الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الشيخ بشرح باب نسيان القرآن من صحيح البخاري، مبيناً النهي عن قول «نسيت آية كذا» والتوجيه النبوي باستبدالها بـ «أُنسِيت»، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾، ومؤكداً على وجوب تعاهد القرآن بالمراجعة المستمرة.
يبيّن المقطع أن نسيان القرآن ليس محرماً في ذاته لكن يُكره، ويعود سببه إما لتقصير العبد في المراجعة والاشتغال بالدنيا والمعاصي، وإما لحكمة إلهية وقضاء وقدر، مع توضيح أن النسيان في آية النسخ يعني الترك لا الغفلة، ووجوب تجنب موانع الحفظ.
يختم الشيخ بالتأكيد على أن نسيان القرآن قد يكون بقضاء وقدر من الله كما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكتفي بهذا القدر من البيان حول الباب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب نسيان القرآن، وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا؟ وقول الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾. وهذا الباب ذكره في النسيان، أو القول في نسيان القرآن، أي: يريد حكم النسيان، وكذلك القول: نسيت آية كذا وكذا. قال: حدثنا ربيع بن يحيى، وظهر أنه الزهراني، قال: حدثنا زائدة، وزائدة هو ابن قدامة الكوفي، وكان حافظاً، وأيضاً كان ضابطاً، قال: حدثنا هشام، أي: ابن عروة، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سمع النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا». قال: حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون، قال: حدثنا عيسى، أو ابن يونس، ابن أبي إسحاق، قال: حدثنا هشام، أو عن هشام، قال: «أسقطهن من سورة كذا، وأنا أذكرني كذا وكذا آية، أسقطهن من سورة كذا». تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام، أي: تابعه عيسى بن يونس. وقال: حدثنا أحمد بن عبيد رجاء، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يقرأ في سورة بالليل، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا». قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بئس ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي»، أو بالتخفيف: «نسياً». طيب، هذا الباب في مسألة نسيان القرآن، وكذلك التلفظ بذلك، يقول مثلاً: أنسيت آية كذا وكذا، أو نسيت آية كذا وكذا. وهناك أنه يريد أن يبين أن هذا اللفظ منهي عنه، وهو أن يقول: نسيت آية كذا وكذا، وإنما يقال: نُسِّيت، أو نُسي. وفي الحديث الأول فيه أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا»، وقوله جل وعلا: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾. فقوله: ﴿فلا تنسى﴾ هنا نافية، وتعتبر أيضاً مثل النهي. فقال الله عز وجل للنبي: ﴿سنقرئك﴾، أي: هذا القرآن، أنك تكرر هذا القرآن حتى لا تنساه، حتى لا تنساه. وهذا كما قال العلماء فيه: أن قارئ القرآن وحافظ القرآن ينهى عن الأسباب التي تؤدي إلى تركها، أو إلى نسيان القرآن، من إهماله، وعدم القراءة، وعدم الحفظ، وعدم المراجعة، وغيرها من هذه الأسباب. أيضاً قد تكون أسباباً معنوية، مثل المعاصي وغيرها. فلذلك فإنه منهي عن تعاطي هذه الأسباب التي تنسيه القرآن، التي تنسيه القرآن. ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، فينبغي للمسلم أنه يحافظ على كتاب الله جل وعلا، وإن ترك بعض الآيات أو بعض السور أو كذا أنسيها، فإنه يتعاهدها. وقد جاءت بعض الأحاديث في النهي عن أخذ القرآن ثم نسيان نسيانه، أو نسيان بعضه، لكن لم يثبت منها شيء. ولهذا الإمام البخاري هنا كأنه يريد أن يبين أن النسيان حاصل، أن النسيان حاصل في الإنسان، ينسى بعض الآيات وكذا، وهذا ليس محرماً، هذا ليس محرماً، لكن الأفضل للإنسان أن يتعاهد القرآن ويراجع القرآن حتى لا ينساه. لهذا قال الله عز وجل: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾. ﴿إلا ما شاء الله﴾: أي ما جعلك الله عز وجل لا تنساه. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بئس ما لأحدهم يقول: نسيت آية كذا، أو نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسي». أي: أنساه الله، أنساه الله. كأنه يريد أن يبين أن نسيانه القرآن إنما سببه هو نفسه، سببه نفسه، والذي أنساه هو الله، الذي أنساه هو الله. وقد يكون لحكمة منه سبحانه وتعالى، أو قد يكون أن هذا الشخص تعاطى شيئاً من أسباب النسيان: إما المعاصي، وإما الانشغال عن القرآن، والانشغال مثلاً بما يلهيه عن ذلك من الأموال والأولاد وغير ذلك مما يلهي عن كتاب الله جل وعلا، فلا يتعاهدهم بالقرآن، ولا يقوم به، ولا يقرأه في الصلاة إلا أشياء يسيرة. فهذا لا شك أنه تعاطي أسباب النسيان، فلذلك يحصل له النسيان من الله. فلذلك لا يقال: نسيت آية كذا، وإنما يقول: نُسِّيت. وهذا معنى قول: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، أي: نقرئك القرآن، أي: نطلب منك مع عهدته وقراءته. