الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 314، ألقاها
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع اليد على الفم عند التثاؤب لأن الشيطان يدخل فيه. الأحاديث المذكورة في هذا السياق صحيحة ومروية في كتب الحديث الشهيرة.
التثاؤب يحدث بسبب الكسل أو الشبع أو النوم، ويعتبر من فعل الشيطان لأنه يحصل بسبب ما يكرهه الله. الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم ويستغل التثاؤب للتمكن منه.
التثاؤب من الشيطان يكون في حال العبادة مثل الصلاة أو قراءة القرآن، ويكون الغرض منه صرف الإنسان عن العبادة. وقد علمنا النبي عليه الصلاة والسلام آدابًا لتجنب تأثير الشيطان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، بابٌ: إذا تثاءب فليضع يده على فيه. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا خالدٌ، قال: حدثنا سهيل، عن ابن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تثاءب أحدكم فليضع يده بفيه، فإن الشيطان يدخل فيه». والحديث صحيح، وقد رواه أيضًا مسلم في صحيحه، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «إذا تثاءب فليضع يده على فيه، فإنما هو من الشيطان». وهذا الأثر صحيح، الشيخ الألباني رحمه الله. وهو موقوف على ابن عباس من قوله. قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا بشر بن المفضل، قال: حدثنا سهيل، قال: سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري يحدث أبي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه، فإن الشيطان يدخله». قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني سهيل، قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده فمه، فإن الشيطان يدخله». هذا الباب: باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه. والتثاؤب هو انفتاح الفم بسبب الكسل أو الفتور، أو كذلك امتلاء البطن والشبع، أو بسبب كذلك غلبة النوم أو نحو ذلك من الأسباب. فإذا حصل التثاؤب للإنسان، فينبغي أن يضع يده على فيه. عندما ينفتح فمه يضع يده على فمه ويغطي فمه، قال: «فإن الشيطان يدخل فيه»، يعني يدخل في فمه. وذلك أن الشيطان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «يجري من ابن آدم مجرى الدم». يجري من ابن آدم مجرى الدم. فإذا تثاءب وانفتح فمه، فإن الشيطان يستغل هذه الفرصة فيدخل في الإنسان. وكذلك أيضًا هذا التثاؤب هو من الشيطان، كما جاء في أثر ابن عباس قال: «فإنما هو من الشيطان». يعني التثاؤب؛ لأنه يحصل بسبب الكسل والفتور، أو بسبب امتلاء البطن. وإذا حصل ذلك قلَّ عن الطاعة والعبادة، وهذا مما يحبه الشيطان. هذا مما يحبه الشيطان أن يكون الإنسان متكاسلًا في العبادة والطاعة، فلذلك يفرح. وكذلك يسره إذا حصل منه التثاؤب، وصار في بدنه الثقل والكسل والفتور عن العبادة والطاعة. وكذلك أيضًا قوله: «يدخل؛ فإن الشيطان يدخل»، هذا كما قلنا على ظاهره أنه يدخل دخولًا حقيقيًا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل: المراد بالدخول هو حصول التمكن أو التمكين للشيطان من الإنسان. والأظهر هو أنه يدخل ويجري في الإنسان كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». وهل هذا التثاؤب من الشيطان يكون في كل الأحوال، أو أنه يكون في حال العبادة؟ قال كثير من أهل العلم: إن التثاؤب من الشيطان هذا إذا كان في حال العبادة، كأن يكون الإنسان في الصلاة فيتثاءب، أو يقرأ القرآن فيتملكه التثاؤب، أو يذكر الله فيتثاءب، فهذا من الشيطان؛ حتى يصده عن هذه العبادة ويبعده ويصيبه الكسل فيترك هذه الطاعة والعبادة. فلأجل ذلك حث النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الأدب أن الإنسان يغلق فمه ويضع يده على فيه؛ حتى لا يضحك منه الشيطان، كما جاء في الروايات الأخرى: «أن الشيطان يضحك من الإنسان إذا تثاءب». وذلك لأن الإنسان إذا تثاءب تغير شكله، فلأجل ذلك يغطي فمه بيده. وكذلك أيضًا يضع يده على فمه حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل، حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل في التسلط عليه، وكذلك أيضًا في الدخول فيه. فهذه آداب أدبنا بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى تكون حاجزًا ومانعًا من تسلط الشيطان على الإنسان. وهل يقع التثاؤب للأنبياء؟ قال بعض أهل العلم: إن التثاؤب لا يقع للأنبياء؛ لأن التثاؤب من الشيطان، والأنبياء معصومون من تسلط الشيطان عليهم. وقد جاء عند أبي شيبة والبخاري في التاريخ، عن يزيد بن الأصم قال: «ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط». إلا أنه مرسل. وكذلك أيضًا أخرج الإمام الخطيب رحمه الله عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: «ما تثاءب نبي قط». ومسلمة تابعي أدرك بعض الصحابة، وهو صدوق. وكذلك أيضًا يؤيد هذا المعنى أن التثاؤب من الشيطان، والأنبياء -كما علمنا- قد عصمهم الله سبحانه وتعالى من تسلط الشيطان عليهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.