الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 370، ألقاها
يروي أبو موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس على قف بئر وكشف عن ساقيه، وتبعه في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان. هذا الحدث يدل على فضل الثلاثة الأوائل وكرامتهم عند الله تعالى.
يشرح المقطع جواز الجلوس على حافة البئر وتغيير المجالس، ويبرز أدب أبي بكر وعمر في انتظار الإذن للدخول على النبي صلى الله عليه وسلم. هذا يدل على احترامهم للنبي وتقديرهم لمقامه.
يبين الحديث بشارة النبي لأبي بكر وعمر وعثمان بالجنة، ويشير إلى أنهم من العشرة المبشرين بالجنة. يذكر المقطع أسماء العشرة المبشرين بالجنة من الصحابة ويعدد منهم عشرة أسماء.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»: باب من أدلى رجليه إلى البئر إذا جلس وكشف عن الساقين. قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شريك بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى الأشعري، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى حائط من حوائط المدينة لحاجته، وخرجت في أثره. فلما دخل الحائط، جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرني. فذهب النبي صلى الله عليه وسلم فقضى حاجته، وجلس على قف البير، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البير. فجاء أبو بكر رضي الله عنه ليستأذن عليه ليدخل، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فوقف، وجئت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أبو بكر يستأذن عليك. فقال: «إذن له وبشره بالجنة». فدخل، فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البير. فجاء عمر، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذن له وبشره بالجنة». فجاء عمر عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه، ودلاهما في البير. فامتلأ القف، فلم يكن فيه مجلس. ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه». فدخل، فلم يجد معهم مجلسا، فتحول حتى جاء مقابلهم على شفة البير، وكشف عن ساقيه، ثم دلاهما في البير. فجعلت أتمنى أن يأتي أخ لي، وأدعو الله أن يأتي به، فلم يأتي حتى قاموا. قال ابن المسيب: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت هنا، وانفرد عثمان. هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «من أدلى رجليه إلى البير إذا جلس وكشف عن الساقين»، يعني من فعل ذلك فلا حرج عليه إذا أدلى برجليه إلى البير وكشف عن ساقيه لأجل ذلك. ووجه الشاهد من هذا الحديث هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين جلس على قف البير وكشف عن ساقيه ودلاهما في البير. والإنسان يحتاج لذلك، يعني أن يجلس في مثل هذه المواضع من أجل أن يغير مثلا من مجالسه، وكذلك أيضا يغير الجو كما يقال، فتارة يحب أن يجلس في حديقة أخرى على الماء، وأخرى عند البير، ونحو ذلك من هذه المجالس. فلا حرج عليه إن جلس الإنسان على قف البير وحافة البير، ووضع أو كشف عن ساقيه حتى يضعهما ماء في البير أو يضعهما في الماء، فهذا أمر لا حرج فيه. حديث أبي موسى، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوما إلى حائط من حوائط المدينة، الحائط البستان، الحائط هو البستان، قال: لحاجته، يعني خرج لحاجة أو ليريد أن يقضي حاجته في طرف الحائط. قال: وخرجت في أثره، أي أبو موسى، فلما دخل الحائط جلست على بابه، وقلت: لأكونن اليوم بواب النبي صلى الله عليه وسلم. ولعله جلس على باب الحائط حتى لا يدخل عليه أحد وهو يخضي حاجته، فأراد أن يمنع من يأتي حتى لا يدخل على النبي عليه الصلاة والسلام وهو على هذا الحال. قال: فذهب النبي صلى الله عليه وسلم فقضى حاجته، وجلس على قف البير، يعني حافة البير، وكشف عن ساقيه ودلاهما في البير. فجاء أبو بكر، وهذا فيه أيضا أدب أبي بكر، وهكذا عمر كما سيأتي، إذ أنه لما أوقفه ومنعه من الدخول لم ينزعج لذلك ولم يرفض ذلك، بل قبل ذلك ووقف حتى يؤذن له. قال له: كما أنت حتى أستأذن لك، فوقف رضي الله تعالى عنه مع أنه يعتبر من أفضل الصحابة، بل أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك وقف محله رضي الله عنه حتى أتاه بالإذن فدخل. وقوله: «وبشره بالجنة»، هذا أيضا فيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه أنه من أهل الجنة. قال: فدخل، فجاء عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البير، أي فعل مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فجاء عمر، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ائذن له وبشره بالجنة». وهكذا أيضا عمر، قال له: مكانك، وقف رضي الله تعالى عنه محله حتى يؤذن له. فهذا أيضا فضيلة لعمر رضي الله تعالى عنه أنه ممن بشر بالجنة وأنه من أهل الجنة. قال: فجاء عمر عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فكشف عن ساقيه ودلاهما في البير، فعل مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر. قال: فامتلأ القف، فلم يكن فيه مجلس، يعني لا يسع لأحد ثالث أن يجلس في هذا الموضع. قال: ثم جاء عثمان، فقلت: كما أنت حتى أستأذن لك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء يصيبه». وهذا أيضا من أدب عثمان رضي الله عنه، فوقف رضي الله عنه حتى أتاه الإذن ثم دخل، وبشر بالجنة، وهذا أيضا من فضائله رضي الله تعالى عنه مع بلاء يصيبه، يعني مع فتنة تصيبه، وهو ما وقع له رضي الله تعالى عنه من خروج من خرج عليه ومن قتله رضي الله تعالى عنه. قال: فدخل، فلم يجد معهم مجلسا لأن القف امتلأ، فلم يجد مكانا يجلس فيه، فتحول حتى جاء مقابلهم، جلس مقابل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، قال: على شفة البير، فكشف عن ساقيه، ثم دلاهما في البير. وهذا الفعل منهم رضي الله تعالى عنهم أنهم فعلوا كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بأن كشفوا عن سوقهم وأدلوا بها في البير. هذا يدل على أن الإنسان إذا أتى إلى شخص وفي مجلس على حالة، يعني من الأحوال التي هي مباحة ومشروعة، أن يفعل مثله، ينبغي أن يفعل مثله حتى لا يستحي فيترك الجلسة التي جلسها أو الحالة التي كان عليها. لكن لما يوافقه من جلس معه فإنه يستمر على جلسته التي كان عليها، فالنبي عليه الصلاة والسلام وفقه في جلسة أبي بكر وعمر وعثمان، فلذلك استمر في حالته التي كان جالسا عليها عليه الصلاة والسلام. قال: فجعلت أتمنى أن يأتي أخ لي، وأدعو الله أن يأتي به. وفي بعض الروايات أنه تأخر، كان يتوضأ فتأخر. وكان أبو موسى يتمنى أن يأتي حتى يصيب ماذا هذه الدعوة وهذه البشارة من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فلم يأتي حتى قاموا. وهذا فيه فضيلة لأبي بكر وعمر وعثمان أنهم من أهل الجنة، أنهم من أهل الجنة، فهذا الحديث فيه بشارة لهم بأنهم من أهل الجنة، نعم هم أحد العشرة المبشرين في الجنة. وقد ذكرهم نبي عليه الصلاة والسلام في حديث واحد، ذكر هؤلاء العشرة، أو حديث سعيد بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة»، وكذلك أيضا أو نعم من بقية العشرة: أبو عبيدة، وطلحة، وسعيد بن زيد آخر واحد العاشر، سعيد بن زيد العاشر هو الذي بقي. مما ذكرنا: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد. وأيضا عبد الرحمن بن عوف، والعاشر منهم: أبو عبيدة بن الجراح. صلى الله وسلم على نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين.