التعليقات على كتاب الأدب المفرد 354

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 354، ألقاها

حكم ابتداء أهل الذمة بالسلام وبيان من هم أهل الذمة

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، وأمر برد السلام عليهم. أهل الذمة هم الكفار الذين يعيشون تحت حكم الإسلام.

كيفية الرد على سلام أهل الكتاب وتفاصيل الرد

يختلف العلماء في كيفية الرد على سلام أهل الكتاب، فمنهم من يرى الرد "وعليكم السلام" إذا صرحوا بالسلام، ومنهم من يرى "وعليكم" سواء صرحوا أم لا.

تتمة الكلام عن الرد على أهل الذمة والكفار وتفسير الآية الكريمة

يشرح الحديث النبوي الرد على أهل الذمة بقول "وعليك". ويستعرض آراء العلماء في تفسير الآية الكريمة ومدى انطباقها على الكفار.

ختام الدرس بالصلاة على النبي وآله

تم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، تعبيراً عن نهاية المحاضرة أو الدرس الديني.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب لا يبدأ أهل الذمة بالسلام. قال: حدثنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد، عن أبي بصرة الغفاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني راكب غدا إلى يهود، فلا تبدأوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم. وقال: حدثنا ابن سلام، قال: أخبرنا يحيى بن واضح، عن ابن إسحاق، مثله، وزاد: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال... وحدثنا موسى، قال: حدثنا أبو هيب، قال: حدثنا سهيل، عن أبيه - وهو سهيل بن أبي صالح - عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أهل الكتاب لا تبدأوهم بالسلام، واضطروهم إلى أضيق الطريق». والحديث صحيح. وفي صحيح الإمام مسلم: باب لا يبدأ أهل الذمة بالسلام. من هم أهل الذمة؟ الكفار الذين باقون على دينهم تحت حكم الإسلام، ويدفعون الجزية للمسلمين في كل سنة، هؤلاء يقال لهم أهل الذمة. نعم، وكان في المدينة حين هاجر النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث قبائل من اليهود: بنو النظير، وبنو قينقاع، وبنو قريظة. نعم، وصالحهم النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر، ثم لما نقضوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، غزاهم النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بقي منهم من بقي تحت حكم الإسلام، ويدفعون الجزية. فالنبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى بعض هؤلاء اليهود، فأخبر أصحابه أن لا يبدأوهم بالسلام. قال: «فلا تبدأوهم بالسلام، فإذا سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم». هذا فيه أن المسلم لا يبدأ الكافر بالسلام، لا يبدأ الكافر، والمراد به الكافر الذمي، ومثله المعاهد، والمسالم، فإنه لا يبدأه بالسلام. لا تبدأوهم بالسلام، وإنما يبدأ بالسلام المسلم. وأما الكافر، فإنه لا يستحق السلام. قال في حديث أبي هريرة: «أهل الكتاب لا تبدأوهم بالسلام». أهل الكتاب: اليهود والنصارى الذين عندهم كتاب، ومراد به الكتاب السماوي الذي أنزله الله عز وجل، وهو التوراة الذي أنزل على بني إسرائيل، والإنجيل على نصارى. وإن كان الكتاب قد حرف وبدل، لكن يعد اليهود والنصارى من أهل الكتاب ممن أنزل عليهم الكتاب. فهؤلاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبدأوهم بالسلام». لا يبدأون بالسلام. طيب، إذا سلموا وابتدأوكم بالسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم». إذا لقيت يهوديا أو نصرانيا فابتدأك بالسلام، قالوا: عليكم، تقول له: وعليكم. سيأتي معنا في بعض الروايات السبب في ذلك، أنهم ربما قالوا: السام عليكم. السام عليكم، ما يقول: السلام، يقول: السام، والسام بمعنى الموت، بمعنى الموت. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: وعليكم. قولوا: وعليكم، يعني: وعليكم الموت. وبعض أهل العلم قال: يقال: عليكم بدون واو، بدون واو العطف، يعني: عليكم الموت، وليس علينا. عليكم الموت، وليس علينا. لكن هذه الروايات الصحيحة فيها ذكر الواو، فيها ذكر واو العطف في قوله: وعليكم. طيب، إذا صرح هذا الكافر بالسلام، يعني: سلم سلاما واضحا: السلام عليكم، هل نقول له: عليكم، أو نقول: وعليكم السلام؟ قال بهذا بعض أهل العلم، قالوا: إذا صرح بالسلام، فيرد عليه السلام، ويقال: وعليكم السلام. وبعض أهل العلم قال: بل يقال: وعليكم، ولو صرح بالسلام. لظاهر هذا الحديث، أنه يقال: وعليكم، إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم، سواء صرح بالسلام أم لم يصرّح. ولا شك أن هذا ماذا؟ أقرب إلى الصواب، وهو الظاهر من الحديث، أنه يقال: وعليكم. وبعض أهل العلم - كما سمعنا - ذهب إلى أنه لا بأس إذا صرح بالسلام أن يرد عليه بالسلام. وقوله عليه الصلاة والسلام: «واضطروهم إلى أضيق الطريق»، يعني: إذا مررت في طريق، ومر به بعض ماذا؟ أهل الكتاب، وهل الذمة؟ فإنك تضطره إلى أضيق الطريق، بمعنى: تضايقه في الطريق. وهذا كما قال أهل العلم: حتى يظهر عزة الإسلام وأهله، ويكون الكافر في ذلة ومهانة. والله عز وجل يقول في أهل الإيمان والتقوى ماذا؟ أعزة على المؤمنين، أذلة على الكافرين. فالكافر ذليل ومهان. نعم، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: «فاضطروهم إلى أضيق الطريق». قال: باب من سلم على الذمي إشارة. قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا حفص بن غياث، عن عاصم، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: إنما سلم عبد الله على الدهاقين إشارة. والأثر صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وإبراهيم هو النخعي، وعلقمة... نعم، كذلك. وقول: سلم عبد الله، يعني: ابن مسعود، قال: «إنما سلم عبد الله على الدهاقين» - والدهاقين جمع ماذا؟ دهقان، وهو بمعنى الرئيس، رئيس القوم، ومن له مال وعقار - قال: «إنما سلم عبد الله على الدهاقين إشارة»، يعني: بيده، لم يتلفظ بالسلام، وإنما أشار بيده إشارة. فبَوَّب عليه الإمام البخاري رحمه الله: باب من سلم على الذمي إشارة، يعني: لا بأس بالسلام إشارة، من غير تلفظ بالسلام، من غير تلفظ بالسلام. قال: وحدثنا عمرو بن نعاصم، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس، قال: مر يهودي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السام عليكم، فرد أصحابه السلام، فقال: السام عليكم، فأخذ اليهودي فاعترف، قال: ردوا عليه ما قال. وهذا الحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله، وهو أيضا في صحيح الإمام مسلم. مر يهودي على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: السام عليكم. قيل: السام بمعنى الموت. فهم أرادوا بهذه الكلمة التلبيس بالسلام، بذكر هذه الكلمة، ويريدون بها الدعاء على النبي عليه الصلاة والسلام بالموت، فقالوا: السام عليكم. وقيل: السام بمعنى المساومة: السام عليكم، يعني: تساومون دينكم. قال بهذا قتادة رحمه الله. وروي في بعض ألفاظ هذا الحديث عند البزار وابن حبان: أن السام بمعنى تساومون دينكم. فرد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم السلام، فقال... قال: السام عليكم، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأنه قال: السام عليكم، لم يقل: السلام عليكم. قال: فأخذ اليهودي فاعترف أنه قال: السام... السام عليكم. قال: ردوا عليه ما قال، يعني: ردوا عليه السلام، فيقال: وعليكم. قال: باب كيف الرد على أهل الذمة. قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليك، فقولوا: وعليك». والحديث في الصحيحين. إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليك - وأنت تظن أنه يقول: السلام عليك - فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقولوا: وعليك»، يعني: وعليك السام، وعليك السام، أي: الموت. ولهذا قال بعض أهل العلم أن قوله: وعليك، الرد عليه بهذا هو لأجل أنه يقول: السام عليك. قالوا: إذن، فإذا سلم صراحة فإنه يرد عليه بالسلام، فيقال: عليك السلام. نعم، لكن الأولى البقاء على ظاهر هذا الحديث، فربما يقول مرة: السلام عليكم، ومرة: السام، فلا تنتبه له، فلا تنتبه له. فلذلك ترد عليه في جميع الأحوال بقولك: وعليك، وعليك، كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: رد السلام على من كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا؛ ذلك بأن الله يقول: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وهذا الأثر حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وراوية السماك عن عكرمة فيها اضطراب، لكن لعل الشيخ الألباني وجد لها شواهد ومتابعات. وهذا الأثر فيه أن ابن عباس يقول برد السلام على من كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا، واستدل بعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. هذه الآية فيها أمر للمسلم إذا حيي بتحية، وسلم عليه بسلام، أن يرده بأحسن منه أو بمثله: بأحسن منها أو ردوها. فاستدل بها ابن عباس على رد السلام على الكافر إذا كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا. وبهذا قال الشعبي وقتادة. ومنع من ذلك مالك والجمهور، منعوا من الرد، أي: رد السلام على من كان كافرا؛ وذلك أن الآية خاصة بالمسلمين. أن الآية خاصة بالمسلمين. فالخطاب في قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، هذا الخطاب للمسلمين. إذا سلم عليك المسلم وحياك بتحية، فرد بأحسن أو بمثلها: بأحسن منها أو ردوها. نعم، إذا قال: السلام عليكم، قلنا: عليكم السلام ورحمة الله، هذا الأحسن. وإن رددتها، قلت: وعليكم السلام. فالخطاب في هذه الآية للمسلمين، وليس ماذا؟ فيه للكافرين. إذا سلم الكافر على المسلم، فعندنا الأحاديث التي سمعنا، فيها أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالرد على الكفار بقولك: وعليك، أو وعليكم. نعم، وعدم رد السلام عليهم. وهذا القول هو الأصوب، والله أعلم. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على