كتاب الأمور المنهي عنها 10

كتاب الأمور المنهي عنها 10

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

ذم ذي الوجهين وعلاقته بالنفاق

يشرح المقطع صفة ذي الوجهين باعتبارها من صفات المنافقين، مستشهداً بآيات قرآنية وحديث نبوي يبين أن شر الناس من يظهر وجهاً مختلفاً لكل طائفة، محذراً من أن هذا الخلق من الكبائر ودليل على النفاق والكذب.

الفرق بين المداهنة المحرمة والمداراة المباحة في الإصلاح

يبين المقطع تحريم المداهنة التي تُظهر الرضا بالكذب والنفاق بين الطوائف، مستدلاً بقول ابن عمر رضي الله عنهما، ويفرق العلماء بين المداهنة المذمومة التي تزين لكل طائفة عملها وتقبح الأخرى، والمداراة المحمودة التي تهدف للإصلاح بسترة القبيح وإظهار الجميل لتقريب القلوب.

أهمية الصدق والإخلاص في الصحبة وذم النفاق والخيانة

يؤكد المقطع على قيمة الجليس الصادق الناصح ووجوب إصلاح ذات البين بسترة العيوب وإظهار الجميل، محذراً من الصحبة ذات الوجهين التي تخون الأمانة وتنقل الأسرار، ومشبهاً إياها بالعقرب والثعلب، مستدلاً بأبيات شعرية وحديث نبوي عن عقوبة ذي اللسانين يوم القيامة.

