الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 159، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث النبي ﷺ: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» مبيناً سنده وأحوال رواته، ثم يبرز عظمة الدعاء واعتصام الأنبياء والصحابة بالله وحده. ويؤكد أن صدق العبد مع ربه ودعاءه في كل شأن يجلب العون والتأييد الإلهي.
يستعرض المقطع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، ومنها دعاؤه "اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقاتل" وما علمه لفاطمة. كما يربط بين قصة النبي الذي اختار الموت على قومه وقصة يوسف عليه السلام في السنين العجاف، مبيناً أن قحط قريش كان عقوبة على إخراجهم النبي صلى الله عليه وسلم.
أصابت قريش مجاعة شديدة حتى أكلوا الميتة والعظام، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء فكشف الله عنهم العذاب. لكنهم عادوا للكفر والتكذيب، فبدل الله عقوبتهم من الجوع إلى القتل في بدر حيث قُتل كبراؤهم وسادتهم كعقوبة على تماديهم في الطغيان.
يوضح المقطع أن البطشة الكبرى المذكورة في القرآن تشير إلى يوم بدر، ويتطرق لبيان حكم في الذكر والأنثى. ثم يختم المتحدث الجلسة العلمية بتلخيص الدروس المستفادة من قصص الابتلاء والنصر.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾، والذكر والذكرى واحد». باب: «أنا الذكر والذكرى واحد على المراد، المعنى واحد، ذكر وذكرى، ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾». قال: حدثنا سليمان بن حرب، وسليمان بن حرب هو العزدي الواشح، وهو بصري ثقة، بل ثقة ثبت، وكان لا يروي إلا عن ثقة. أنا سليمان بن حرب ممن ذكر أنه كان يتحرى في الرجال فلا يروي إلا عن الثقات، وكان رجلاً مهاباً، أنا من العلماء الذين يهابون. قال: حدثنا جرير بن حازم، وهو أبو وحب جرير بن حازم البصري، وغالباً الذي يروي عن الأعمش هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، لكن جرير بن حازم أيضاً يروي عن الأعمش. لكن القاعدة كما قلنا: أنه إذا كان الإسناد كوفياً فالغالب إذا لم يذكر من جرير فهو ابن عبد الحميد الضبي، وإن كان بصرياً الذي روى عنه غالباً بصري فغالباً يكون جرير بن حازم، وأما إذا صرح به فعلى ما صرح به. فهنا صرح بأنه جرير بن حازم. قال عنه: جرير بن حازم ثقة ثبت، لكن له أوهام عن بعض المشايخ، مثل أوهامه عن قتادة. قال: عن الأعمش، عن سليمان بن مهران، عن نبي الضحى، هو مسلم ابن صبيح الكوفي، عن مسروق، مسروق ابن الأجدع الوادعي الهمداني. قال: دخلت على عبد الله، أي ابن مسعود. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف». وأعظم الدعاء الدعاء باليعانة، أن العبد إذا عانه الله عز وجل صلحت أموره كلها، صلحت أموره كلها. فالله عز وجل إذا كان مع العبد يعينه ويؤيده، فلا شك أنه ناجح وفالح في نفسه، وكذلك فيما يفعله. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان معتصماً بربه جل وعلا. من تأمل الأدعية التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام يراها كثيراً جداً، حتى ألف الإمام الطبراني كتاب الدعاء، وكتاباً كبيراً، سواء كان الدعاء في المناسبات أو الدعاء المطلق، الدعاء المطلق أو المقيد، تجد أنه دعاء كثيراً، وهذا يدلك على أهمية الدعاء، وأن المؤمن ينبغي أن يرتبط بالله وأن يعتصم بالله، «اعتصموا بالله ومولاكم فنعم المولى ونعم النصير». ولهذا كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة رضي الله عنها: كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام كل شيء، حتى إذا انقطع شسع نعلهم. ليس معنى ذلك أنهم يسألون الله شيئاً من الدنيا، إنما أرادت أن تبين أن صلتهم بالله عز وجل كبيرة وعظيمة، فلهذا فهم يسألون ربهم جل وعلا حتى على شسع النعل. أن حياتهم لله ومع الله، أن حياتهم كلها لله. وأيضاً ارتباطهم بالله عز وجل أعظم من ارتباطهم بالناس، فشكواهم لله عز وجل، وأيضاً بث همومهم لله سبحانه وتعالى لا يبثونها لغيره، لأنهم يعلمون أن كل شيء بيد الله، وأن الأمور لا تتغير إلا بالله سبحانه وتعالى، هو مغير الأمور، كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾. فلهذا إذا صدق العبد مع ربه وناجى الله عز وجل، وجعل سره كله مع الله وهمومه كلها مع الله، ودعا ربه جل وعلا في كل شيء، لا شك أنه سيصلح الرب جل وعلا هذا العبد، وكذلك أيضاً سيؤيده ويعينه، لأنه جعل الله عز وجل هو المعين له. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم، بل الأنبياء، كانوا شديدي العلاقة بالله والارتباط بالله سبحانه وتعالى، فجعلوا أمورهم كلها لله. فهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف». كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقاتل». وهذا قالها عليه الصلاة والسلام لما ذكر أن نبياً من أنبياء الله عز وجل أدموه قومه، كان يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وقالها في الحديث الآخر، لما قالوا في الصحيحين: قالوا: يا رسول الله، إن سمعناك تهمس، فماذا تقول؟ فقال: «إن نبياً من أنبياء الله غره كثرة قومه، فقال: أنه لا يهزم، فأوحى الله عز وجل إليه أن اختر ثلاث خصلات، أحد هذه الثلاثة: اختر أحد هذه الثلاثة: الموت، أو القتل، أو السنة الجوع». مع ما إما أن نسلط عليهم الجوع، أو القتل، أن هناك من يقتلهم عدواً يقتلهم، أو الموت. أنا أيها أخف هذه الثلاثة؟ جوع، وقتل، وموت. الموت، الموت. أهو أنا؟ اختار نبي الله هذا النبي، اختار الموت، أن الجوع تعذيب، والقتل كذلك يسلط عليك العداء، لكن اختار هذا النبي الموت، فمات من قومه سبعون ألفاً في يوم واحد. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم بك أصول وبك أجول وبك أقاتل». أنا أنه اعتصم بالله جل وعلا، وكل أمره إلى الله، وأنه لا ينفك عن الله عز وجل طرف عين. الآن من الدعاء الذي جاء في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم علم فاطمة ابنته هذا الدعاء: «اللهم برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين». اللهم برحمتك أستغيث، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين. معناه: ليس هناك وقت أكون موكلاً إلى نفسي، بل كل وقت استعانة بالله جل وعلا وبالله سبحانه وتعالى. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». معناه: إذا أردت أن تقدم على شيء، أولاً: هل هذا شيء نافع لك في دينك وفي دنياك؟ فاحرص عليه إذا كان نافعاً، لكن لابد أن تستعين بالله جل وعلا وتتوكل عليه في هذا الأمر. فلهذا فالدعاء والارتباط بالله عز وجل من أعظم الأمور. لهذا في القرآن: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾، عندما يذكر ربنا جل وعلا دعاء الأنبياء، يذكر الاستجابة، ومقدمة بالفاء التي هي فاء الترتيب والتعقيب، أنه يدعونه فيستجيب لهم. قال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف»، أي جوع، أنا سبع سنين دأباً متوالية، كما حصل لقوم يوسف، لما رأى الملك وقال الملك: ﴿ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾. فهذه الرؤية فسرها يوسف: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴾. أنا احفظ هذا السنابل للسنوات التي ستأكل. ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴾. فتنتهي هذه مما حصنوه ومما خزنوه. ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾. أن جوع شديد جداً ينتهي ما خزنوه من الطعام. فجعلها الله عز وجل في سبع سنين، معناه في القحط ما عندهم مطر، أو إن كانت مطر قليلة، فأصابهم الجوع. وهكذا حصل لقريش لما دعا عليهم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الدعاء، صابتهم سنة حطت كل شيء، معناه كل شيء ذهب عليهم، ولم تأتهم أيضاً بضائع من غيرها من البلاد. الله عز وجل امتن على قريش وعلى مكة خاصة بأن الله عز وجل وفر لهم الطعام: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا ﴾. الله عز وجل جعل الرزق يأتي إلى مكة من كل مكان، لكن أصابتهم هذه