كتاب المساجد ومواضع الصلاة 3

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 3

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل الأمة الإسلامية وخصائصها

شرح حديث حذيفة بن اليمان حول ثلاث خصال فضل الله بها الأمة الإسلامية، وهي جعل صفوف المصلين كصفوف الملائكة، وجعل الأرض كلها مسجدا، وجعل تربتها طهورا. هذه الخصال تبرز فضل الأمة الإسلامية وتميزها عن غيرها.

التيمم وفضل خواتيم سورة البقرة

ذهب الإمام مالك وأبو حنيفة إلى جواز التيمم بالتراب وغيره مما يصعد على وجه الأرض، لعموم آية التيمم. وخواتيم سورة البقرة لها فضائل عديدة منها أنها تكفي من قرأها في ليلة.

جوامع الكلم وختم النبوة ودلائل النبوة

النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم التي تشمل القرآن وأحاديثه، وختمت النبوة به عليه الصلاة والسلام. ومن دلائل نبوته فتح خزائن الأرض على يد أصحابه، كما تنبأ بذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء»، وذكر خصلة أخرى. قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، عن سعد بن طارق، قال: حدثني ربعي بن خراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله. هذا الحديث حديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه فضل على الناس بثلاث، يعني بثلاث أمور. قال: «جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة»، يعني صفوف المصلين في الصلاة عندما يصفون ويتراصون في الصف، فكذلك تفعل الملائكة عند الله. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال كما بالصحيح: «ألا تصفون كما تصف الملائكة؟» قالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة؟ قال: «يقيمون الصفوف ويتراصون في الصف». فجعل الله عز وجل صفوف هذه الأمة في عبادتهم وآدائهم للصلاة كما تصف الملائكة من أشرف المخلوقات، خلقهم الله عز وجل من نور، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهذا فيه شرف لهذه الأمة. قال: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا». هذه الخصلة الثانية، وهي أن الله عز وجل جعل الأرض مسجدا وطهورا، كما مر معنا في حديث جابر، بخلاف غيرها من الأمم، فإنهم لا يصلون إلا في المواضع المخصصة للعبادة كالبيع والكنائس. أما هذه الأمة، فجعل الله عز وجل الأرض كلها مسجدا، أي موضعا للصلاة والعبادة في أي موضع من الأرض، غير ما جاء فيه النهي، فله أن يصلي فيه وأن يتعبد لله جل وعلا فيه. وقوله: «وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا»، هذه خصلة واحدة، يعني هذه الخصلة الثانية مجتمعة على هذين الأمرين، أن الأرض كلها مسجد صالحة للعبادة والطاعة وإقامة الصلاة فيها، وهي أيضا كذلك تربتها الطاهرة، فيجوز للمسلم أن يتيمم بها وأن يستعملها عند تعذر الماء، عند عدم وجوده أو تعذر استعماله، فعنده طهور وهو التراب. واستدل بعض أهل العلم كالشافعية والحنابلة في قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت تربتها لنا طهورا»، استدلوا بهذه الرواية على أنه يشترط في التيمم أن يكون بتراب يعلق في اليد، أن يكون بتراب يعلق في اليد. قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وجعلت تربتها»، خص التراب، خص التراب في حصول الطهارة ورفع الحدث. قالوا: فغير التراب مما لا يعلق في اليد كالرمل أو الحصى أو غير ذلك لا يحصل به أو لا يجزئ به التيمم. والرواية الأولى في حديث جابر: «وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا». قالوا: هذه مطلقة، وهي مقيدة برواية حديث حذيفة: «وجعلت تربتها لنا طهورا». فيكون قوله عليه الصلاة والسلام في قوله: «والأرض طهور»، أن يراد بذلك خصوص التراب، يراد به خصوص التراب. وذهب الإمام مالك وأبو حنيفة إلى أنه يجزئ التيمم بالتراب وبغيره مما يصعد على وجه الأرض، لقول الله جل وعلا: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكل ما صعد على وجه الأرض من تراب أو رمل أو حصى أو غير ذلك، فإنه يجزئ التيمم به لعموم هذه الآية. وكذلك أيضا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذهب إلى تبوك، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «الزاد»، لم يحمل معه شيء من التراب، ومعلوم أن تبوك أرض رملية، أرض ذات رمل. وما حمل النبي صلى الله عليه وسلم معه شيئا من التراب، بل ومعلوم مع كثرة عدد الجيش أنه ربما لا يكفيهم الماء، وقد يضطرون إلى التيمم، فدل هذا على أنه يجزئ التيمم بغير التراب. وأما هذه الرواية: «وجعل تربتها لنا طهورا»، فإنها لا تخصص أو تقيد مطلق ما في رواية جابر: «وجعلت الأرض لنا مسجدا وطهورا». لماذا؟ لأن التراب هو فرد من أفراد الأرض، فالأرض تشتمل على التراب وتشتمل على الرمل وتشتمل على الحصى وغير ذلك. إذن ذكر التراب هنا هو من ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام لا يفيد العموم، وإنما يفيد الاهتمام بهذا الشيء أو ذكر مزيته وفضيلته، لا أنه مختص بهذا الحكم. وهذا هو الأظهر والله أعلم. وذكر الخصلة الأخرى، لم يذكرها في هذه الرواية. وأشار الإمام النووي رحمه الله أنه جاء ذكرها في رواية النسائي، من طريق أبي مالك الأشجعي، وهي قوله: «وأوتيت هذه الآيات من خواتم البقرة من كنز تحت العرش، ولم يعطهن أحد قبلي ولا يعطاهن أحد بعدي». إذن هذه الخصلة الثالثة خواتم سورة البقرة، لعلها آخر آيتين، وهي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخر سورة البقرة. هذه هي الخصلة الثالثة التي أوتيها عليه الصلاة والسلام. ولهذا خصت هذه الآيات بفضائل، فقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من قرأهما في ليلة كفتاه، كما جاء في حديث ابن مسعود البدري رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه». قيل: كفتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه عن كل شيء، أو كفتاه عن أن يصاب بشيء من السوء أو الشر أو الضرر، أو هي ذلك من معاني الكفاية، فهو في حفظ الله جل وعلا ورعايته. وهكذا أيضا جاء في حديث ابن عباس في مسلم أن ملكا أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة». فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. قال: وحدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حجر، قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر، عن العلاء وهو ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». هذا الحديث أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه فضل على الأنبياء بست. وهذا كما ذكرنا قبل في حديث جابر أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أعطيت خمسا» لا يدل على الحصر، فقد أعطي هذه الخمس، أعطي غيرها. ويدل عليها هذا الحديث، كذلك في قوله: «فضلت على الأنبياء بست»، فذكر منها جوامع الكلم، أعطيت جوامع الكلم. قال بعض أهل العلم: جوامع الكلم هو القرآن، الوحي الذي أنزله الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام، فهو من جوامع الكلم لأنه يشتمل على الكلمات القليلة التي تحمل في مواطنها معاني كثيرة وعظيمة. وقيل: جوامع الكلم هو كلامه عليه الصلاة والسلام وأحاديثه عليه الصلاة والسلام، فيقول الجملة والكلمات اليسيرة وهي تشتمل على معاني كثيرة، كما يقال: قليل المبنى كثير المعنى. فهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام، يأتي بالعبارات القليلة وتحمل فيها أو في طياتها أو في باطنها معاني كثيرة. قال: «ونصرت بالرعب». إلى هذه الأشياء قد مرت معنا في حديث جابر. وقال هنا: «وختم بي النبيون». هذه أيضا خصلة لم تذكر في حديث جابر. قال: «وختم بي النبيون»، يعني ختم الله عز وجل به النبوة والرسالة، فلا نبي بعده عليه الصلاة والسلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، أي ختم الله عز وجل به النبوة فلا نبي بعده، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي». ولهذا كل من ادعى النبوة بعده فهو كذاب دجال، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه سيأتي من يدعي النبوة، سيكون بعده كذابون ثلاثون، كلهم يزعمون أنه نبي ولا نبي بعدي. قال رحمه الله: حدثني أبو الطاهر وحرملة، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي». قال أبو هريرة: «ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتشلونها». قال: وحدثنا حاج بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل حديث يونس. قال: وحدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. قال: وحدثني أبو الطاهر، قال: أخبرنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن أبي يونس، مولى أبي هريرة، أنه حدثه عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نصرت بالرعب على العدو، وأوتيت جوامع الكلم، وبينما أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي». قال: وحدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم». هذا الحديث أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كذلك ببعض مما أوتيه وخص به، ومنها قوله: «وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي». وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر أنه ستفتح له خزائن الأرض، ووقع ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام، وذلك فيما فتح الله عز وجل على يد أصحابه رضوان الله تعالى عليهم من كنوز كسرى وقيصر، التي كانت من أعظم الدول العظمى في ذلك الزمان، في ذلك الوقت. ومع ذلك فتحت كنوزهما في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، وكانوا قد أخذوها وأخرجوها، كما قال أبو هريرة: «وأنتم تنتشلونها»، يعني تستخرجون ما فيها من الخزائن. فوقع ذلك ما أخبر عليه الصلاة والسلام.