليه عبادة، فلهذا يتميز عن النظر أو القراءة في الجوال. وليس معنى ذلك أنه لا يقرأ في الجوال، لا، ما فيه شيء، يقرأ ويراجع مثلاً لأجل معرفة مثلاً وقفه وكذا، لا بأس، لكن الأفضل هو النظر إلى المصحف، إذا أراد أن يقرأ ينظر إلى المصحف ويقرأ في المصحف. وكما قال عبد الله بن مسعود: «أديموا النظر في المصحف». وجاء عن الضحاك بن حبيب، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول: «من أدام النظر في المصحف، من أدام النظر في المصحف، فإن الله عز وجل يخفف، أو قال: يرفع العذاب عن والديه». والله أعلم، أخذها من أين هذا؟ هل أخذها من عبد الله بن مسعود، أو أنه استنبط ذلك من حديث الحلية التي يحل بها الوالدان إذا حفظ ابنهما؟ وجاء عن بعض السلف أنهم رأوا أن القراءة من ظهر قلب أفضل، فقد ذكر ابن أبي داود في المصاحف عن أبي أمامة أنه قال: «اقرؤوا القرآن، ولا تغتروا بهذه المصاحف المعلقة، فإن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن، فإن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن». وعى القرآن: معنى حفظ القرآن. لا يعذب قلباً حفظ القرآن وأتقنه. وهذا يدل على فضيلة هذا الأمر. وخلاصة الأمر: أن القراءة من المصحف هي أفضل، لأنه كما قلنا: نظر إلى المصحف يعتبر عبادة. لكن من أراد أن يراجع أو يثبت حفظه بدون نظر، فالأولى له، الأفضل أن يقرأ قراءة عن ظهر قلب، أو قراءة حفظاً. والأمر سهل، كله طاعة لله عز وجل، فقراءة القرآن كله عبادة، وكل حرف من كتاب الله عز وجل تقرأه بعشر حسنات. وقال عبد الله بن مسعود، وجاء أيضاً مرفوعاً: «لا أقول: ألف لام ميم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». معنى: ثلاثون حسنة في ﴿ألف لام ميم﴾. هذا في سائر الأيام، وأما في رمضان فإن الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فلهذا يتحصل العبد على قراءته للقرآن أجوراً عظيمة. فإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.