الدرس في كتاب الجنايات 9، ألقاها
الدية الأصل فيها الإبل، وقد قومها عمر بن الخطاب بمختلف السلع كالذهب والورق والبقر والشاء. الأصل في الدية الإبل وما عداها متقوم بها.
دية الحر المسلم مئة من الإبل وتختلف باختلاف نوع القتل، ولها أحكام مختلفة في حالة الكتابي والمجوسي والمرأة والجنين.
يفرق بين الجنين الميت بعد الضرب والحي ثم الميت، حيث يدفع غرة في الحالة الأولى ودية كاملة في الثانية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، المسألة الرابعة من الباب الثاني في الديات، أنواع الديات ومقاديرها. أولًا: أنواع الديات، الأصل في الدية هو الإبل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «في النفس المؤمنة مئة من الإبل» الحديث، رواه النسائي وغيره. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن قتيل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مئة من الإبل»، يدل على أن الإبل هي الأصل في الديات. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم...» إلى أن قال: «فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر، وفي رواية: فقوّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاه، وعلى أهل الحلل مئتي حلة». وعلى هذا، فإن الأصل في الدية الإبل، وهذه الأشياء المذكورة سواها يكون معتبرًا بها من باب التقويم. وقد كان ذلك من عمر رضي الله عنه بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا ذلك عليه، فيكون إجماعًا، فتدفع دية إبلًا أو قيمتها من هذه الأشياء المذكورة. هذا هو الأصل في الدية، وهو قول للعلماء رحمهم الله تعالى. وذهب آخرون إلى أن الدية متقومة بالذهب والورق أو بالإبل والبقر والشاء، بأي شيء كان، فقد حصل المطلوب والمقصود. ولكن الصحيح الذي تدل عليه الأدلة، بل ويدل عليه إجماع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أن الأصل في الدية الإبل، وما عداها من الذهب والورق أو من البقر والغنم، فإنها متقومة بها، باختلاف ارتفاع أسعار الإبل أو انخفاضها. لذا جاء في حديث عمرو بن شعيب أنها كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم، وجاء في روايات الحديث أنه كان يكون بين الأربعمائة دينار والثمانمائة دينار، والأربع آلاف درهم والثمانية آلاف درهم. وهذا يدل على أنها تتفاوت ارتفاعًا ونقصًا، بذهب والورق بارتفاع أثمان الإبل ونقصانها. ولأجل هذا، جمع عمر رضي الله عنه وأرضاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم هذا الحكم ويوضحه لهم، فذكر لهم ما ذكر مما مر معنا من أن قيمة الإبل غلت في زمنه، فارتفعت أسعارها بالنسبة للذهب والفضة. فالأصل في الدية الإبل، فلو دفع إنسان لأهل الدية إبلًا على الوصف الشرعي، يكون أدى الذي عليه. بخلاف ما إذا دفع إليهم شيئًا من الذهب أو من الفضة، وكانت قيمته في زمن تعدل مئة من الإبل، لكن في زمن الدية المطلوبة ارتفع سعر الإبل، فإنه لا يعدلها. الحاصل من هذه المسألة أن نعلم أن الأصل في الديات الإبل، وما عداها فإنها متقومة بقيمة الإبل، مثال ذلك أن دية النفس من الإبل مئة، إذا قتل إنسان إنسانًا، فإن يدفع مئة من الإبل، إن لم يكن هناك إبل، ينظر كم تعدل الإبل من تلك الأموال، فتقوم وتدفع مقابل مئة من الإبل، زادت أو نقصت. المسألة الثانية: مقادير الدية، دية الحر المسلم تكون مئة من الإبل، وهذه المئة من الإبل تختلف أوصافها باعتبار نوع القتل، فإذا كان من العمد أو شبه العمد، فإن الدية تكون فيها مغلظة، وإذا كانت من الخطأ، فإنها تكون مخففة. تغليظ الدية أن يكون في بطون أربعين منها أولادها، بخلاف دية الخطأ، لما كان مبناها على الخطأ وعلى عدم التعمد، خفف عنها في أمر الدية. دية الحر الكتابي -يعني الذكر- دية الكتابي الحر، ذميًا كان أو غيره، نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين». وهذا حديث أخرجه النسائي وغيره، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الإرواء. دية المرأة على النصف من دية الرجل، كما في كتاب عمر بن حزم، ونقل ابن عبد البر وابن المنذر الإجماع على ذلك. دية المجوسي الحر، ذميًا كان أو معاهدًا أو غيره، ثمانمائة درهم، لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «دية المجوس ثمانمائة درهم»، إلا أن هذا الحديث في ضعف، فلا يصح. وجماعة من أهل العلم يعاملونه معاملة غيره من الكفار، من أنه نصف دية المسلم. دية الجنين إذا سقط ميتًا بسبب جناية على أمه، عمدًا أو خطأ، غرة عبد أو أمة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة». والغرة كما مر معنا العبد أو الأمة السالم من العيوب. وتقدر الدية بعشر دية أمه، وهي خمس من الإبل، وتورث الغرة عنه كأنه سقط حيًا. وفرق بين الجنين الذي يضرب وهو في بطن أمه فيخرج ميتًا، وبين الجنين الذي يضرب وهو في بطن أمه فيخرج حيا ثم يموت بعد ذلك متأثرًا بتلك الضربة، فالأول فيه غرة، والثاني تجب فيه الدية كاملة. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.