الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 161، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل الدرس بشرح معاني ألفاظ من سورة الجاثية مثل «جاثية» و«نستنسخ» و«ننساكم» مبيناً دلالاتها اللغوية والشرعية. ثم يسرد سند أول حديث في صحيح البخاري (حديث النية) موضحاً طريق الحميدي عن سفيان بن عيينة وعلاقتهما بالإمامين الشافعي وأحمد.
يذكر الشيخ سند الحديث المتصل إلى سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مع التنويه بمكانة سفيان العلمية. ثم يشرح حديث «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» رداً على مقالة المشركين بأن الدهر هو المهلك.
يبيّن المقطع أن سب الدهر محرم لأنه يعود على الله خالق الدهر ومقلب الليل والنهار، مؤكداً أن الدهر ليس من أسماء الله الحسنى بل هو مخلوق. كما يحذر من التشاؤم بأيام أو شهور معينة كنهاية صفر معتبراً ذلك شركاً وأذى لله تعالى.
يؤكد الدرس أن المؤمن إذا أصابه مكروه يدرك أنه بقضاء الله وقدره فيصبر ويحتسب ويتوجه بالدعاء إليه وحده. ويذكر أن الأمر كله بيد الله الذي يقلب الليل والنهار وهو القادر على كشف الضر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة الجاثية. قال: «جاثية: مستوفين على الركب». وقال مجاهد: «نستنسخوا: نكتب». قال: «ننساكم: أي نترككم». فهذه بعض الكلمات التي ذكرها المؤلف البخاري في معنى هذه الكلمات من سورة الجاثية. فقال: «جاثية: أي مستوفين على الركب»، وهذا قول مجاهد كما عند الطبري. والجثو هو الجلوس على الركب، أو النزول بالركبة إلى الأرض. وكل أمة جاثية: أي أنها جالسة على ركبها، يجلسون على ركبهم ينتظرون أمر الله عز وجل، فلا يستطيعون الفرار لأن الملائكة تحيط بهم، فيجلسون ينتظرون أمر الله في الفصل بين العباد. ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، ليس فيه باطل أبدًا، بل كل ما عملتم في هذا الكتاب. ووضع الكتاب، فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. فإذا وضع الكتاب وقرأ عليهم بما كانوا يعملون، وهذا معنى قوله جل وعلا: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، أي يقرأ فيه ما كنتم تعملون. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: «نستنسخ: أي نكتب»، لأن النسخ هو الكتاب، يكتب ما عنده، ينقله إلى مكان آخر. فلذلك كان معنى الله عز وجل يخبر عباده أنه يكتب ما يعملون. جعل الله عز وجل ملائكة تكتب ما يعمل ابن آدم: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. يكتبون الحسنات والسيئات. قالوا: قوله ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾: أي نترككم، وهذا قول عبيدة، وجاء عن قتادة: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾، أي اليوم نترككم كما تركتم. والمراد: لأن الله عز وجل سبحانه وتعالى لا ينسى، بل له كمال القيومية سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. فمن كمال قيوميته سبحانه وتعالى أنه يعلم كل شيء سبحانه جل وعلا. فلذلك ليس المراد هنا لأنه ينساه، ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ المراد: نترككم كما تركتم شرعنا، وكما تركتم ديننا الذي أرسلنا به الرسل، فاليوم نترككم في العذاب. لأن من نسي فقد ترك، ومن نسي فقد ترك بغير عكس، فليس كل من ترك فقد نسي. فلذلك فقوله جل وعلا: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾، أي اليوم نترككم كما تركتم دين الله، ونسيتم هذا