كتاب الأمور المنهي عنها 11

كتاب الأمور المنهي عنها 11

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحريم الكذب وعواقبه في القرآن والسنة

يستعرض المقطع أدلة تحريم الكذب من القرآن الكريم والسنة النبوية، مبيناً أن الصدق يهدي إلى البر والجنة بينما الكذب يهدي إلى الفجور والنار. وينقل عن الإمام النووي وصف الكذب بأنه من قبائح الذنوب وفواحش العيوب التي أجمعت الأمة على تحريمها.

خطر الكذب والنفاق العملي والاعتقادي

يحذر المقطع من عواقب الكذب والنفاق العملي المتمثل في خيانة الأمانة والكذب والغدر والفجور في الخصومة، مبيناً أن ذلك قد يؤدي إلى النفاق الاعتقادي الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار. كما ينبه إلى خطورة التجسس والاستماع لحديث القوم كرهاً مستدلاً بأحاديث نبوية تبين عقوبة من يفعل ذلك يوم القيامة.

تحريم التنصت والتصوير والكذب في المنام

يحذر المقطع من التنصت على حديث القوم كراهية لهم، مبيناً عقوبته بصب الرصاص المذاب في الأذنين يوم القيامة. كما يؤكد تحريم تصوير ذوات الأرواح مستدلاً بالأحاديث النبوية وآثار السلف، موضحاً أن التصوير كان أول أسباب الشرك في قوم نوح، وينتهي بتحريم الكذب في الرؤى والمنام واعتباره من أفرى الفرى.

