كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 45

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 45

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نقد رواية "طلع البدر علينا" وبيان ضعفها التاريخي والسندي

يتناول المقطع رواية استقبال أهل المدينة للنبي صلى الله عليه وسلم بإنشاد "طلع البدر علينا"، مبيناً أن سندها معضل لرواية موسى بن أبي عائشة من أتباع التابعين. وينقد ابن القيم متن الرواية جغرافياً لوقوع ثنيات الوداع على طريق الشام لا مكة، مرجحاً أنها قيلت بعد غزوة تبوك، ويرد ما أضافه الغزالي من ضرب الدف والخلاخيل.

وعد الله بحفظ القرآن في صدر النبي وتبليغه

يوضح المقطع كيف ضمن الله للنبي صلى الله عليه وسلم حفظ القرآن في صدره وتبليغه للناس، ونهاه عن تحريك لسانه للتعجيل بحفظ الوحي. ويبين أن نسيان بعض الآيات في مراحل لاحقة لا ينافي هذا الضمان الإلهي العام.

كيفيّة قراءة النبي للقرآن ونصيحة ابن عباس في الترتيل والتدبر

كان النبي ﷺ يقرأ القرآن قراءة مبينة واضحة تُفهم معانيها، ويتلقى الوحي من جبريل بإنصات ثم يبلغه للناس. ونصح ابن عباس بأن قراءة سورة بتأنٍّ وتدبر خير من ختمة سريعة، مشدداً على أن السرعة لا تلغي سماع الأذن ووعي القلب.

