الدرس في كتاب الجنايات 2، ألقاها
يتناول هذا الفصل صور القتل العمد، حيث يذكر ستة صور للقتل العمد. يشرح تفاصيل هذه الصور وطبيعتها.
هذا الفصل يتناول حكم قتل العمد وأحكامه الدنيوية، حيث يبين تحريمه شرعًا وإثمه الكبير. يشرح أيضًا الأحكام الدنيوية المتعلقة بالقتل العمد.
يستعرض هذا الفصل شروط القصاص في النفس، حيث يحدد أربعة شروط لذلك. يشرح أهمية هذه الشروط في تحديد حق أولياء الدم في القصاص.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد: توقفنا في درسنا الماضي عند الكلام على قتل العمد، وذكر في الدرس الماضي أن قتل العمد يكون كذلك إذا توفر فيه شروط ثلاثة، أولها وجود القصد من قاتل، ثانيها أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدم معصوم، معصوم الدم، والثالث أن تكون الآلة التي قتله بها مما تصلح أن تكون للقتل عادة، أي تكون آلة قاتلة عادة، كما سيأتي بيان ذلك. صور القتل العمد: أولًا: أن يضربه بمحدد، وهو ما يقطع ويدخل في البدن، كالسيف والسكين والرمح وما في معناها، أن يضربه بمحدد، أي بشيء في حد، سيف كما ذكر، سكين، رمح، وكذلك يدخل فيه الرصاص في أيامنا هذا، وما كان في معناها، مما تقطع أو تخترق الجسد، هذه آلة، فإذا ضربه بآلة حادة تقطع وتخترق البدن، فهذه آلة من آلات القتل العمد. وكما مضى معنا، يشترط في القتل العمد أن تكون الآلة قاتلة عادة، أي جرت العادة بأن هذه الآلة إذا ضرب بها إنسان فإنها تؤدي إلى قتله وتلفه. ثانيًا: أن يقتله بمثقل كبير، كالحجر الكبير والمطرقة ونحوهما، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن جارية وجد رأسها قد رُدَّ بين حجرين، فسألوها: ما صنع هذا بك؟ فلان، فلان، حتى ذكروا يهوديًا، فأومأت برأسها، فأُخِذَ اليهودي فأقر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُرَدَّ رأسه بالحجارة. الشاهد من هذا أن رأسه يُرَدَّ بالحجارة لأنه قاتل عمدًا، فدل ذلك على أن من آلات القتل العمد هو القاتل بمثقل يقتل غالبًا، كأن يرمي إنسان إنسانًا بحجرة كبيرة، يُعلم أن مثلها في العادة تقتل، فمثل هذا يكون قاتلًا قتلًا عمدًا. ثالثًا: أن يمنع خروج نفسه، كأن يخنقه بحبل ونحوه، أو يسد فمه أو أنفه حتى يموت، وهذا كذلك أن يمنع خروج نفسه، ومعلوم أن الإنسان إذا حبس نفسه فإنه يهلك، فلو أن الإنسان تعمد ذلك بأن خنقه خنقًا شديدًا حتى مات، فهذا يكون قاتلًا لذلك المقتول قتلًا عمدًا. رابعًا: أن يسقيه سمًا ثم لا يعلم به، أي لا يعلم به المقتول، فلو علم وشرب، يكون هو الذي فرط في أمر نفسه، وهو الذي قتل نفسه، إلا أن يكون على سبيل الإكراه، يعلمه بأنه سم، ثم يكرهه على شرب ذلك السم، فإنه يكون قاتلًا له. خامسًا: أن يلقيه في مهلكة يكثر فيها السباع أو ينعدم فيها الماء، كذلك هذا من أنواع القتل العمد، إنسان يأخذ إنسانًا إلى مهلكة، إلى صحراء يكثر فيها الوحوش ويكثر فيها الحيات، وما شابه ذلك، فيرميه فيها، لا ماء، لا طعام، لا قدرة على حماية نفسه، فيموت بسبب ذلك، إما أن يفترسه مفترس من الوحوش أو الحيات أو ما شابه ذلك، إن مات يكون ذلك الفاعل لذلك الفعل قاتلًا عمدًا. سادسًا: أن يلقيه في ماء يغرقهم، أو نار تحرقهم، ولا يمكنه التخلص منها، أو التخلص منهما، يلقيه في ماء يغرقهم، هذا