الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 13، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح الإمام النووي قاعدة جواز الكذب عند الضرورة لحماية النفس أو المال، مبيناً أن الكذب يباح أو يجب بحسب مقصوده. ويضرب أمثلة على إخفاء المظلوم أو الوديعة مع الإشارة إلى التورية كبديل شرعي.
يتناول المقطع مفهوم التورية والتعريض كأسلوب لتجنب الكذب الصريح عند الحاجة الماسة، محذراً من التوسع فيه لئلا يُساء الظن. ويستدل العلماء بجواز الكذب في الضرورة بحديث أم كلثوم بنت عقبة وقصتها مع أبيها عقبة بن أبي معيط.
يسرد المقطع مقتل عقبة بن أبي معيط بعد بدر، ثم موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند عودته من الطائف حين رفض دعوة ملك الجبال لإهلاك مكة آملاً في ذرية مؤمنة. كما يستعرض حديث أم كلثوم عن جواز الكذب في الحرب والإصلاح وبين الزوجين.
يختتم المتحدث الجلسة بالاكتفاء بما ذُكر، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين، في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: "باب بيان ما يجوز من الكذب". باب بيان ما يجوز من الكذب. وذكر هذا بعد أن بيّن حرمة الكذب، وعواقب الكذب الوخيمة، وأضراره الجسيمة، وأن الكذب يعتبر من كبائر الذنوب التي صاحبها متوعد بوعيد شديد عند الله عز وجل. ذكر بعد ذلك بابًا في بيان ما يجوز من الكذب. قال رحمه الله: "اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرما، فيجوز في بعض الأحوال بشروط قد أوضحتها في كتابي الأذكار". وسبق معنا أن كتاب الأذكار يعتبر من أعظم كتب الإمام النووي رحمه الله تعالى، ومن أحسن ما أُلِّف في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: "ومختصر ذلك أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب". إذن ما في القلب يستطيع أن يعبر عنه الإنسان بأمرين: الأمر الأول بالكلام، والأمر الثاني بالبنان، أي بما يكتبه، فيعبر عما في قلبه. "لسان الفتى نصف، ونصف فؤاده، ولم يتبق إلا صورة اللحم والدم"، كما يقول الشاعر زهير بن أبي سلمى. فكل ما يستطيع أن يعبر عنه الإنسان بغير الكذب يحرم فيه الكذب، وما لا يستطيع أن يعبر عنه إلا بأن يأتي بشيء من الكذب، فهنا الضرورات قد تبيح بعض المحظورات. قال رحمه الله تعالى: "ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا، وإن كان واجبا كان الكذب واجبا. فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وأخفى ماله، وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه. وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها، وجب الكذب بإخفائها. والأحوط هذا كله أن يوري". ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودا صحيحا ليس هو كاذبا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبا في ظاهر اللفظ وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب. ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال. يأتي شخص يهرب من ظالم يريد قتله، فيختبئ عندك، فيأتي الظالم ويقول لك: "أرأيت فلانًا؟ أرأيت فلانًا؟" تقول: "لا، ما رأيته، ما رأيته". هذا وإن كان ظاهره الكذب، فهذا مما يجوز. لماذا؟ لحماية هذه النفس التي قد تقتل ظلمًا. أو دعا عندك شخص وديعة: مالًا، طعامًا، سيارة، دراجة، إلى غيرها. فيأتي ظالم ويريد أن يأخذ هذا المال، سمع أن المال عند فلان، فيأتي ويقول: "يا فلان، عندك دراجة فلان؟ عندك دراجة فلان؟" فيقول: "ماذا؟" فيقول: "لا، ليست عندي"، مع أنه عنده. لماذا قال: "ليست عندي"؟ لأنه لو قال: "عندي"، سيأخذها وتضيع الحقوق. لكن هناك شيء يقال له التورية، وفي التورية مندوحة عن ماذا؟ عن الوقوع في الكذب الصريح. كيف يوري؟ يعني يأتي بكلام هو يريد معنى، ويفهم السامع معنى آخر غير الذي يريده المتكلم. على سبيل المثال: يأتي واحد ويقول: "فلان موجود عندك؟" ماذا تريد منه؟ قال: "هذا، خلاص، فهل الذي بيني وبينه سأضربه ضربا مبرحا أو أقتله أو آخذ ما له؟" فتأتي وتقول: "لا، فلان ليس موجود هنا". لاحظ إلى إشارة الإصبع: "ليس موجود هنا"، لكن ماذا؟ موجود هناك، مختبئ، أو في الغرفة الأخرى، أو في السطوح، أو غيرها. هنا تورية: أنت تريد "ليس موجود هنا". يأتي شخص مزعج، تعرفون ما معنى مزعج: متعب، ويدق على الباب عدة مرات: "يا فلان اخرج، يا فلان أين أنت، يلا". فيأتي ابنه أو ابنته أو زوجته، ماذا تريد؟ قال: "أين فلان أبوكم؟" يقولون: "فلان ليس موجود هنا". لاحظ: الزوجة تقول: "فلان الذي تطلبه ليس موجود هنا"، وهو لا يراها، فهي تريد ماذا؟ تريد هنا: أي على كفها، أو عند قدمها، ليس موجود. لكنهم: ريح داخل، مستريح على السرير، قد يشرب شاي، عصير، إلى غير ذلك. لكن هنا تورية: يفهم المخاطب أنه ليس موجود هنا، وهي تشير إلى ظاهري، أو ماذا؟ إلى باطن كفها، أو حول قدميها، إلى غير ذلك. فهذه المعاريض وهذه التورية تجنبنا الوقوع في الكذب. لكن أحيانًا التورية ما تنفع، أحيانًا ما تنفع: "ليس موجود هنا" يعني غير موجود في البيت، لا في غرفة النوم، ولا في السطوح، ولا في الحمام. كيف نفعل الآن؟ الرجل مرة حريص وشديد: "نعم، ليس موجود ها هنا، لا في السطوح ولا في الغرفة". فهنا يجوز إذا كان في هذا مصلحة ودفع مفسدة. وديننا يا إخوان أتى بجلب المصالح ودفع المفاسد، وهكذا أيضًا دعا إلى ارتكاب أخف الضررين وأقل المفسدتين. قال رحمه الله تعالى: "لكن يا إخوان لا يتوسع الواحد في هذا، لأنه قد يساء الظن به". فهذا عند الحاجة الماسة وعند الضرورة استخدم هذه التورية ونحوها، لكن لغير ما حاجة: قال: "سمعنا أن التورية جائزة"، ويجلس يغالط على الناس، ليش؟ قال: "والله تورية". هنا سيساء الظن بك، وترمى بماذا؟ بماذا يرمى؟ يرمى بالكذب، يرمى بالكذب. قال رحمه الله تعالى: "واستدل العلماء لجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم". أم كلثوم رضي الله عنها، من هذه أم كلثوم يا أبا محمد؟ من هذه أم كلثوم عبد الفتاح معنا؟ قال: "بحديث أم كلثوم رضي الله عنها". للأسف هذا اسم الكثير من المسلمين لا يعرف منه إلا تلكم المغنية، لو سمى شخص ابنته أم كلثوم سيقولون: "تسمي ابنتك باسم مغنية؟" يقولون: "كوكب الشرق"، إلى غير ذلك. لكن من هذه أم كلثوم؟ بنت الرسول. أليست بنات النبي صلى الله عليه وسلم بل وجميع أولاده ذكورًا وإناثًا ماتوا في حياته؟ ذاق الحمام وبعده فاطمة بماذا؟ بنصف عام، لم يبق إلا فاطمة، عاشت بعده ستة أشهر، نصف عام. نعم يا أبا ناظم، بنت الرسول. يا عبد الله، من أم كلثوم؟ رأيتك ترفع يدك، بنت الرسول. نعم يا أبا عبد الله، هذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. لاحظوا يا إخوان: وهو المقصود، يخرج الحية من الميت. عقبة بن أبي معيط من أكابر مجرمي مكة وألد أعداء الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم. هو الذي وضع سلا الجزور على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم حين سجد، وهو الذي أتى بثوب فوضعه على عنق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، وجعل يخنق الرسول صلى الله عليه وسلم خنقًا حتى جاء أبو بكر الصديق فدفعه عنه وقال: "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟". ولهذا في صحيح البخاري وغيره، لما سئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد موقف رأى المشركين ينالون فيه من النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر هذا الموقف. والشيء بالشيء يذكر. عقبة بن أبي معيط وقع في الأسر في غزوة ماذا؟ وقع أسيرًا في غزوة بدر. أحسنت، في غزوة بدر. فلما مشى النبي صلى الله عليه وسلم بالأسر قليلا من بدر، بعد أن أمر بقتل بعض مجرمي الحرب، كان منهم عقبة بن أبي معيط، فأمر بقتله. يقتل عقبة بن معيط، قال: "يا محمد، يا محمد، من للصبية عندي؟ أولاد". قال: "النار". "من للصبية؟" قال: "النار". فقتل ذلكم المجرم. عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر، هذه ابنته من فضليات الصحابيات وخيار المسلمات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. أخرج الله عز وجل أجيالًا مؤمنة من أصلاب كافرة. ونتذكر يا إخوان، ويتذكر الداعي دائمًا أنه مطالب بالصبر في دعوته، والحلم على من خالفه في الدعوة. ففي رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف، من الطائف، واستفاق وهو مغموم ومهموم، على وجهه فرفع رأسه، وإذا بسحابة، قال: "قد أضلتني". قال: "فإذا بجبريل ومعه ملك الجبال". فقال جبريل: "يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك، وقد أرسل إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت". فقال ملك الجبال: "يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت". وما هم الأخشبان؟ يا محمد، ما هم الأخشبان؟ عليهم الأخشبان يعني على أهل مكة: جبلين، جبل أبي قبيس وجبل قيقعان، تقع مكة بينهما. أطبق عليهم الأخشبين، فيكون أهل مكة في خبر ماذا؟ يا أبا طاهر، في خبر ماذا؟ نعم يا أبا الفاروق، يكون أهل مكة في خبر كان، يعني ذهبوا، يكون ماذا؟ ذهبوا. لكن انظروا يا إخوان إلى خلق الداعي: الرسول صلى الله عليه وسلم يقدر يقول: "يا الله، عجل بتخليصنا منهم"، لا، أعطى الدعاء على مر التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. درسًا في الحلم: شيء واحد ضايقك، وأي واحد نصحته وما استجاب لنصحك، تدعو عليه أو تريد الانتقام منه؟ قال: "لا، بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا". لاحظ كم خرج من أصلاب كافرة أنفس مؤمنة: خرج عكرمة بن أبي جهل، وخرج خالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، والوليد بن الوليد من صلب الوليد بن المغيرة، وهكذا خرج أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، جيل يا إخوان من الصحابة خرجوا من أصلاب كافرة. قال رحمه الله تعالى: "قال، واستدل العلماء لجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا، أو يقول خيرا»". قال: متفق عليه. ولهذا مر معنا يا إخوان أنه ليس من النميمة نقل الحديث من طرف إلى طرف آخر على سبيل الإصلاح، وقد يزيد فيه، يقول: "والله يا فلان، يا أخي، ما شاء الله يذكرك بخير، فلان يقول فيك أنك ما شاء الله إنسان محترم ومجتهد". يريد ماذا؟ أن يقرب، وأن يصلح، وأن يؤلف بينهم. قال: "وزاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص، أي النبي صلى الله عليه وسلم، في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها". حديث الرجل امرأته: بعض النساء بعض النساء تطلب أشياء، فإذا قال: "لا، ما في"، تقوم معركة في البيت وخصام، وقد يؤدي إلى فراق وطلاق. هنا: "أبشري إن شاء الله، كيف آتي لك بهذا؟" ومثله معه، وأنا قد بدأت أجمع. وحديث الرجل امرأته: قد يكذب عليها، لكن هذا عند الحاجة الماسة وعند الضرورة، ولا يجعله ديدنًا. وكذلك أيضًا المرأة مع زوجها. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.