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أول ما كان ينزل عليه جبريل بالقرآن يعجل في قراءته، كان كل ما قرأ عليه شيء قرأ معه حتى لا ينساه، فضمن الله عز وجل له بعد ذلك أنه يحفظه في صدره. فلذلك نهاه أن يعجل: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه﴾، أي: حتى ينتهي جبريل من قراءة القرآن، ثم قرأه بعد ذلك: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه﴾. أي: اقرأه بعد ذلك إذا انتهى جبريل. وهذا يبين أيضاً في هذه الآية: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، نقرئك: أي نطلب منك قراءته حتى لا تنساه، حتى لا تنساه. وهنا ليست ناهية، وإنما هي نافية: حتى لا تنسى القرآن. فلذلك تعاهد هذا القرآن وكرره حتى لا تنساه. لكن إن نسي الإنسان، أو نسي الإنسان شيئاً من الآيات، فليس ذلك محرماً، لكن ينبغي عليه تعاهد كتاب الله جل وعلا، وأيضاً يراجع حتى لا ينسى هذه الآيات. فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية»، وأنا لما سمع رجلاً يقرأ في المسجد. وهذا الرجل جاء في حديث أنه سالم مولى أبي حذيفة، وجاء في حديث أنه الظاهر: وهب بن حارثة، أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم. فاستمع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قراءته، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا». وأيضاً قوله جل وعلا: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها﴾. ﴿ننسها﴾: ليس معناه النسيان، وإنما قال الله عز وجل: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾، أي: نتركها ونبقيها. لأن النسيان يأتي بمعنى الترك، النسيان يأتي بمعنى عدم الذكر، ويأتي بمعنى أيضاً الترك. مثل ما قال الله عز وجل: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾. وقال جل وعلا: ﴿قال رب لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾. فنسيتها: أي تركتها، ولم تعمل بها، ولم تتعظ بهذه الآيات. فهنا النسيان ليس المراد عدم الذكر، وإنما النسيان هنا ترك. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾، أي: تترك فيما أنت فيه من العذاب. فتأتي بمعنى كما قلنا: الترك. لكن هنا المراد به النسيان هو عدم الذكر، عدم الذكر لهذه الآيات. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا». وجاء في اللفظ الآخر: قال: «يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا». فتبين من هذا أن الإنسان قد ينسى القرآن، قد ينسى القرآن. لكن إن نسي بعضه لا بأس، يتعهده، وأيضاً يتذكره ويراجع، هذا أفضل. لكن هل إذا نسي، قرأ القرآن ثم نسي، أو نسي هذه الآيات، أو نسي شيئاً كثيراً من القرآن، هل هو آثم؟ فلم يصح شيء على تأثيمه، لم يصح شيء على تأثيمه. لكن قد يأثم على تعاطي أسباب النسيان، قد يأثم على تعاطي أسباب النسيان، وهو الإهمال: إهمال كتاب الله جل وعلا، والانشغال عنه، الإنشغال عنه إما بدنيا، وإما بأولاد، وإما كذلك بالمعاصي، وإما بغيرها من الانشغالات، فينسى كثيراً مما حفظه من كتاب الله جل وعلا. وقد جاء خلاف عن بعض العلماء أنه جعل نسيان القرآن من المعاصير، جعل نسيان القرآن من المعاصي، كما جاء عن الضحاك بن مزاحم قال: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾. قال: ونسيان القرآن من أعظم المصائب. ونسيان القرآن، قال الضحاك: من أعظم المصائب. ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾: معناه أنه ينسى القرآن بسبب المعاصير، سبب الغناء، كما ذكر الإمام ابن القيم أنه لا يجتمع قرآن الله عز وجل وقرآن الشيطان من الأغاني وغيرها في قلب عبد. فلذلك إذا شغل العبد المعاصي والذنوب غيرها، فقد هذا أيضاً يكون سبباً من الأسباب التي تنسيه القرآن. فلذلك قال: استدل الضحاك بن مزاحم بقول الله جل وعلا: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾. قالوا: نسيان القرآن من أعظم المصائب. وخلاصة ما يقال هنا: أن مسألة نسيان مثلاً شيء من الآيات وعدم ذكرها ليس محرماً، وليس آثماً على الشخص، لكن ينبغي عليه أن لا يتعاطى موانع أو الأسباب التي تؤدي إلى النسيان، لا يتعاطى الأسباب التي تؤدي إلى نسيان كتاب الله جل وعلا. وأيضاً من ناحية اللفظ: لا يقول: نسيت آية كذا وكذا. ﴿بئس ما لأحدهم﴾، أو ما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسي. ﴿بل هو نُسي﴾: معناه أن هذا حصل بسبب، حصل نسيانه للقرآن بسبب: إما إهماله وعدم مراجعته، أو كذلك بأمور أخرى من الانشغال، أو من المعاصي، أو بغيره. فلذلك أنساه الله عز وجل بهذه الآيات. طيب، وقد يكون أيضاً كما قلنا: نسيانه لهذه الآيات بسبب أو حكم من الله جل وعلا، مثل ما حصل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا. الله تعالى أعلم. ترجمة نسيان القرآن، ترجمة نسيان القرآن.