واضح، كان يأخذه مثلًا إلى وسط البحر فيرميه، ويعلم أن ذلك الرجل ليس عنده قدرة على السباحة، هذا إن مات ذلك الإنسان يكون قاتلًا له عمدًا. سابعًا: أن يحبسه ويمنع عنه الطعام والشراب زمنًا يموت فيه غالبًا، فيموت بذلك جوعًا أو عطشًا، هذا كذلك لو أن إنسان حبس إنسانًا عنده، حبس في بيته، في داره، سواء كان صاحب حكومة أو كان صاحب قبيلة، ربما كانت عندهم سجون، أو بعض الأمراء أو ما شابه ذلك، فلو أنه فعل هذا الفعل، أخذ إنسانًا حبسه في حبس، ومنع عنه الطعام والشراب فترة يعلم أنه يموت فيها، فمات بسبب ذلك، لا طعام، لا شراب، مات بسبب ذلك، فإنهم يكون قاتلًا عمدًا لذلك الإنسان الذي حبسه. ثامنًا: أن يلقيه إلى حيوان مفترس، كأسد أو حية قاتلة، فيموت من ذلك، هذا كذلك، يعني يكون إنسان مثلًا يأخذ إنسانًا إلى مكان يعلم أن فيه أسدًا مفترسًا، أو يعلم أن فيه حية ضارية، فيلقيه إليها عمدًا لأجل أن تقتله، فيقتل بها، فإن ذلك الإنسان يكون قاتلًا عمدًا لذلك المقتول. تاسعًا: يتسبب في قتله بما يقتل غالبًا، كأن يشهد عليه بما يوجب قتله، من زنى، أي إن كان محصنًا، أو ردة، أو قتل، فيقتل، ثم يرجع الشهود عن شهادتهم، ويقولوا: إننا عمدنا قتلَه، فيقتلون به. الضابط العام في قتل العمد أنه أن كل إنسان إذا تعمد قتل إنسان آخر بما يقتل غالبًا، فقتل بذلك، فإنه يكون قاتلًا عمدًا، إذا تعمد الإنسان قتل إنسان معصوم بغير حق بما يقتل غالبًا، فإنه يكون من قتل العمد. حكم قتل العمد: لقتل العمد حكمان: الأول حكم أخروي، أي يوم القيامة، وهو تحريم القتل، حكم دنيوي، لأنه من أحكام التكليفية، فهو محرم في الدنيا، ولفاعله الإثم العظيم، بل كما مر معنا أنه يكون فاسقًا، لأنه ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وهي القتل. والحكم الثاني حكم دنيوي، فيترتب على قتل العمد القصاص، إن لم يعفو أولياء المقتول، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يعفو وإما أن يقتل». وفي رواية: «إما أن يقاد وإما أن يفدى»، ومن قتل له قتل عمدًا، فهو في أحد النظرين، أي في القتل العمد، فولي الدم مخير بين القصاص أو العفو بلا مقابل، أو أخذ دية، وهي بدل عن القصاص. فكما ترون، أحكام يخير فيها أولياء الدم، إما أن يقتل القاتل بالمقتول قصاصًا، وإما أن يعفو أهل المقتول عن القاتل من غير مقابل، وهذا يقول الله جل وعلا في الآية السابقة: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، هذا قصاص، أو العفو. والأمر الثالث: الدية، لما جاء في هذه الرواية: «أو يفدى»، إما أن يقاد وإما أن يفدى، قالوا: أو أخذوا الدية، وهي بدل عن قصاص، وله الصلح، أي حكم الرابع، يستريح أولياء المقتول مع القاتل، أو مع أولياء القاتل، وله الصلح على أكثر منها. بمعنى: لو أن أهل المقتول يقولون: نريد الدم، لا نريد إلا الدم، النفس بالنفس، لهم ذلك، فلو أن بعض المصلحين قالوا: تنازلوا عن ذلك، وسنعطيكم بدلًا من المئة ناقة، مئتي ناقة، هل لهم ذلك؟ الجواب: لهم ذلك, ويكون هذا من باب الصلح، ولهم أن يستريحوا بما فوق الدية. لحديث عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: «من قتل عمدًا، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم». والحديث حسن، بسبب سلسلة عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فإنها سلسلة حسنة، وشاهد منه: «وما صالحوا عليه فهو لهم»، أي دون أو فوق القصاص. قالوا: وعفوا بلا مقابل أفضل، أي لو أنهم عفوا عن القاتل بلا مقابل، أفضل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. لكن كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن مسألة العفو، والأخذ بالقصاص، أو الدية، يختلف باختلاف القاتل، فلو أن القاتل كان شريرًا، لو أن القاتل كان شريرًا، مستهترًا بالدماء، فمثل هذا الأولى أن يقتل، والأفضل أن يقتل، لأجل أن يكتف أو أن يندفع شره. أما إذا عُرِف أن القاتل رجل عُرِف بالخير، أو بالستر، وإنما حصلت منه هفوة، زلة ساعة غضب، وندم، وظهرت عليه ملامح التوبة، فمثل هذا فالأفضل في حقه العفو، وإن أخذوا القصاص فلهم ذلك، وإن صالحوا على أكثر من ذلك فلهم كذلك. شروط القصاص: في النفس، يستحق ولي القتيل القصاص بشروط أربعة، يعني القصاص من حق أولياء المقتول، من حق أولياء الدم، لكن متى يستحقون هذا الحق؟ أو هذا الأمر يستحقونه بشروط أربعة. أولها: أن يكون القاتل مكلفًا، وهو البالغ العاقل، فلا قصاص على الصغير، والمجنون، والمعتوه، والنائم، يعني فلا قصاص على الصغير، لو أن صغيرًا مثلًا أخذ في هذه الأيام مسدسًا، فرمى في هذا المسدس، فقتل إنسانًا عمدًا، هل لأولياء المقتول أن يأخذوا ذلك القاتل ويقتلوه؟ الجواب: لا، لماذا؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» وذكر منهم: «الصبي حتى يحتلم». وكذلك مجنون، لو أن مجنون فعل كذلك قتل إنسانًا عمدًا، كذلك لا يقتل به، لماذا؟ لأنه مجنون، ومن شرط القتل العمد كما مر معنا: القصد، والصبي والمجنون، وكذلك المعتوه، وهو أشبه ما يكون بالمجنون، وكذلك النائم، فإن هؤلاء لا قصد لهم، هؤلاء لا قصد لهم، فهم غير متعمدين للقتل، فهم غير متعمدين، فيكون أحكامهم أحكام القتل خطأ، تكون أحكامهم أحكام الخطأ. ثانيًا: أن يكون المقتول معصوم الدم، لأن القصاص شرع لحقن الدماء، ومهدر الدم غير محقن، أي لو كان إنسان أصلًا دمه هدر، ليس بمعصوم، فإنهم لا يقتلوا به، لذا قيل: فلو قتل مسلم كافرًا حربيًا، هل يقادوا به؟ الجواب: لا. ثالثًا: التكافؤ بين القاتل والمقتول، أي لا بد أن يكون القاتل مكافئًا، لأن يكون المقتول مكافئًا للقاتل، فيساوي في الحرية والدين والرق، فلا يقتل مسلم بكافر، ولو كان المسلم عبدًا، والكافر حرًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل مسلم بكافر». رابعًا: عدم الولادة، فلا يكون المقتول ولدًا للقاتل، ولا لولده، وإن سفل، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علت بالولد، وإن سفل، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل والد بولده»، والحديث حسن، يحسنه بعض أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله. والشاهد منه: أن من موانع قتل القاتل أن يكون القاتل أبًا للمقتول، سواء كان أبًا مباشرًا، أو كان أبًا غير مباشر، كالجد، فإنه لا يقتل، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقتل والد بولده»، قالوا: ويقتل الولد بكل من الأبوين، أي لو كان العكس، لو قتل الولد أباه، فإنه يقتل به، لعموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.