اليوم، تركتم ما تتجهزون به لهذا اليوم العظيم. ثم قال: حدثنا الحميدي. الحميدي هو عبد الله بن الزبير الحميدي، أبو بكر الحميدي، القرشي البخاري، رحمه الله. ابتدأ به في أول حديث في الصحيح. أول حديث في الصحيح هو حديث النية: «إنما الأعمال بالنيات». وابتدأ به بهذا شيخه الحميدي. قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان -أي ابن عيينة- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب. فالحميدي رحمه الله كان ملازمًا لسفيان، وأكثر عن سفيان. ولما لقي الشافعي لزم الشافعي. كان ينكر على أحمد: كيف تترك سفيان وتأخذ عن الشافعي؟ فأخذه الإمام أحمد إلى مجلس الشافعي، فأعجبه كلام الشافعي، فتأثر به وبقي معه في العراق. ثم لما ذهب إلى مصر ذهب معه إلى مصر، ثم رجع بعد ذلك إلى مكة. الحميدي يعتبر مكيًا قرشيًا. قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، الإمام. قال يحيى بن سعيد: سفيان بن عيينة إمام منذ أربعين سنة، وكان يحدث حتى قال: «مَلِلْتُ من الحديث» من كثرة مجالسه. حدث سبعين سنة أو أكثر، ومع هذه الإمامة إلا أنه كان يتمثل بذلك الشعر: «خَلَتِ الدِّيَارُ فَصِرْتُ غَيْرَ مُسَوَّدِ ... وَمِنَ الْبَلِيَّةِ تَفَرُّدِي بِالسُّؤْدُدِ». يقول: هذا ابتلاء أن أكون أنا من سادات الناس ومعهم ومقدميهم. هذا تواضع منه رحمه الله، وإلا فهو إمام، إمام من أئمة الإسلام، وفقيه من فقهاء الإسلام. قال: حدثنا الزهري. وسفيان لقي الزهري في مكة، لقيه سنة ١٢٣، ولم يلقاه إلا هذه المرة. وكان سفيان لا يزال صغيرًا، الفتى لم يبلغ العشرين بعد. وجاء الزهري في تلك السنة مع بعض الأمراء، وجلس ستة أشهر في مكة، فلزمه سفيان وأخذ عنه. ثم خرج بعد ذلك للمدينة، وتوفي رضي الله عنه -أي الزهري- توفي في أول سنة ١٢٤. وسفيان رحمه الله أخذ عن الزهري كثيرًا، وأخذ عن عمرو بن دينار، فلذلك احتاج الناس إليه. احتاج الناس إليه لما جاء إلى الكوفة وهي بلدته، قال له الناس: حدث. قال له مسعر بن كدام: حدث أبا محمد. فقال سفيان: أنا أحدث بعد؟ أنا صغير، كيف أحدث؟ فأسنده مسعر وقال: حدث، ومعك الزهري وعمرو بن دينار! أنت لست بحدث، كيف معك حديث الزهري وعمرو بن دينار؟ هؤلاء الذين يبحث الناس عن أحاديثهم. فكان يحدث وهو صغير، لم يبلغ العشرين، أو بلغها، أو بداية العشرين. مع أن هذا السن ما كان أحد من أهل الحديث يحدث به، حتى أن بعض أهل الحديث كان يشترط في التحديث -خاصة ليس في السماع- بالتحديث أنه لا بد أن يبلغ، وأنه لا يحدث حتى يبلغ. لكن كما قال بعض العلماء كالحافظ وغيره: أن هناك من العلماء من حدث قبل، كسفيان الثوري والبخاري، أو سفيان بن عيينة والبخاري، وجماعات من أهل العلم حدثوا وهم صغار. قال: حدثنا الزهري، ومحمد بن مسلم، عبيد الله بن عبد الله. إن شهاب الزهري رحمه الله كان آية في الحفظ. قال: عن سعيد بن المسيب. سعيد إمام من أئمة أهل المدينة، ومن فقهاء سبعة، وهو أعلمهم بإجماع العلماء. سعيد بن المسيب أعلم أهل المدينة، أعلم فقهاء أهل المدينة، أعلمهم في العلم وفي الفقه. قال: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». هذا الحديث ذكره هنا لقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [سورة الجاثية: ٢٤]. فهم نسبوا الهلاك إلى الدهر، وهذا نسبهم الهلاك إلى الدهر، أي نسبة إلى الأيام، نسبة إلى الزمان، وعنى: يهلكهم الزمان، ولا يهلكهم الله. وهذا كفر بالله جل وعلا. أولاد دهرية ينكرون ربهم سبحانه وتعالى. ومن خلق الدهر إلا الله؟ فلذلك فهم جهلوا، نسبوا موتهم وهلاكهم إلى الدهر. والله عز وجل قال في الحديث: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». بيّن هنا ربنا جل وعلا أن هناك هذا الدهر، وهناك الرب جل وعلا هو الذي يتصرف فيه: «بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». فهناك مقلَب ومقلَب، أي الله عز وجل يقلب الليل والنهار، يجعل الليل ويجعل النهار، وهذا هو الدهر. فالذي يسب الأيام والليالي هو أصلًا يسب هذا الزمان، لكن سبه هذا لأن الله عز وجل معناه يرجع إلى الله، لأن الله عز وجل هو الذي يقلب الليل والنهار. فالذي يسب الليل والنهار يسب الله لأنه هو الذي يقلبهما. ولهذا لا يجوز للمسلم أن يسب الزمان، سب الأيام، لأن هذا فيه أذى لله عز وجل. وليس كما قلنا: أن الدهر اسم من أسماء الله، كما ظنه بعض أهل البدع، وأثبته ابن حزم على أنه اسم من أسماء الله. لأن الله عز وجل يقول: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ فَيَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». بيّن هنا أن هناك هذا الدهر، هناك الرب جل وعلا هو الذي يتصرف فيه. فهناك مقلَب ومقلَب، أي الله عز وجل يقلب الليل والنهار، يجعل الليل ويجعل النهار، وهذا هو الدهر. فالذي يسب الأيام والليالي هو أصلًا يسب هذا الزمان، لكن سبه هذا لأن الله عز وجل معناه يرجع إلى الله، لأن الله عز وجل هو الذي يقلب الليل والنهار. فالذي يسب الليل والنهار يسب الله لأنه هو الذي يقلبهما. ولهذا لا يجوز للمسلم أن يسب الزمان، سب الأيام، لأن هذا فيه أذى لله عز وجل. وليس كما قلنا: أن الدهر اسم من أسماء الله، كما ظنه بعض أهل البدع، وأثبته ابن حزم على أنه اسم من أسماء الله. لأن الله عز وجل جعل الدهر شيئًا آخر وهو الليل والنهار. فلذلك إنما قال: «أَنَا الدَّهْرُ» لأنه يقلبه وهو بيده، أن ينسب إليه. فلذلك قال أهل السنة جميعًا: أن الدهر ليس من أسماء الله عز وجل، لأنه اسم جامد. وإنما قوله «أَنَا الدَّهْرُ»: أي أنا صاحب الدهر، وأنا الذي أقلب الليل والنهار. أي: من سب الدهر سب الله لأنه ينسب إليه الدهر. فلذلك كما قلنا: فليس الدهر اسمًا من أسماء الله عز وجل، لأنه اسم جامد غير مشتق. وكذلك أيضًا في الحديث يبين الله عز وجل أن الدهر بيده، أن هذا الدهر هو بيده يقلبه كيف يشاء. فليس هو الله، وإنما هو شيء آخر. فلذلك كما قلنا: فليس الدهر من أسماء الله عز وجل. قال الله عز وجل: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ». أيضًا فيه: أن من سب الأيام والليالي فإنه يسب الله عز وجل. يؤذيني فيقول: هذا اليوم نحس، هذا اليوم مشؤوم، وهذا اليوم أيضًا كذا وكذا. مثل ما يتشاءم بعض الناس ببعض الأيام، يجعل مثلا -مثل ما يعتقد بعضهم- أن آخر الأربعاء في صفر يوم مشؤوم، فيتشاءم به. فهو الآن ارتكب أمرين عظيمين: أولاً أنه تشاءم، والشؤم لا يجوز التشاؤم بالأيام وغيرها. والأمر الثاني: أنه أيضًا جعل هذا سبًا لهذا اليوم، جعله مشؤومًا. وكذلك أيضًا من يسب مباشرة، يقول مثلاً: لعن الله ذلك اليوم، أو يقول: ذلك اليوم يوم كذا، وأكره ذلك اليوم، وكأن ذلك اليوم هو الذي يدبر أو دبر له، أو أحدث له ذلك الشيء. فكل هذا لا ينبغي، ويجعل الأمر لله عز وجل، ويصبر. إن أصابه شيء يعلم أنه من الله، يعلم أنه من الله سبحانه وتعالى، فيصبر ويدعو الله عز وجل، فإن الأمر بيده سبحانه وتعالى، وهو الذي يقلب الليل والنهار. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.