الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 298، ألقاها
الدرس يبدأ بشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة» كما رواه البخاري، ويبين أن الأرواح تتآلف وتتنافر بناءً على طبائعها.
يتطرق الدرس إلى أن الأرواح تتألف إذا تشابهت طبائعها وتتناكر إذا اختلفت، مشيرًا إلى أن أهل الخير والشر يتجمعون مع من يشبهونهم.
الدرس يبين أهمية الحديث في الحياة اليومية، حيث يتآلف الناس مع من يشاركونهم الصفات، ويشدد على أهمية تفقد المسلم لنفسه عند عدم توافقه مع أهل الخير.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري، رحمه الله، في كتابه «الأدب المفرد»، باب الأرواح جنود مجندة. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، كاتب الليث، قال: حدثني الليث، أبو الحارث الفهمي، عن يحيى بن سعيد، وهو القطان، عن عمرة، عن عائشة، رضي الله عنها، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن سهيل، ومن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». هذا الباب ترجمه الإمام البخاري، رحمه الله، في الحديث في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». فالأرواح، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، جنود مجندة، أي أجناس وأنواع مختلفة. فما تعارف منها ألف، أي إذا توافقت هذه الأرواح بطبائعها وصفاتها، وكذلك ما جعل فيها، فإنها تأتلف. وما تناكر منها، واختلفت طبائعها، فإنها تختلف. فما تعارف منها ألف، وما تناكر منها اختلف. فتجد الأرواح تجتمع، والأجساد التي فيها أرواحها تجتمع، بما اتفقت عليه هذه الأرواح. فكما ذكر بعض أهل العلم: تجد أن أهل الشر يألف بعضهم بعضًا، وأهل الخير يألف بعضهم بعضًا. فتجد صاحب المعصية يألف من هو مثله، يألف من هو مثله. فالذي يحب الغناء والمزامير، تجده يرتاح إلى من يستمع إلى الغناء والمزامير، فيألفه ويجلس معه. وهكذا يقول في سائر المعاصي. فتجد صاحب المعصية يألف لمن كان مثله. وهكذا كذلك في أهل الخير والصلاح، تجد أن المستقيم يألف أهل الاستقامة. فطالب العلم، مثلا، يرتاح لمجالس العلم، ويألف مجالس العلم، أهل العلم. والذي لا يحب العلم ومجالس العلم، فإنه لا يجلس في مجالس العلم، وربما يتضايق ويتضجر، ويجد ضيقًا وحرجًا؛ لأن روحه خالفت ما عليه تلك الأرواح التي ألفت العلم وأحبت مجالس العلم. وهذا تجد، مثلا، من يحب المزاح يجلس ويألف من كان مثله، ويألف من كان مثله. ولهذا جاء عند أبي يعلى في ذكر هذا الحديث أن عائشة، رضي الله عنها، أخبرت أن امرأة كانت مزاحة، أتت من مكة ونزلت عند امرأة مثلها في المدينة، أي تحب المزاح. فذكرت عائشة، رضي الله عنها، هذا الحديث، ذكرت هذا الحديث في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وهذا تجد، مثلا، صاحب الشعر يألف أهل الشعر، ويحب أن يجلس مع الشعراء. وهكذا قل في سائر الأمور. فما تعارف من هذه الأرواح ائتلفت، وما تناكر منها اختلفت. وينبغي كذلك للمسلم إذا رأى أنه لا يألف أهل الخير وأهل الصلاح ومجالس الخير، فينبغي أن يتفقد نفسه، وأن ينظر إلى السبب الذي لا يجعله يألف أهل الخير ومجالس الخير، ويعلم بذلك أن عنده سببًا يمنعه من ذلك. فينبغي أن يتفقد نفسه، وأن يصلح حاله، حتى يكون من أهل الخير، وممن يألف مجالس الخير. وحديث عائشة الذي ذكره المصنف، رحمه الله، قد رواه في صحيح البخاري، إلا أنه ذكره معلقًا، وهنا وصله، وذكره من طريقين، كما نرى. وكذلك حديث أبي هريرة، فقد رواه الإمام مسلم في صحيحه. فالأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ألف، وما تناكر منها اختلف. والله تعالى أعلم.