كتاب الجنايات 6

الدرس في كتاب الجنايات 6، ألقاها

مقدمة في الجناية على ما دون النفس

يبدأ الحديث عن الجناية على ما دون النفس ووجوب القصاص فيها، حيث يُثبت وجوب القصاص بالكتاب والسنة والإجماع مع شرط الإمكان. يُبرز أهمية التعويض عن الأذى الذي يلحق بالإنسان دون أن يودي بحياته.

تصنيف الجراحات في الرأس والوجه

يناقش تصنيف الجراحات التي تقع في الرأس والوجه إلى عشرة أنواع، مع توضيح درجة الإصابة والتعويض المطلوب لكل نوع. يبدأ بالحارصة وينتهي بالهاشمة، مشيرًا إلى أهمية التفريق بينها في تطبيق الأحكام.

تفاصيل جراحات الرأس ودياتها

يتناول تفاصيل جراحات الرأس ودياتها وفقًا للشريعة الإسلامية، مستندًا إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين. يشرح أنواع الجراحات مثل المنقلة والمأمومة والدامغة والجائفة ودياتها.

تحديد الشجاج التي يجب فيها القصاص

يُشترط القصاص في الشجاج التي تصل إلى العظم لسهولة ضبطها، بينما لا يجب في غيرها لصعوبة ضبطها وتحديد مثلها. يُبرر ذلك بخوف الزيادة أو النقص في أبعاد الجراحة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، القسم الثاني أو المسألة الرابعة في الجناية على ما دون النفس، تقدم معنا فيما مضى القسم الأول، وهو الجناية على النفس، ونحن اليوم في القسم الثاني من أنواع الجنايات، وهو الجناية على ما دون النفس. المسألة الرابعة: الجناية على ما دون النفس، وهي كل أذى يقع على الإنسان مما لا يودي بحياته، من الجراح وقطع الأعضاء ونحو ذلك، ويجب في ذلك القصاص لثبوت ذلك بكتاب الله تعالى، والسنة، والإجماع. كما ذكر هنا أن الجناية على ما دون النفس هي جناية، لكن تكون على ما دون النفس، إما بقطع بعض الأعضاء، أو بجرح بعض الأعضاء، والقصاص في هذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، الشاهد «العين بالعين» هذا عضو بعضو، «الأنف بالأنف» عضو بعضو، «الأذن بالأذن» كذا، «السن بالسن»، ثم قال: «والجروح قصاص»، والجروح قصاص، فدل على مشروعية القصاص في الجروح، أو قل فيما دون النفس من الأعضاء أو الجروح. وأما السنة، فقوله صلى الله عليه وسلم في قصة كسر الربيع ثنية جارية: «كتاب الله القصاص»، أي قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بن النضر: «يا أنس كتاب الله القصاص». قال: «وأجمع العلماء على وجوب القصاص فيما دون النفس إن أمكن». أجمع العلماء على وجوب القصاص فيما دون النفس، العين بالعين، الأنف بالأنف، كما هو نص القرآن، وكذلك في الجروح على ما سيأتي معنا في أنواعها. كذلك يشرع القصاص فيما دون النفس إن أمكن، وقيد بالإمكان ليخرج ما كان ليس بممكن من الجروح، كجرح لا يستطاع معه أن يكون القصاص فيه مثلا بمثل، على ما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. فهذا ليس فيه القصاص، وإنما ينتقل إلى الدية؛ لأن ما تعسر أو أدى إلى إتلاف فوق ما حصل، فمثل هذا يمنع. فكل ما لم يمكن حصول القصاص فيه، فإنه ينتقل فيه إلى الدية كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. قالوا: وهي ثلاثة أنواع، أي الجناية فيما دون النفس على ثلاثة أنواع. أولها: الجناية بالجرح. ثانيها: قطع طرف. ثالثها: إبطال منفعة عضو. وسأتي معنا بيان هذه الثلاث. النوع الأول: الجناية بالجرح، وهذه الجناية تنقسم إلى قسمين: الجراح الواقعة على الوجه والرأس وتسمى الشجاج، جمع شجة. الجراحات في سائر الأبدان وتسمى جرحًا لا شجة. القسم الأول: الجراحات الواقعة في الرأس والوجه، وهي عشرة أنواع. يعني الآن كلام على الجناية بالجرح، ذكر أنه على قسمين: جرحًا في الرأس ويسمى شج، وجرحًا في ما دون الرأس ويسمى جرح أو جرح، يقال: جرح فلان فلانًا جرحًا، ويقال كذلك جرحًا. القسم الأول: الجراحات الواقعة في الرأس والوجه، وهي عشرة أنواع. هذا النوع الأول، التي هي الجراحات في الرأس، ويدخل فيه كذلك الوجه. أولها: الحارصة، وهي التي تحرص الجلد، أي تشقه قليلًا ولا تدميه، كالخدش، وتسمى القاشرة والمليطاء. والمليطاء من الحرص، وهو الشق. هذا أول أنواع الشج في الرأس، يسمى ماذا؟ الحارصة. أن يحصل خدش في الرأس يقطع أو يشق الجلد، ولكن لا يخرج بسببه الدم. الثاني: الدامية، وهي التي تدمي موضعها من الشق، تدمي الجلد فيخرج منها دم يسير، وتسمى البازلة والدامغة، تشبيها بخروج الدمع من العين الدامعة. أي أنه يخرج دم، لكن يسير، كخروج الدمع من العين، فهذا يسمى ماذا؟ يسمى دامية. الثالثة: الباضعة، وهي التي تبضع اللحم بعد الجلد، أي تشقه شقًا خفيفا، ولا تبلغ العظم. هذه مرتبة ثالثة. مرتبة الأولى: خدش يسير ليس فيه دم. المرتبة الثانية: خدش ويخرج منه الدم. المرتبة الثالثة: خدش، لكن يدخل إلى اللحم، إلى شيء من اللحم. الرابعة: المتلاحمة، وهي التي تغوص في اللحم، ولا تبلغ الجلدة التي بين اللحم والعظم. هذه أشد. الحال الرابعة أشد. يضربه بسكين بشيء محدد، فيدخل ذلك المحدد إلى وسط اللحم، يقارب العظم. هذه تسمى ماذا؟ المتلاحمة. الخامس: السمحاق، وهي التي تبلغ الجلدة الرقيقة بين اللحم والعظم من الرأس. سميت الجراحة باسمها. الغشاء اليسير الذي يحيط بعضم الرأس يسمى السمحاق، فالجراحة التي توصل إلى هذا الغشاء، إلى هذا الجلد، تسمى السمحاق، باسم ذلك الغشاء أو الجلد الرقيق بين اللحم والعظم. وهذه الخامس ليس فيها قصاص ولا دية، وإنما يجب فيها حكومة. السادس: الموضحة، وهي التي تخرق السمحاق، أي تخرق الغشاء التي بين اللحم والعظم، وتوضح العظم، أي تكشفه، وسميت موضحة لأنها تكشف العظم وتوضحه. يصير عظم يرى من تلك الضربة التي في الرأس. وفيها خمس من الإبل. السابع: الهاشمة، وهي التي توضح العظم وتهشمه، أي تكسره. يعني ما يكفي بمجرد أنها تظهر العظم، بل ويحصل بالعظم كسر. تسمى ماذا؟ الهاشمة. وفيها عشر من الإبل. الثامن: المنقلة، وهي التي تنقل العظم من موضع لآخر، سواء أوضحت وهشمته أو لا. وفيها خمس عشرة من الإبل. هذه أشد. كما ترون، كلما اشتد الجرح، كلما ازدادت الدية. التاسع: المأمومة، وهي التي تبلغ أم الدماغ، أي جلدة الدماغ المحيطة به، ويقال لها اللامة. وفيها ثلث الدية، أو ثلث دية النفس. العاشر: الدامغة، وهي التي تخرق جلدة الدماغ وتصل إليه. وفيها ثلث دية النفس أيضًا. الدامغة تصل إلى الدماغ، أي تكسر العظم المحيط بالدماغ، وأيضا تقطع الغشاء أو الجلد التي بين الدماغ والعظم، وتصل إلى الدماغ. ويضاف إلى ذلك الجائفة، وهي التي تصل إلى باطن الجوف مما لا يظهر للرائي، كداخل بطن، وداخل ظهر، وصدر، وحلق، ومثانة. وهذه ليست من الشجاج، أي ليست من جراحات الرأس، ولكن من جراحات ما دون الرأس. ومعها ذكرها هنا؛ لأنها ليست في الرأس. وهذه ليست من الشجاج؛ لأنها ليست في الرأس أو الوجه، إلا أنهم يذكرونها، أي الفقهاء، تبعًا، بجامع التقدير. وفيها ثلث دية النفس. قالوا: ودليل هذه الجراح حديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وذكر فيه: وفي المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل. وهذا الحديث عليه عمل الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهو حديث كذلك كما قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى وغيره، تلقته الأمة بالقبول. حديث تلقته الأمة بالقبول، وعمل الأمة في أبدياتهم على مقتضى هذا الحديث. ويحسنه جماعة، ومن المتأخرين العلامة الألباني رحمه الله. الأمر الثاني: إجماع العلماء على أن دية المنقلة خمس عشرة من الإبل. الثالث: اتفاق العلماء على أن في الجائفة ثلث الدية؛ لما في حديث عمرو بن حزم: في الجائفة ثلث الدية. الرابع: أثر زيد بن ثابت رضي الله عنه، أنه قضى في الهاشمة عشرًا، قضى في الهاشمة عشر من الإبل. أنه قضى في الهاشمة عشر من الإبل، ولم يعرف له مخالف. الخامس: والأثر صحيح. يعني بعضهم يصححه أثر زيد بن ثابت. الخامس لما جاء في كتاب عمر بن حزم السابق: أن في المأمومة ثلث الدية، والدامغ أبلغ منها، فهي أولى منها بأن تكون فيها ثلث الدية. وهذا بطريق القياس الأولوي، وهو دليل معتبر. قالوا: وهذه شجاج لا يجب القصاص فيها إلا في الموضحة، وهي التي تصل إلى العظم فقط؛ لتيسر ضبطها، واستيفاء مثلها، بخلاف ما عداها، فإنه لا يؤمن فيها الزيادة والنقص في طول الجراحة وعرضها، ولا يوثق باستيفاء المثل. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على