السنة، حقوبة من الله أنهم أخرجوا نبيهم يوم صلى الله عليه وآله وسلم، فغضب الله عز وجل عليهم، وجعل هذه السنة وهذا القحط وهذا الجوع الذي جعله على قريش. قال عبد الله: المسعول حتى كانوا يأكلون الميتة. في الرواية التي تقدمت: كانوا أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، يأكلون العظام، عظام الميتة، ما يتركون حتى الميتة. حتى صارت بعد ذلك فيهم أي أكل الميتة ديناً أو شيئاً صار عادياً، يأكلون الميتة دائماً. بل وضعوا شبهة للمسلمين: أنكم كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ وأنزل الله عز وجل بعد ذلك: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾، أي أطعتموهم في تحليل الميتة. قال عبد الله: المسعودي، وكان يقوم أحدهم فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجهد والجوع. أن أصابهم الجوع والجهد، لم تأتهم بعد ذلك شيء من المناطق الأخرى. فلهذا جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وطلبوا منه أن يدعو لهم أن يكشف عنهم هذا العذاب: ﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾. ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾. ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾. أنهم لما رأوا ذلك قالوا: لو كان مثلاً الإيمان سيرد إلينا هذه النعمة التي كانت عندنا وهو الرزق الوفير، سنؤمن. لكن لما الله عز وجل يقول: ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى ﴾، كيف يتذكر هؤلاء وقد جاءهم رسول مبين واضح وهم يعرفونه ولم يتذكروا؟ هل سيتذكرون بهذا؟ ﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ﴾. ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾. أنا بعد أن فتح الله عز وجل عليهم وأن جاءهم المطر جاءهم النبات. قال: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾. وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾. أي على ما كنتم عليه من الكفر والطغيان. لكن غير الله عز وجل عقوبته، بدل ما يكون جوع وقحط، كانت عقوبة أعظم منها وهي القتل، أن سلط الله عز وجل عليهم أهل الإسلام، وأيضاً قتلوا ساداتهم وكبراءهم، وكذلك مقدموا قريش، قتلهم الله عز وجل في بدر. سلط الله عز وجل عليهم أهل الإسلام. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾. ربنا جل وعلا انتقم من هؤلاء الظلمة، فهو سبحانه وتعالى ينتقم من من يستحق ذلك، وليس من أسمائه المنتقم، لكن ينتقم من من يستحق الانتقام من أهل المكر وأهل الفجور الذين يريدون أن يمكروا، وكذلك يعادوا أهل الإسلام. فلهذا انتقم الله عز وجل منهم في بدر. أنا كان غير الله عز وجل العذاب، كان الجوع، فكشف الله عز وجل عنهم الجوع، ثم أتى لهم بالقتل، سلط الله عز وجل عليهم أهل الإسلام، فقتلوهم وقتلوا كبراءهم الذين كانوا يتفاخرون بهم، ك الوليد بن عتبة، أو ربيعة بن شيبة، وعتبة وربيعة بن شيبة، وربيعة بن عتبة، كانوا من كبراء القوم، كذلك الوليد بن المغيرة، كذلك أيضاً عقبة بن أبي معيط، وغيرهم من هؤلاء الذين كانوا يتفاخرون بهم. وذلك أيضاً فرعون هذه الأمة، أبو جهل، الكافر العنيد، الذي عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كان من أشد الناس أذى لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فصار مصرعه في بدر. وهذه أعظم خسارة خسرها أولئك الكفار، أن قادتهم وكبراءهم قتلوا في تلك المعركة، وهي أول معركة حصلت بين المسلمين وبينهم، فخسروا تلك الخسارة العظيمة. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾. قال: قال: قال عبد الله: فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة. أنا هاؤلا، كيف الله عز وجل كشف عنهم العذاب في الدنيا ولم يعتبروا بذلك، بل رجعوا إلى ما هم عليه من الكفر والطغيان، فكيف يكشف عنهم العذاب يوم القيامة؟ قال: البطشة الكبرى يوم بدر. قوله: الذكر هو والذكر سواء. طيب، إن شاء الله أكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.