كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أول مسجد وضع في الأرض وتاريخ بنائه

المسجد الحرام هو أول مسجد وضع في الأرض بناه إبراهيم عليه السلام، ثم بني المسجد الأقصى بعد أربعين سنة. يتميز المسجد الحرام بفضل كبير حيث الصلاة فيه بمئة ألف صلاة.

تيسير الصلاة في الإسلام

الإسلام ييسر الصلاة حيث يمكن أداؤها في أي مكان من الأرض ما لم يكن هناك نهي، مقارنة بالأمم السابقة التي كانت تعاني من قيود في أماكن الصلاة. هذا التيسير يظهر في حديث النبي الذي يبيح الصلاة في أي مكان.

أحكام الصلاة في أماكن مختلفة

يمكن الصلاة في الطرق الواسعة إذا كانت خالية من الازدحام والأذى للمارة، شريطة أن تكون الأرض طاهرة. هذا يظهر مرونة الإسلام في تسهيل العبادة على المسلمين عند الحاجة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، المعروف بالقشيري، رحمه الله، في كتابه "الصحيح" حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا عبد الواحد، قال: حدثنا الأعمش وسليمان الأعمش، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن العلاء، قالوا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، وهو يزيد بن شريك التيمي، وإبراهيم التيمي كان عابدا صالحا. حدثنا، قال الأعمش: كان إذا سجد نقرت العصافير فوق ظهره، يعني من طول سجوده واستقراره فيه وعدم تحركه، تأتي الطيور على ظهره تظن أنه جذع، فتنقر في ظهره. قال عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولا؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". وأينما أدركتك الصلاة فصلي، فهو مسجد. وفي حديث أبي كامل: "ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله، فإنه مسجد". قال: وحدثني علي بن حجر السعدي، قال: أخبرنا علي بن مسهر، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة، والسدة هي المحل الذي يطل على المسجد في أمام المسجد، وليس هو متصلا بالمسجد كالساحة التي تكون أمام المسجد. قال: كنت أقرأ على أبي القرآن في السدة، فإذا قرأت السجدة سجد، فقلت له: يا أبتي، أتسجد في الطريق؟ قال: إني سمعت أبا ذر يقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض، قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون عاما". ثم قال: "ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصل". هذا الحديث هو بواب الإمام النووي رحمه الله على هذا الحديث في بداية هذا المجلد بكتاب المساجد ومواضع الصلاة. ومرة معنا تنبيه على أن التبويبات في صحيح مسلم التي شرحها الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم هو الذي وضع هذه التبويبات، وإلا فإن الإمام مسلم إنما ذكر الأحاديث مجردة لم يبوّب أبوابا ولم يضع كتابا على هذه الأحاديث. وإنما وضعها الإمام النووي رحمه الله. وهذا الحديث حيث ذكره رضي الله تعالى عنه في أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن أول مسجد وضع في الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "المسجد الحرام". أن أول مسجد وضع في الأرض هو المسجد الحرام، فيدل ذلك على قدم المسجد الحرام. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾، بكة أي مكة، وهو المسجد الحرام، أفضل المساجد على جهة الإطلاق. ولهذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الصلاة فيه بمئة ألف صلاة، الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، يعني في الأجر والثواب. ثم يأتي بعده المسجد النبوي، فالصلاة فيه بألف صلاة، ثم المسجد الأقصى، فالصلاة فيه بخمسمائة صلاة. قال: "المسجد الحرام". وأول من بناه إبراهيم عليه السلام كما في البخاري، من حديث ابن عباس في قصتي هاجر، وضع أم إسماعيل مع إسماعيل عند الموضع، ولم يكن ثم بيت في ذلك الوقت. ووضع معها جرابا فيه تمر، وشقا فيه ماء، ثم لم يلبث إبراهيم، فالتفت، فقالت: لمن تدعنا؟ لم يلتفت إليها إبراهيم ثلاثا حتى قالت: الله أمرك بهذا؟ فالتفت، فقال: نعم. فقالت: إذا لا يضيعنا. ثم نفذ ما معها من التمر وما معها من الماء، وجعل إسماعيل يضطرب من الجوع ويتقلب، فقامت تبحث له عن طعام، فصعدت على الصفا، ثم صعدت على المروة، حتى فعلت ذلك سبع مرات، حتى جاءها الملك، فضرب بجناحه الأرض، فانبعث ماء زمزم، فجعلت تحوطه، وشربت منه، وسقط إسماعيل وأرضعته حتى كبر، والشاب جاءت قبائل من جرهم، فمكثوا عندهم، وترعرى إسماعيل عليه السلام حتى كبر، وتزوج منهم. ثم جاءوا بعد ذلك إبراهيم، فأخبره بأن الله عز وجل أمره أن يبني الكعبة، فعاونه على ذلك كما أخبر الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الآيات. فبنى الكعبة. فالمقصود أن أول مسجد وضع في الأرض هو المسجد الحرام، ثم بعده المسجد الأقصى. قال: قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم كان بينهما؟ يعني بين المسجد الحرام وبين المسجد الأقصى، قال: "أربعون عاما". بينهما أربعون عاما. قال: "ثم الأرض لك مسجد"، يعني أن جميع الأرض طاهرة وهي صالحة للصلاة، لأن المسجد هو موضع للصلاة، فالأرض كلها يصلح فيها الصلاة إذا أراد الإنسان أن يصلي، ولم يبلغ المسجد، أو ليس عنده مسجد مثلا، أو المسجد بعيد منه، وجاء وقت الصلاة، فيصلي في أي موضع من الأرض. ثم قال: "الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصلي"، أي مكان جاء فيه وقت الصلاة، فلك أن تصلي فيه، إلا الأماكن التي نهى الشارع عن الصلاة فيها، ثم سيأتي ذكرها، فهذه تجتنب. وأما غيرها، فالأصل هو طهارة الأرض كما سيأتي أيضا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه. وهذا من تخفيف الله عز وجل لهذه الأمة أن جعل لهم الأرض مسجدا، فلهم أن يصلوا في أي موضع من الأرض، فالأصل في الأرض الطهارة، إلا ما توقنت نجاسته، فإنه يجتنب ويترك، أو يطهر ثم يصلى فيه، بخلاف الأمم الماضية، فإنهم كانوا لا يصلون - أي اليهود والنصارى - إلا في بيعهم وكنائسهم، بخلاف هذه الأمة. وهذا من التخفيف والتيسير على أمة الإسلام. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أقد جئتكم بحنيفية السمحة". والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. نعم، وكل هذا من التخفيف والتيسير. وفي هذا الحديث كذلك حرص السلف رحمهم الله على سماع العلم وسماع القرآن، واستغلال أوقاتهم في طاعة الله جل وعلا. فهذا يزيد التيمي يقرأ عليه ولده القرآن، وهو يستمع، يستمع لقراءته. هكذا كانوا يستغلون أوقاتهم ومجالسهم فيما يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى من سماع القرآن. وكذلك أيضا من استغلال أوقاتهم بطلب العلم وتحصيله. وهكذا أيضا كذلك فيهما اهتمام السلف بأبنائهم، اهتمام السلف بأبنائهم في تعلم العلم وحفظ كتاب الله جل وعلا. وقوله لما سجد والده، قول إبراهيم التيمي: قال فقرأت السجدة سجد، قلت له: يا أبتي، أتسجد في الطريق؟ وكأنه كان يعلم أن السجود في الطريق لا يصلح، فأخبره أبوه بهذا الحديث الذي سمعه من أبي ذر، أن الأرض كلها مسجد. وقد ورد في حديث النهي عن الصلاة في قارعة الطريق، والحديث فيه ضعف لا يصح. لكن إذا كان الطريق مسلوكا يسلكه الناس ويمر فيه الناس، فإنه لا يصلح أن يصلي فيه، لأنه سيؤدي إلى قطع طريق الناس، وقد كذلك اضطر الناس إلى أن يقطعوا صلاته، فلا يصلح حينئذ أن يصلي أو يسجد في هذه الطريق. أما إذا كان الطريق واسعة، وليس فيها يعني ازدحام أو حركة أقدام كثيرة، فلا بأس إذا صلى أو سجد لحاجة، إذا صلى أو سجد لحاجة فلا بأس، كان يأتي وقت الصلاة مثلا وهو في مكان بعيد من المسجد، مثلا ويخشى من خروج وقت الصلاة أو خروج الوقت الفاضل إذا أخر الصلاة، فصلى في الطريق، وكما سمعنا الطريق واسعة، وليس فيها أذية لمن يمر من الناس، فلا بأس أن يصلي والأرض طاهرة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.