جواز القراءة السريعة مع مراعاة أحكام التجويد وقراءة النبي عند نزول الوحي

يوضح المقطع جواز القراءة السريعة للقرآن بشرط عدم الإخلال بالحروف والحركات والسكون والواجبات. ويذكر أن النبي ﷺ كان إذا أتاه جبريل أطرق واستمع، ثم يقرأ الوحي بعد ذهاب جبريل كما وعده الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال حدثنا قتيبة بن سعيد، وقتيبة بن سعيد بن رجاء بن طريف بن جميل، اجتمع في آبائه ثلاثة من معاني السعادة: قتيبة، وابن سعيد، وابن جميل، وابن طريف، الجمال والطراف، هذه من أسماء السعادة. أبو رجاء الثقفي البغلاني المصري، قال حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي، قال عن موسى بن أبي عائشة، وهو أيضًا كوفي، وهو الذي روى قصة دخول النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وفيها أن الأطفال والنساء استقبلوه بقولهم: طلع البدر علينا. ولم يسندها إلى أحد، يعني ذكرها معضلة؛ لأن موسى بن أبي عائشة يعتبر من أتباع التابعين. وما ذكر فيها، أو ما يعرف مثلًا من ذكر الخلاخيل، وعن الطار فيها، هذا إنما ذكره الغزالي في الإحياء، ولم يوجد في الروايات. هذا الذي كانوا يذكرونه في الرسالة وغيره ليس صحيحًا، أصله ليس صحيح. وزاد أيضًا الغزالي في الإحياء أنهم ضربوا الدف والخلخال، والخلخال: معنى هذه التي تعمل صوتًا في الدف سُميت خلاخيل. فقال: بالدف والخلخال، وهذا خطأ، لم يأت شيء من هذا، لعله وهم من الغزالي. وأيضًا نفس الحديث خطأ، فهو معضل معضلة، وأيضًا أنه خطأ كما بيّن ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله؛ لأن في الحديث أنهم كانوا يقولون: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وثنيات الوداع إنما من طريق الشام، وليست من طريق مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام جاء من طريق مكة، جاء من طريق الساحل، يعني من طريق جدة وما حولها، يعني مرّ طريق الساحل. وأما ثنيات الوداع فهي على طريق تبوك، على طريق الشام، فلا دخل لها في طريق مكة. ومن هذا أيضًا الباب ضعف الإمام ابن القيم هذه القصيدة أو هذه القصة، والظاهر كما رجح الإمام ابن القيم أن هذه قالوها بعد تبوك، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وقد أفزع وخوف الروم مع قوتهم أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى تبوك لأجل أن يحارب الروم، لكنهم لم يأتوا وجبنوا باللقاء، وصار هذا هجيمة لهم؛ لأنهم يعتبرون من القوى الكبرى في ذلك الوقت، لكنهم لم يستطيعوا أن يواجهوا النبي عليه الصلاة والسلام في تبوك، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وهو منتصر، فقال ابن القيم: ممكن أنهم قالوا هذه القصيدة، قالها الأطفال. قال: عن موسى بن أبي عائشة رحمه الله الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله: ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ [القيامة: 16]. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي، وكان مما يحرق به لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه، فأنزل الله عز وجل الآية التي فيها: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القيامة: 1]، ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ [القيامة: 16-19]. إن علينا أن نجمعه في صدرك وقرآنه، والقرآن هو الجمع، وقرآنه: أي وجمعه، وأيضًا كذلك حفظه وتلاوته، أي يجمع الله عز وجل في صدره القرآن، وكذلك يجمع تلاوته. قال: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾، أي: فإذا أنزلناه فاستمع، ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾، قال: إن علينا أن نبينه بلسانك. عندما يقرأ عليه الصلاة والسلام يقرأه باللسان المعروفة للعرب، فيعرفون هذا القرآن. قالوا: كان إذا جاء جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. وأن الآن ابن عباس يقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان لما يأتيه الوحي يأتيه جبريل فيقرأ عليه، فيحرف النبي صلى الله عليه وسلم هذا الذي يقرأه جبريل حتى لا ينساه، أنا يريد حتى لا ينساه أو يذهب عليه شيء مما قرأه، فيتحفظه يراجعه، وجبريل يقرأ، فنهاه الله عز وجل عن ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف أنه يذهب عليه شيء، لكن ضمن الله عز وجل أنه سيضعه في صدره ويكون في صدره هذا الشيء ويبلغه للناس، فضمن الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام حفظه في صدره وتبليغه للناس. وهذا لا يعارض مثلًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تذهب عليه الآية أحيانًا، هذا لا يعارض؛ لأن الله عز وجل أراد في ذلك الوقت في الوحي، فلذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام... فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحفظ له هذا الذي قرأه عليه جبريل، ثم بعد ذلك يقرأه للناس، فقد مثلًا مع العهد، ومع السنوات، ومع الأشهر قد تذهب بعض الآيات، فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم قبل، لما كان سمع رجلًا يصلي بالناس فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها. تقدم هذا الحديث فيما قبل. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام ضمن الله عز وجل له حفظ هذا القرآن، وكذلك أيضًا بيانه، أنه إذا قرأه قرأه قراءة مبينة مفسرة. ولهذا قال: قال ثم سلم، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ قرأ قراءة مبينة مفسرة، معنى: ليس فيها غموضوح ليس فيها غموض، يفهمها من يسمعها، معنى: ما يدخل بعض الأحرف في بعض، أو يغمي بعض الأشياء، وإنما يقرأها قراءة مبينة، يعرفها من سمعها، يعرف أنها كذا وكذا. وهذا الذي جعل المؤلف هنا يذكره في هذا الباب: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 4]، وهذا الترتيل أنه يبين القراءة، يوضح القراءة، تبين القراءة توضيحها، فلا يكون فيها إشكال من ناحية الكلمات، أن الكلمات تكون واضحة لا تلتبس على السامع. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه جبريل بعد ذلك أطرق، معنى: ما يحرك لسانه، وإنما يستمع فقط، يستمع ويطأطئ رأسه، حتى إذا انتهى من جبريل جمع الله عز وجل له في صدره هذا الذي قرأه جبريل، ثم يقرأه للناس. وحيانا يقرأه في الصلاة عليه الصلاة والسلام، حتى لما نزلت بعض السور استغرب الصحابة، يقالوا: متى أنزلت هذه السورة؟ سمعوها في الصلاة، سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وحيانا يقرأها لهم، وحيانا يقول: قد أنزلت علي كذا وكذا، ويقرأها لهم. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغهم القرآن كلما نزل شيء من القرآن بلغهم، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة، وكان عليه الصلاة والسلام يفسر قراءته. ولهذا كان ابن عباس لما جاءه رجل وهو أبو حمزة، وكان من طلابه، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وإني لا أقرأ القرآن في ليلة، أنا أقرأ بسرعة حتى أقرأه في ليلة. فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة سورة أحب إلي من أن أقرأه كل... يعني تقرأ سورة متمهلًا فيها أفضل من أن تقرأ القرآن كله بسرعة. ثم قال له: إن كنت لا بد فاعلًا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك وتوعيها قلبك. إن كنت فاعلًا، يعني تريد تقرأ بسرعة، فاقرأ بسرعة، لكن يقرأ قراءة تسمعها أذنيك وتوعيها قلبك، أنا توعي هذه القراءة، حتى إذا أردت أن تتدبر تتدبر، ما تكون سرعة بدون تدبر، أو سرعة حتى ما يجعل الإنسان يدرك هذه القراءة، تكون سرعة حتى تجد أنه يلهث أو يلهف في الصلاة من كثرة السرعة، وهذا خطأ، مثل ما كان يفعل بعض أهل التصوف في سوء في صلاة التراويح، تجده مثلًا يقرأ بسرعة جدًا حتى أحيانًا يأخذ نسمة كبيرة بعد القراءة من كثرة السرعة، فهذا ما ينبغي، كما قال ابن عباس: إذا أردت، إن كنت فاعلًا فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك وتوعيها قلبك. وهذا يدلنا على أنه يجوز القراءة السريعة لكن بشرط أنه لا يخل بشيء من الحروف والحركات والسكون والواجبات، أي واجبات القراءة. فأيضًا كذلك إذا كان هناك فصل في الأحرف يفصلها، إذا كان يضغم يضغمها، وهكذا يبين القراءة ويوضحها. طيب، إن شاء الله تعالى. قال هنا: قال وكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. هذا أخذنا، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.