الخاتمة والدعاء بالخير

يختتم المتحدث بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويصلي على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: باب ذم ذي الوجهين. وذو الوجهين: أي الذي يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه آخر. وهذا يا إخوان كما يفعله المنافقون. قال الله عز وجل عنهم: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾. وكون الإنسان يكون له وجهان فهذا يدل على أن عنده شعبة من شعب النفاق، وهذا يعتبر من كبائر الذنوب. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾. لاحظ كيف هان عليهم فعلوا الأعمال السيئة أمام الله عز وجل، وعظم عليهم أن يفعلوها إذا كان هناك من يعاينهم أو يراقبهم من المخلوقين الضعفاء، وجعلوا رب العالمين أهون الناظرين إليهم. وقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: ذكر أن من كان هذا حاله، يعني أمام الناس بوجه، وأمام قوم بوجه، وأمام آخرين بوجه آخر، أن ذلك كله يعتبر من التملق بالباطل والكذب، وأنه يعتبر من أحوال المنافقين. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجدون الناس معادن، والمعاد جمع معد، ويطلق على الشيء المستقر في الأرض، وقوله: تجدون الناس معادن، أي أنهم على أصول ينسبون إليها ويتفاخرون بها. خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، أي إذا تعلموا أحكام الشرع. وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه». متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «وتجدون خيار الناس في هذا الشأن»، أي في أمر الإمارة والسلطة والملك. «أشدهم له كراهية»، فأشد الناس كراهية للمسؤوليات وللإمارات والسلطات تجده من خيار الناس. «وتجدون شر الناس ذا الوجهين»، أي صاحب الوجهين، ثم بيّن ذلك فقال: «الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه»، أي آخر. متفق عليه. وذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في حق ذي الوجهين: قال: الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها، يظهر لهؤلاء أنه منهم، وأنه منها، ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب وخداع. قال: وتحيّل على الاطلاع على أسرار الطائفتين. طبعًا إذا أمينوه وشعروا أنه معهم، فعندها سيطلعوه على أسرارهم. قال: هذا الفعل تحيّل على الاطلاع على أسرار الطائفتين، قال: وهي مداهنة محرمة. وفرق بين المداهنة فهي محرمة، وبين المداراة فهي مباحة. كذلك أيضًا ذكر الإمام أبو عمر القرطبي رحمه الله، أو ماذا ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى؟ قال: قال: إنما كان ذو الوجهين شر الناس، قال: لأن حاله حال المنافق، إذ هو متملق بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس. وما أعظمه من فساد يدخله أهل النفاق على المجتمعات وعلى الأفراد، وهكذا أيضًا على الأسر. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن محمد بن زيد أن ناسًا قالوا لجده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول لهم، فنقول لهم بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم. يعني إذا دخلوا على السلاطين، على المسؤولين، فيظهرون الرضا والفرح، ولربما أثنوا عليهم وامتدحوهم إلى غير ذلك. قال: فإذا خرجنا من عندهم، يعني تكلموا بغير ما تكلموا به عندهم. ماذا قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؟ قال: «كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم». رواه البخاري. والنفاق كما يعلم الجميع هو أن الإنسان يظهر خلاف ما يبطن، وهو يعتبر من أسوأ الأخلاق التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها. وكم يا إخوان من هذا الصنف اليوم الذين يدخلون على المسؤولين وعلى الأمراء وعلى الحكام فيظهرون لهم خلاف ما يبطنون، ألا فليعلم أن هذا كله يعتبر من النفاق. وذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى أن من يأتي إلى طائفة ويذكرهم بالخير ويثني عليهم خيرًا من باب إصلاح ذات البين، أن هذا ليس من الأمور المذمومة، وإنما يعتبر من الأمور الممدوحة. قال رحمه الله تعالى: أي النووي: فأما من يفعل ذلك، يعني يقصد بذلك الإصلاح بين الطائفتين، فهو محمود. وذكر بعض أهل العلم الفارق بين ما كان محمودًا وما كان مذمومًا. قالوا: أن المذموم هو أن يزين لكل من الطائفتين عملها ويقبحه عند الأخرى. إذا أتى إلى هؤلاء يقول: أنتم على حق، وأنتم الأصل، وأنتم ينبغي أن يكون لكم كذا وكذا، وهؤلاء مخطئون، هؤلاء كذا وكذا. ثم يذهب إلى الطائفة الأخرى ويزين لها عملها ويذم عمل الطائفة الأخرى. هذا يا إخوان يفسد ولا يصلح، وربنا عز وجل لا يصلح عمل المفسدين، ويعلم المصلح من المفسد. أما المحمود: فهو أن يأتي كل طائفة، أو لكل طائفة، بكلام فيه صلاح الأخرى، وينقل إليهم ما أمكنه من الجميل، ويستر ما أمكنه من القبيح. يأتي إلى الطائفة الأولى وماذا يحاول؟ أن يصلح، ويحاول أن يقرب، ويظهر الطائفة الأخرى التي تعاديها بمظهر جميل حسن. يقول: هؤلاء إخوانكم، هؤلاء بينكم وبينهم معروف، هؤلاء يذكرونكم بخير ويثنون عليكم، إلى غير ذلك. هذا كله من باب ماذا؟ من باب إصلاح ذات البين. قد يقول: يوم كذا وكذا فعلوا كذا وكذا من الأمور، ويحاول هو ماذا؟ أن يسر القبيح ويظهر الجميل. وهذا يا إخوان من الأمور التي تمدح، والتي صاحبها يؤجر، كما سيأتي معنا أيضًا إن شاء الله عز وجل فيما يتعلق بالكذب، وأنه ليس من الكذب المذموم ما يكون في إصلاح ذات البين. ونعلم بهذا أيها الأحبة في الله أن الجليس الصادق والأخ الناصح هو يعتبر من أغلى وأثمن ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وإلا فالجلساء كثر، لكن لربما الصادقون والناصحون والمخلصون منهم قليل. ولهذا ينسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: «ولا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفاء وينكر عيشًا تقادم عهده ويظهر سرًّا كان بالأمس قد خفى» المجالس بالأمانة. وبعض الناس إذا حصل بينه وبين صاحبه شيء أظهر ما كان في الخفاء، وأظهر أسرارًا وأشاع عيوبًا، فهذا ليس من آداب الصداقة، وليس من آداب المجالسة، فإن المجالس بالأمانة. وهناك أبيات تنسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وبعضهم يعزوها إلى المتنبي، وبعضهم يجعلها للشاعر صالح بن عبد القدوس أحد شعراء الدولة العباسية. هذه الأبيات فيها شيء من الحكمة، وتدل على أهمية انتقاء واختيار الجليس الصالح، وأن الإنسان لا يعطي أسراره لكل من جالس وكل من تردد عليه، فكم من الناس من يأخذها وينقلها إلى الآخرين. قال: «وإذا الصديق لقيته متملقًا فهو العدو وحقه يتجنب لا خير في ود امرئ متملق حلو اللسان وقلبه يتلهب يلقاك يحلف أنه بك واثق وإذا توارى عنك فهو العقرب» العقرب يا إخوان يضرب بها المثل، كيف يضرب بها المثل؟ تبقى تبقى كامنة، وتبقى هادئة ومنكمشة، من رآها ظنها حشرة ضعيفة ومخلوقًا ضعيفًا، فإذا وجدت الفرصة وخل لها الجو فعندها تنتفش وترفع الشوكة وتجري سريعة إلى الهدف لكي تلسع. وهكذا كثير من الجلساء، وهكذا كثير من ممن يدعي الصداقة. قال: «يلقاك يحلف أنه بك واثق وإذا توارى عنك فهو العقرب يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب» وهذا كله يا إخوان من الأمور التي تدل على أهمية الصدق والإخلاص فيما يتعلق بأجواء المجالسات والمصادقات، وذم من كان ذا وجهين، ومن كان له لسانان في الدنيا، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: يكون له لسانان من نار يوم القيامة، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، هؤلاء بلسان وهؤلاء بلسان آخر. يوم القيامة الله عز وجل يجعل له لسانين، لكنهما من نار. نسأل الله العافية والسلامة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.