ختم الدرس والتمهيد لحديث سمرة بن جندب

اختتم الشيخ الدرس بالإشارة إلى حديث سمرة بن جندب الطويل في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكداً أن رؤيا الأنبياء حق. وأرجأ شرحه إلى الدرس القادم مختتماً بالدعاء والثناء على الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين، قال في كتاب "الأمور المنهي عنها" من "رياض الصالحين": "باب تحريم الكذب". قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]. وقد مضى معنا هذه الآية، وأن فيها وجوب المحافظة على اللسان وغيرها من الجوارح، وأن العبد سيسأل عنها. وقال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]. "ما يلفظ من قول" أيًا كان ذلك القول، ألا فليعلم أننا مراقبون، وأن ما نتلفظ به محفوظ، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10-12]. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». متفق عليه. هنا النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصدق، وبيّن آثار الصدق، وذلك أنه يوصل صاحبه إلى البر، والبر هو طرق الخير الكثيرة، والبر يوصل صاحبه إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهكذا حذّر من الكذب. والكذب يا إخوان هو مخالفة الظاهر للباطن، والكذب كذلك أيضًا مخالفة الأقوال للواقع، وكل ذلك من الكذب الذي يجب على المسلم أن يبتعد عنه وأن يجتنبه. ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "الأذكار" - والأذكار من كتب الإمام النووي العظيمة، من أحسن ما ألف في هذا الباب "الأذكار" للإمام النووي - قال رحمه الله تعالى في كتابه "الأذكار": "وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على تحريم الكذب في الجملة، في الجملة، قال: وهو من قبائح الذنوب، قال: وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب". لاحظوا خطورة الكذب: "وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وإجماع الأمة منعقد على تحريمه مع النصوص المتظاهرة، قال: فلا ضرورة إلى نقل أفرادها، وإنما المهم بيان ما يستثنى منه، التنبيه على دقائقه". هكذا ذكر رحمه الله تعالى. ولاحظوا آثار الكذب وعواقبه الوخيمة: قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور»، والفجور هو الخروج عن الطاعة إلى المعصية، إلى المعصية، وهذا الفجور يوصل صاحبه إلى النار: «وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». ويا لها من فاجعة، ويا لها من مصيبة عظيمة، يوم أن يكتب الواحد منا عند ربه عز وجل كذابًا، لكثرة الكذب الذي يقع منه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع، أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها» - أي حتى يتركها -: «إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». متفق عليه. هذه أربع خصال هي تعتبر من خصال أهل النفاق، ومن اتصف بها فقد اتصف بخصلة من هذه الخصال، وأصبح منافقًا نفاقًا عمليًا، وهذا النفاق العملي يوصل صاحبه بعد ذلك إلى أن يقع فيه النفاق الاعتقادي، الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد له نصيرًا. المنافق الاعتقادي يقال له: زنديق. فإذا رأيت في كتب الاعتقاد "الزنادقة" أو "فلان زنديق"، فمعنى ذلك أنه منافق نفاقًا اعتقاديًا. وكم يا إخوان يبتلى بهذه الخصال الخواص من الناس، فضلًا عن كثير من العوام. قد تجد بعض طلاب العلم إلى الآن لم يتخلص من مثل هذه الصفات. وكم يا إخوان الشيطان حريص أن يأتي كل إنسان بما يشعر أنه ضعيف فيه. يأتي طالب العلم من باب الرياء والسمعة والعجب، يأتيه من ناحية الفجور في الخصومة. وكم يا إخوان هذا موجود، يحصل بين شخص وآخر سوء تفاهم، أو يحصل بينهما شيء من الخلاف، فتجد الفجور يتطاير منه، يتطاير منه: إذا ذكره ذكره بسوء، وإذا رآه شمأز وأصبح كئيبًا كظيمًا، إلى غير ذلك. قد يأتيه أخوه ويقول: "يا فلان، نحن طلاب علم، نحن ينبغي أن نكون أرفع من هذا، يا أخي، يدك في يدي، المعذرة، العفو منك"، فيأزه الشيطان وينفخ فيه نفخًا، ويجعل هذا الهجر والإعراض من باب الغيرة على دين الله عز وجل، وما درى أنه فجور، وأنه خصل من خصال النفاق، من خصال النفاق. قال رحمه الله تعالى: قال وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تحلم بحلم لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين» - هات شعرة وأخرى مثلها، يحاول يعقد بينهما، وهذا من أصعب الأمور، إن لم يكن مستحيلًا، إن لم يكن مستحيلًا، بل هو مستحيل، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ولن يفعل» - ما يستطيع أن يفعل شيئًا -. «ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة». والأنك: قيل هو الرصاص المذاب. يمر بجانب بيت من البيوت فيسمع صياحًا، يقول: "إيش الموضوع هذا الذي بينهم؟ أنظر". فضول، تجسس، يأتي ويقترب من النافذة أو من الباب، ويستمع إلى حديث القوم، وهم يكرهون استماعه. أناس يتحدثون فيما بينهم، يأتي ويقترب منهم، ويعمل نفسه يتصل، أو يعمل نفسه ينتظر شخصًا، وهو لا يريد إلا الاستماع إلى حديث هؤلاء القوم، وهم له كارهون. ما جزاؤه؟ قال: «صب في أذنيه الآنك يوم القيامة»، يعني الرصاص المذاب. أنت لو صب على أذنك الماء اليوم، ماء بارد، ماء دافئ، في الأذن، كم يا إخوان يحدث ألمًا ويحدث وجعًا؟ فكيف إذا كان الذي يصب هو الآنك؟ «ومن صور صورة، عذب، وكلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». رواه البخاري. وهذا فيه تحريم تصوير ذوات الأرواح. كم يا إخوان اليوم عمت البلوى بهذا: تصوير بالجوالات، تصوير بالكاميرات، تصوير بالرسم لذوات الأرواح. لعن الله المصورين، هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون». وهكذا أخبر هنا أن من صور صورة عذب بها، عذب بها، يقال له يوم القيامة: "انفخ فيه الروح"، قال: «وليس بنافخ». وفتنة الصور يا إخوان فتنة عظيمة جدًا. أول ما دخل الشرك في بني آدم كان في قوم نوح، كما جاء في حديث ابن عباس عند البخاري: "بين آدم ونوح عشر قرون كلها على التوحيد، وأول ما بدأ الشرك في قوم نوح حين أن... حين أن زين لهم الشيطان أن يصوروا صورًا، وأن ينصبوا أنصابًا في مجالسهم لقوم صالحين كانوا فيهم، فإذا رأوها تذكروا صلاحهم وتذكروا أعمالهم، فاجتهدوا في العمل والصلاح، وقالوا: ﴿ لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾ [نوح: 23]، ﴿ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا ﴾ [نوح: 24]". إذن بدأت بصور، وانتهت بعبادات. وهكذا أيضًا معبودات أصبحت تعبد من دون الله عز وجل. وهكذا اليوم، بسبب الصور يحصل التعلق القلوب بغير الله عز وجل من هؤلاء المصورين، ولا سيما إذا كانوا معظَّمين، ويعتقد فيهم الصلاح والخير. يمشي بعضهم وفي محفظته صورة الحبيب الشيخ، ويعتقد فيها اعتقادات، يعتقد فيها اعتقادات. وهكذا من يعلقون صورهم على جدران بيوتهم، يحصل العشق والعلاقات المحرمة بسبب الصور، وهكذا غيرها من المفاسد. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفرى الفرى، أفرى الفرى» - أي: أكذب الكذب وأعظم الكذب -، ماذا؟ قال: «أن يري الرجل عينيه ما لم ير». رواه البخاري. قال: ومعناه: يقول رأى فيما لم يره، كما سبق فيما يتعلق بالرؤى والأحلام، يقول: "البارحة رأيت كيت وكيت، وكذا وكذا"، وهو لم يرَ شيئًا، يغمض عينيه ما يشعر بشيء إلى أن يصبح، ثم يأتي ويتحلم، ويظهر ماذا؟ أنه رأى ورأى. وهذا فيه تحريم الكذب، ولو كان في الأحلام والمنامات. ثم ذكر رحمه الله تعالى ذكر حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه الطويل في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، ورؤيا الأنبياء حق، فنتركه إن شاء الله عز وجل للدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.