الدرس في كتاب الجنايات 4، ألقاها
تناول المقطع أحكام القصاص في حالة القتل العمد، مشيرًا إلى ضرورة حضور الحاكم لتنفيذه وضمان عدم الجور. كما ناقش كيفية تنفيذ القصاص واشتراط استخدام أداة ماضية.
قتل شبه العمد هو الاعتداء على شخص دون قصد القتل، فيموت بسبب ذلك الاعتداء. يعتبر هذا النوع مترددًا بين العمد والخطأ.
قتل شبه العمد له حكمان: دنيوي وأخروي، حيث تجب الدية المغلظة والكفارة على الجاني، وتثبت الدية لولي الدم على عاقلة القاتل.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا فيما مضى الكلام على القسم الأول والنوع الأول من أنواع القاتل، وهو القاتل العمد، وتوقفنا عند الكلام على شروط استيفاء القصاص. وقد قرأنا ما هي الشروط التي إن استوفيت استحق أولياء الدم القصاص. بقي من أحكام القصاص: أولًا، ينفذ القصاص بحضور الحاكم، أي الإمام أو نائبه، فهو الذي يقيمه ويأذن فيه؛ ليمنع من الجور فيه، ولإقامته على الوجه الشرعي، ودرءً للفساد والتخريب والفوضى. يعني من أحكام القصاص -كما تقدم وذكر- أن القصاص لا بد أن يكون بحضور الحاكم أو من فوضه الحاكم؛ لأجل ماذا؟ لأجل ما ذكر؛ لأجل أولًا أن يقام الحد الشرعي -القصاص- على الوجه المشروع، فلا يحصل فيه تعدٍ، وأيضًا لأجل أن لا يحصل فوضى وفساد في الأرض؛ إذ لو فتح الباب على مصراعيه لأزم من ذلك حصول الفوضى والفساد في الأرض. تجد هذا يقتل هذا، وتجد الآخر يقتل؛ لماذا قتلت؟ يقول: قتلت لأنه قتل أبي، قتل ولدي، قتل أخي، قتل عمي؛ ما البرهان والدليل؟ لا برهان ولا دليل. أو لم يكن ذلك القاتل واستحقه القاتل؛ إما لأن القاتل ليس بعمد، أو لأنه لم تستوف فيه شروط القاتل؛ كأن يكون مثلًا مجنونًا، أو يكون غير ذلك من الأمور التي لا يستحق معها القصاص. فالحاصل: أنه يكون ذلك القصاص بحضور الحاكم أو من فوضهم أو نابهم الحاكم؛ لأجل ماذا؟ لأجل ما تقدم ذكره: أن يكون على الوجه المشروع، أن لا يحصل فيه تعد ولا جور ولا ظلم، أن لا يحصل استرسال في الفوضى والفساد في الأرض. هذا باعتبار التعليل والمعنى، وباعتبار الشرع؛ فإن الأدلة الشرعية الكثيرة المتكاثرة تدل على أن هذه الأحكام من أحكام القصاص، ونحوها كغيرها من الأحكام؛ إنما يكون الحكم فيها من جهة الحاكم، يكون الحكم فيها من جهة الحاكم، وهو الذي دلت عليه الأدلة في أحاديث كثيرة، في أحاديث كثيرة ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنهم إن حصل القتل بينهم، قتل أحدٌ أحدًا، أنهم كانوا يترافعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم بينهم، وهو الحاكم حينها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فدل هذا على أن هذا الحكم -هذا الحكم- كغيره من الأحكام؛ ترفع إلى الحاكم، ينظر الحاكم في البراهين، في الأدلة، في البينات؛ ينظر: هل يستحق ذلك القاتل -أي القاتل- القصاص أم لا؟ ينظر في الأمر من جميع نواحيه، ثم ينزل الحكم الشرعي على ما ظهر له؛ بعد شهادة، وبعد نظره، وبعد كذلك علمه بالبينات الظاهرات، بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع؛ كغيره من الأحكام. الأمر الثاني، أو الحكم الثاني: الأصل أن يفعل به كما فعل بالمجني عليه. عندنا: بالمجني عليه الصواب. لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، فقول الله جل وعلا: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يدل على أن أولياء المقتول لهم أن يقتلوا القاتل بمثل ما قتل به صاحبهم. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رضَّ رأس اليهودي الذي قتل الجارية بين حجرين؛ كما فعل بها، كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة المرأة الجارية التي وجدت وقد رُضَّ رأسها بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا؟ فلان، فلان، حتى ذكروا يهوديًا، فأومأت: نعم. فأمر به، فأقرَّ. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرَضَّ رأسه بين حجرين. وهذا من هذا الباب؛ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، قالوا: وكذلك إن قطع يديه ثم قتله؛ فُعِل به ذلك. بمعنى: إن قتل مثلًا القاتلُ المقتولَ بالضرب بسكين مثلًا؛ طعنه في جسده حتى مات، أو قطع مثلًا يده، ثم طعنه حتى مات، أو ضربه بالحجارة، ثم أخذ السكين حتى مات، أو ما شابه ذلك؛ لأولياء المقتول أن يفعلوا به مثل ما فعل بصاحبهم. وإن انتقلوا إلى الأفضل بأن قتلوه؛ فحسن لهم ذلك؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾. الحكم الثالث: لا بد أن تكون الآلة التي ينفذ بها القصاص ماضية؛ كسيف، وسكين، ونحوه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»، وهذا عام في جميع القتلات، ومنها القصاص؛ فيقتل أولياء المقتول القاتلَ بشيء لا يكون فيه تعذيب ولا تأخير بالوفاة؛ بل يقتلونه بشيء ماضٍ وسريع في القتل؛ كسكين ونحوه. الأمر الرابع: إن كان وليُّ المقتول يحسن الاستيفاء على الوجه الشرعي؛ مكنه الحاكم من ذلك، وإلا أمره أن يوكل من يقتص له ممن يحسن ذلك. العين: الأصل أن وليَّ المقتول هو الذي يقتص بيده؛ قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَاتِلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾؛ فقد جعلنا لوليه سلطانًا؛ فالولي يدفع إليه القاتل فيقتله بمثل ما قتل صاحبهم؛ إن كان يستطيع ذلك، له قدرة على ذلك. فإن كان لا يستطيع -إما لأنه ضعيف، وإما يخشى أنه يفعل به أكثر مما فعل هو بصاحبه-؛ فمثل هذا يُنَوَّب عنهم من يقوم بهذا الأمر، وله أن يوكل الحاكم؛ يقول: الأمر عندكم، وأريد القصاص؛ فاقتلوه نيابةً عني؛ فلهم ذلك، ويقتلونه نيابةً عني. وقد جاءت الأدلة الكثيرة تدل على هذا؛ على أن أولياء المقتول يدفع إليهم القاتل فيقتلونه؛ لكن مع تحرِّي العدل، مع تحرِّي العدل؛ ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. بهذا يكون انتهينا من جملة الأحكام والمسائل المتعلقة بقاتل العمد، وهو القسم الأول من أقسام القاتل. فننتقل إلى القسم الثاني: القسم الثاني قتل شبه العمد. قتل شبه العمد، ومنهم من يسميه خطأ العمد، ومنهم من يسميه عمد الخطأ. حقيقته، أي حقيقة وصورة ومعنى: ما هي قتل شبه العمد؟ أن يقصد الاعتداء على شخص بما لا يقتل غالبًا، فيموت المجني عليه. وسمي أيضًا خطأ العمد؛ فهو يشبه العمد من جهة قصد ضربه، ويشبه الخطأ من جهة ضربه بما لم يقصد به القتل؛ فلذلك كان حكمه مترددًا. هكذا الصواب عندنا. فلذلك كان حكمه مترددًا بين العمد والخطأ. وسواء في ذلك قصد العدوان عليه أو تأديبه. طيب، صورته كما تقدم، ومهيته كما تقدم: أن شبه العمد سمي شبه عمد؛ لأنه متعمد للاعتداء، فهو فيه معنى العمد بهذا الاعتبار، وهو ليس بعمد؛ لماذا ليس بعمد؟ أنه لم يقصد القتل؛ فلذلك ما قتله أو ما ضربه بما يقتل غالبًا، أو ما ضربه في مكان يقتل غالبًا. ما الفرق بين الأمرين؟ أن يضربه بما لا يقتل غالبًا، لكن متعمد؛ يعني يأخذ مثلًا عصًا صغيرة لا تقتل غالبًا، فيضربه مثلًا ضربًا في الرأس، فيسقط ميتًا؛ هذا يسميه الفقهاء رحمهم الله تعالى يسمونه قتل شبه العمد. وقد جاء في ذلك حديث عند أبي داود والترمذي وغيرهما؛ بإسناد يحسنه جماعة من أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وقتل شبه العمد: أن يقتل بالعصا أو بالعصي أو بالحجر»، ففيه دية مغلظة. أو كما قيل. الحاصل: أن شبه العمد أن يكون شبه العمد فيه هذا المعنى؛ لكن سمي شبه العمد؛ لأنه فيه معنى تعمد تعمد الاعتداء والضرب، لكن لم يقصد القاتل، لكن لم يقصد القاتل. يعني -كما سمعتم- أن يضربه مثلًا بعصًا صغيرة فيموت، أو كما قال بعض الفقهاء: أو يلكمه -يعني يعطيه لكمة- يعطيه لكمة في مكان لا يقتل غالبًا فيموت، أو يوكزه وكزة. واللكمة: هو بأن يجمع كفه فيضربه بها، والوكزة: هو أن يجمع كفه فيضربه في صدره فيموت بسبب ذلك الضرب. في حقيقة الأمر: أن مثل هذا الضرب لا يقتل غالبًا، وهو أيضًا لم يقصد القتل أصلا، وإنما أراد الضرب، أراد المشاقرة، ولم يقصد به القتل؛ فمثل هذا يسميه فقهاء رحمهم الله تعالى شبه العمد؛ لماذا؟ قال: اختلاط بين الخطأ وبين العمد؛ فهو من الخطأ؛ لأنه ضربه بما لا يقتل غالبًا، وهو فيه الشبه من العمد؛ لأنه تعمد الاعتداء عليه، تعمد الاعتداء عليه، لكن بغير القتل. فقتل بسبب تلك الضربة -سواء كانت بآلة، أو كانت بيده- فمات بسببها؛ فهذا يسميه الفقهاء رحمهم الله تعالى شبه العمد؛ لماذا شبه العمد؟ لأنه متردد بين العمد والخطأ، متردد بين العمد وبين الخطأ. قالوا: وسواء في ذلك قصد العدوان عليه -كما هو ظاهر- أو تأديبه، التأديب لكن مع تفريط، أو قول: إفراط. يعني: أراد أن يؤدبه، فأخذ العصا فضربه ضربًا شديدًا، فمات من إثره، على إثره. معلم مثلًا أراد أن يؤدب ولده، فأخذ الولد أو الطالب فأخذ العصا فضربه ضربًا شديدًا مات من جراء ذلك الضرب. هو في الحقيقة لم يرد العدوان، ولكن أراد ماذا؟ التأديب، ولكن تعدَّى؛ أراد التأديب، ولكن تعدَّى؛ فقتل بسبب ذلك التأديب؛ فهذا يسمى قاتل شبه العمد، أو قاتل شبه العمد. أو أراد العدوان كما تقدم: يتشاجر رجلان، فأحدهما بيده صولجان -بيده عصًا صغيرة- فيوكزه مثلًا بصدره، أو يخبطه ويضربه ضربًا في رأسه أو في عنقه، فيموت بسببها، وهو لم يقصد القتل. ومثل هذه الضربة أصلا لا تقتل، ولكن قتل بسببها؛ فهذا لا يكون من قبيل العمد، ولكن من قبيل شبه العمد. بخلاف ما إذا ضربه في مكان يقتل غالبًا، ضربه في مكان يقتل غالبًا، ولو بآلة صغيرة، ولو بآلة صغيرة؛ يعني مثلًا عنده عصًا صغيرة، ولكن عنده يعلم بخبرته أنه إذا ضربه في المكان المعين سيقتله مباشرة؛ فضربه في ذلك المكان المعين، فقتل بسبب ذلك الضرب. أو لكمهم لكمة في مكان معين يعلم أن تلك اللكمة في ذلك المكان المعين قاتلة تقتل؛ فتعمد ذلك الفعل، وتعمد ذلك القتل؛ فهذا يكون من قتل العمد، لا من قتل غير العمد، من قتل العمد، لا من قتل غير العمد. فإذًا يفرق بين المكان الذي يقتل غالبًا، فيتعمد الضرب فيه، وبين المكان الذي لا يقتل غالبًا، فيضربه فيه فيموت؛ الأول يكون من قبيل العمد، والثاني يكون من قبيل شبه العمد؛ لماذا؟ لأن الأول تعمد وتقصد القتل في مكان يقتل غالبًا، أو بآلة تقتل غالبًا. أما الثاني -كما سمعتم- فإنه إما أن يضربه في مكان لا يقتل غالبًا، أو بآلة كذلك لا تقتل غالبًا؛ لكن ذلك الإنسان مات بسببها، مات بسبب تلك الضربة؛ فهذا من قبيل شبه العمد؛ لأنه لم يتعمد القتل، وإن تعمد العدوان، لم يتعمد القتل، وإن تعمد العدوان على ذلك المجني عليه؛ فهو من قسم شبه العمد. من صور قتل شبه العمد، وأمثلته: أولًا: أن يضربه في غير مقتل، أن يضربه في غير مقتل؛ أي في مكان لا يقتل غالبًا، أن يضربه في مكان لا يقتل غالبًا؛ بصوتجان -والصوتجان آلة لا تقتل غالبًا- أو حجر صغير، كذلك، أو عصًا صغيرة، كذلك، وما كان في معناها -أي من الآلات صغيرة التي لا تقتل غالبًا- يضربه بآلة صغيرة لا تقتل غالبًا، وفي مكان لا يقتل غالبًا؛ فهذا من شبه العمد. لماذا؟ لا نقول: لأنه من الخطأ؛ الجواب: لأنه تعمد العدوان؛ فهو لما فيه من معنى التعمد كان فيه معنى من معاني العمد، ولم يكن عمدًا؛ لأنه ما قصد القتل، ما قصد القتل، ولا تعمد القتل، وإنما أراد الضرب، أراد الاعتداء عليه بدون القتل؛ فقتل بسبب ذلك الاعتداء؛ ففيه معنى العمد، وفيه معنى الخطأ؛ معنى العمد -كما سمعتم- أنه تعمد الاعتداء عليه، وفيه معنى الخطأ؛ لأنه ضربه في مكان أو بآلة لا تقتل غالبًا. الصورة الثانية: أن يربطه ويلقيه إلى جانب ماء قد يزيد وقد لا يزيد؛ فيزيد الماء ويموت منه. وكذا لو ألقوه في ماء قليل لا يغرقهم مثله، فغرق. يعني: هذه من الصور التي أذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: لو أن رجلًا مثلًا ربط رجلًا على ضفة نهر، ربطه على ضفة نهر، على ضفة واد سيل، وكان من المعلوم أن هذا الماء قد يزيد وقد لا يزيد؛ هذا الماء يعني قد وقد، فوضعه في ذلك المكان لمدة، رجع؛ فإذا الرجل قد غرق؛ ارتفع الماء وغرق ذلك الرجل. هل يكون هذا من العمد أو من غير العمد؟ كما سمعتم: إن كان الأمر مترددًا؛ فذكر فقهاء رحمهم الله تعالى: أن هذا يكون من شبه العمد؛ لعدم تحقق العمد في ذلك القتل، وإن كان الماء وإن كان الماء غالبًا أو دائمًا يزيد؛ فمثل هذا يكون من قتل العمد -كما تقدم معنا في صوره العمد-. لكن نتكلم على أمر: قد وقد، قد يزيد الماء وقد لا يزيد؛ وضعه في ذلك المكان؛ هل قصد القتل؟ الأصل أنه لم يقصد القتل، ولكن مثلًا أراد -كما يقال- انتقامًا منه؛ لأنه فعل به مثل ذلك الفعل، أراد شيء من جناية عليه، الاعتداء عليه بمثل هذا؛ فقتل بسبب ارتفاع الماء، وهو لم يرد ذلك؛ أي تفاجأ؛ رجع إلى الرجل؛ فإذا الرجل قد غريق؛ فمثل هذا يكون من شبه الععد. يكون من شبه العمد، كذلك لو رماه أو ألقاه في ماء لا يغرق غالبًا -كما يقال- رماه في مكان يعني نهر مثلًا؛ نهر لا يغرق غالبًا، أو رماه في ضفة بحر قريب لا يغرق غالبًا؛ ولكن هذا الإنسان لذعر فيه لأمر لآخر مات بسبب ذلك الإلقاء؛ رماه فمات بذلك الماء؛ فهذا يكون من قتل شبه العمد. لماذا من شبه العمد؟ لأنه في الحقيقة لم يتقصد القتل، لم يتقصد القتل؛ وكما مر معنا من شرط القتل العمد: أن يتقصد القتل، وهنا لم يتقصد القتل؛ لأن مثل ذلك الماء لا يقتل غالبًا؛ لأن مثل ذلك الماء لا يقتل غالبًا؛ فهو كما إذا ضربه بعصًا لا تقتل غالبًا فمات بسبب تلك الضربة. الصورة الثالثة: أن يصيح بعاقل في حال غفلة فيموت، أو يصيح بصغير أو معتوه على سطح فيسقط فيموت. أيضًا من صوره: يعني من صوره يكون إنسان غافل؛ فيأتي إنسان فجأة من خلفه فينادي بصوت مذعر؛ فيفاجأ ذلك الإنسان فيموت؛ يفاجأ ذلك الإنسان من ذلك الصوت فيموت؛ كما يقول بعضهم: تحصل له مثلًا سكتة قلبية، يموت بسبب ذلك الصوت المفزع. هو في الحقيقة لم يقصد القتل، وإنما أراد ماذا؟ لم يرد القتل، وإنما أراد إخافته، أراد ممازحته، إلى غير ذلك من المعاني؛ فقتل بسبب ذلك الصوت؛ فهذا فيه معنى من معاني شبه العمد. كذلك أن يصيح بصغير طفل، فيصيح عليه بصوت مفجع يتسبب في قتله في موته؛ هذا كذلك؛ لأنه متعمد للفعل، لأنه متعمد للفعل، وإن لم يقصد الموت؛ يعني لم يقصد القتل، لكن تعمد لذلك الفعل، وتقصد لذلك الفعل بذلك الإنسان؛ فمات ذلك الإنسان بسبب ذلك الفعل الذي تعمده ذلك الفاعل؛ فيكون من قاتل شبه العمد؛ لأنه تعمد الفعل، أو معتوه. قالوا: أو يصيح بصغير أو معتوه على سطح فيسقط فيموت؛ كذلك يكون إنسان صغير على سطح بيت مرتفع، أو إنسان معتوه -أي فيه شيء من ماذا؟ من ضعف العقل- فيكون كذلك في مكان مرتفع؛ فيفاجئ ذلك الصغير أو المعتوه بصوت مفزع، بصوت مفزع؛ فيتسبب في طرابه، وفي سقوطه، وقتل بسبب ذلك الفعل؛ فهو كذلك من شبه العمد. لماذا من شبه العمد؟ لأنه تقصد الفعل، وإن لم يتقصد القتل، وإن لم يتقصد القتل؛ فهو من شبه العمد بهذا الاعتبار؛ باعتبار قصده لفعل التخويف لذلك الإنسان. حكم قاتل شبه العمد: لقتل شبه العمد حكمان: الأول: حكم أخروي، وهو الحرمة والإثم والعقاب في الآخرة؛ لأنه تسبب بفعله في قتل معصوم الدم. إلا أن عقابه دون قتل العمد؛ لماذا دون قتل العمد؟ لأنه لم يتعمد القتل، ولماذا يأثم؟ لأنه قصد الاعتداء؛ قصد الاعتداء؛ فهو باعتداء يأثم؛ على المسلم؛ لأن الأصل: حرمة المسلم؛ ﴿إِنَّ دَمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ﴾؛ كما جاء في الصحيحين من حديث أبي بكرة رضي الله عنه وأرضاه. وجاءت أحاديث كثيرة في هذا المعنى؛ بل نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا من أشد الإضرار بالغير؛ إذ تسبب في قتل أخيه المؤمن؛ فالحاصل: بأنه يأثم بسبب تعمده للعدوان على المسلم، وإن كان إثمه دون العمد؛ لأنه لم يتعمد القتل. الحكم الثاني: وهو حكم دنيوي؛ فيترتب عليه الدية مغلظة، والدية المغلظة: هي كدية العمد، دية مغلظة هي كدية العمد؛ ولا يترتب عليه قصاص كالعمد، وإن طالب به وليُّ الدم؛ لماذا؟ لأنه ما تعمد القتل، وإن تعمد الاعتداء بدون القتل. وتجب الكفارة في مال الجاني؛ تجب الكفارة في مال الجاني؛ وهي عتق رقبة، فإن لم يجد؛ صام شهرين متتابعين. وتثبت الدية لولي الدم على عاقلة القاتل؛ مؤجلة في ثلاث سنوات؛ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عقل شبه العمد مغلظ؛ مثل عقل العمد»؛ مغلظ مثل عقل العمد. فالدية في شبه العمد والعمد سواء؛ مغلظة؛ بخلاف قتل خطأ -كما سيأتي معنا-؛ فإنها مخففة. ولا يقتل، ولا يقتل صاحبه؛ فيكسب. عقل العمد مغلظة؛ لأن فيها شبه بالعمد، ولا يقتل؛ لأن فيه شبه بالخطأ؛ لأنه لم يقصد القتل. كما أن من قتل خطأ لم يقصد القتل؛ فهو لا يقتل؛ لأن فيه شبه بالخطأ، وعليه الدية المغلظة؛ لأن فيه شبه بالعمد. وحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط -ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط- وهي حبلى فقتلتها؛ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتل. والحديث صحيح، والحديث الأول تقدم: أنه في سنن الترمذي وغيره، وإسناده حسن. والشاهد من هذا: أنه قال: «دية المقتول على عصبة القاتل -على عصبة القاتلة-»؛ فيه أن قاتل شبه العمد أدية فيها على العاقلة. وهذا الذي عليه الجمهور، وهذا الذي عليه الجمهور من الفقهاء رحمهم الله تعالى. وذهب بعضهم إلى أنها أصلا أو أولًا تكون من مال القاتل؛ فإن لم يكن؛ فعلى العاقلة؛ لكن هذا الحديث يدل على أن الدية على العاقلة؛ أن الدية على العاقلة؛ وأن الكفارة على القاتل؛ أن الكفارة تكون على القاتل. والله تعالى أعلى وأعلم. فعلم من ذلك: أن الحكم الدنيوي: أن من قتل غيره قتلًا وصف بأنه شبه عمد؛ بأنه لا يقتل به، ولكن عليه الدية مغلظة؛ لهذين الحديثين، وعليه الكفارة كذلك؛ على الصحيح من أقوال العلماء، وهو الذي عليه جماهير الفقهاء رحمهم الله تعالى؛ تشبيهًا بقتل الخطأ، تشبيهًا بقتل الخطأ. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.