الدرس في كتاب الجنايات 7، ألقاها
يناقش المقطع الجنايات على سائر البدن وتقسيماتها إلى عمد، شبه عمد، وخطأ، مع توضيح آراء الفقهاء في وجوب القصاص. يبدأ هذا الجزء بالحديث عن الجنايات.
يشرح المقطع شروط وجوب القصاص في الجنايات العمدية، وهي إمكان الاستيفاء بلا حيف، التماثل بين الأعضاء، واستواء العضوين في الصحة. إذا لم تتحقق هذه الشروط، ينتقل الحكم إلى الدية.
يتطرق المقطع إلى حكم إبطال منفعة العضو في الجنايات، حيث يُفرض دية كاملة أو جزء منها حسب درجة الضرر. يُترك تقدير الدية للحاكم في بعض الحالات.
يختتم المقطع بتسبيح الله تعالى والاعتراف بعظمته وطلب المغفرة. يحتوي على عبارات دينية مثل التسبيح والاستغفار، معبرًا عن تواضع المتحدث وتقواه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم نبدأ القسم الثاني من أقسام الجنايات، الجراحات في سائر البدن. وهذه الجراحات تقدم معنا قبل هذا في درسنا الماضي، أن الجراحات قد تكون في الرأس، ومضى معنا الكلام على ذلك في درسنا الماضي، ودرسنا اليوم في الجراحات في سائر البدن. قالوا: وهذه الجراحات تختلف باختلاف النوع، فما لا قصاص فيه إذا كان في الرأس أو الوجه، فلا قصاص فيه أيضًا في بقية البدن، إلا الموضحة التي تقطع جزءًا من أجزاء البدن كالصدر والعنق، وهذه فيها القصاص على ما سيأتي معنا. النوع الثاني: قطع الطرف، تنقسم هذه الجنايات إلى ثلاثة أقسام: ما مضى معنا في الجروح أو في الجراحات، سواء كانت في الرأس أو كانت في سائر الجسد. النوع الثاني: ما كان بقطع الأطراف، فهذه تنقسم الجناية إلى ثلاثة أقسام: عمد، شبه عمد، خطأ. قالوا: ولا يجب القصاص في الخطأ وشبه العمد، وإنما يجب في العمد كالقاتل، بشروط ثلاثة. وقولهم: ولا يجب القصاص في الخطأ وشبه العمد، وإنما يجب في العمد كالقاتل، هذا ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم رحمهم الله تعالى. وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الجروح تنقسم إلى قسمين فقط، لعدم تصور القسم الثالث، أي إلى عمد وخطأ، قالوا: ويدخل فيه كذلك شبه العمد. وإلى خطأ. قالوا: لأن شبه العمد فيما عدى القاتل لا يتصور، إذ أن شبه العمد في القاتل هو أن لا يقصد القاتل، ولكن يقصد الجناية. قالوا: هذا حاصل في قطع الأطراف، أي أنه لا يقصد القاتل وأنه ليس بشبه عمد لأنه يقتل أو قتله بما لا يقتل غالبًا. الحاصل أن الجمهور يقسمون الجنايات فيما سوى النفس إلى ثلاثة أقسام: عمد، وهو الذي يوجب القصاص، وإلى خطأ، ويدخل فيه شبه العمد، وهو الذي لا يوجب القصاص. والعمل على هذا، قالوا: وإنما يجب في العمد كالقاتل بشروط ثلاثة، أي يجب القصاص في العمد لكن بشروط ثلاثة. أولها: إمكان الاستيفاء بلا حيف، أي بلا تعد ولا ظلم، وذلك بأن يكون القطع من مفصل أو له حد ينتهي إليه. فلا قصاص في جراحة لا تنتهي إلى حد، كالجائفة التي تدخل في الجوف، لأنه لا يدري عمق الجوف. والقاعدة في هذا أن القصاص يكون بالمثل، وحيث تصور عدم المثلية أو عدم الاستطاعة على المثلية، أو كان هناك إمكانية الحيف والجور والتعد، قالوا: فالأصل المنع. وإذا منع من قصاص، ينتقل إلى البدل، وهي الدية على ما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. قالوا: أولًا إمكان الاستيفاء بلا حيف، وذلك بأن يكون القطع من مفصل، أي أن يكون القطع من مكان يستطيع المجن عليه أن يقطع صاحبه من نفس المكان. قالوا: فها هنا القصاص ممكن، أما إذا كان في مكان لا يستطيع أن يفعل ذلك بصاحبه، كما ذكر هنا في الجائفة، فلا يستطيع. قالوا: فإذا كان كذلك، فإنه ينتقل إلى البدل. قالوا: ولا قصاص في كسر عظم غير السن، كما تقدم، كعظم الفخذ والذراع والساق، لماذا؟ لأنه غير ممكن المماثلة. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُ بِالْحُرِ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾. فمثل هذا لا بد أن تكون هناك مماثلة. الثاني: التماثل بين عضوي الجاني والمجن عليه في الاسم والموضع، في الاسم مثل اليد تقطع يد بيد، والموضع مثلًا اليمنى باليمنى، اليسرى باليسرى. قالوا: فلا تأخذ يمين بيسار، ولا خنصر ببنصر. الثالث: استواء العضوين من الجاني والمجن عليه في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاء، ولا كاملة الأصابع بناقصتها. لماذا؟ لانتفاء المماثلة. هذا على الصحيح، وإلا بعض العلماء ذهبوا إلى المماثلة في كل شيء. واشترطوا أن يرقى الدم. ومن شروطها أيضًا: أن يكون ذلك الفعل حصل عن تعد، وهو بمعنى العمد، عن تعد غير مأذون به. فلو أنه كان عن تعد أو قطعه بشيء مأذون فيه أو به شرعًا، فلا قصاص. مثال ذلك: رجل سرق فأمر الحاكم بقطع يده، فهل يقال هنا: قطع اليد باليد؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن قطع يده في مثل هذه الحالة مأذون به شرعًا. وذكر كذلك العلماء من صور ذلك: لو أن طبيبًا احتاج إلى قطع عضو تالف، لو لم يقطع لأدى إلى تلف غيره من الأعضاء، وكان هذا الطبيب أمينًا خبيرًا حاذقًا، قالوا: فلو أنه قطعه لأجل هذا المعنى، فإنه يكون من قبيل المأذون فيه. النوع الثالث: إبطال منفعة العضو، قالوا: إذا أبطل الجاني منفعة عضو المجن عليه، فإنه لا قصاص فيه لعدم إمكان الاستيفاء بلا حيف، وعليه في ذلك دية نفس كاملة. يعني هذا ليس فيه قطع، لكن فيه إذهاب المنفعة بالعضو. مثال ذلك: لو أن إنسانًا ضرب إنسانًا على يده فشلت هذه اليد، اليد ما زالت موجودة لكن صارت من غير نفع. قالوا: وما لم يكن ممكنًا فيه المماثلة، فينتقل فيه إلى الدية. والدية كاملة إذا أذهب منفعة العضو كاملًا. ففيه الدية كاملة لو أذهب البصر، فصار الرجل لا يرى، عنده عينان عنده عينان، ولكن لا يرى بهما، ففيهما دية كاملة. ومن نقصت منفعة عضوه، فإن عرف قدره، وجب له من الدية بقدر الذاهب، كنصف الدية أو ربعها. مثلًا إذا كان الذاهب نصف المنفعة أو ربعها. قالوا: وإن لم يمكن معرفة قدر الذاهب من المنفعة، وجبت حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده. مثل ما تقدم معنا، باجتهاده يقدر، مثلًا كما سمعتم كل أصبع فيها خمسة من الإبل، فيقدر مثلًا أصابع إذا ذهبت واحدة، يقول: فيها خمس من الإبل. والكلام الآن في العمد يستوفي بالقصاص، أما الخطأ يستوفي بالدية، كما تقدم، ينتقل مباشرة إلى الدية. يعني كما يقولون: العمد في الجنايات كالعمد في القاتل، إما القصاص وإما الدية وإما العفو. والخطأ في الجنايات كالخطأ في القاتل، يستوجب الدية أو العفو. بقي الخلاف في شبه العمد، منهم من ألحقه بالعمد فيأخذ حكمه، ومنهم من ألحقه بالخطأ فيأخذ حكمه، وهذا الذي عليه الجمهور. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.