كتاب الزكاة 1

الدرس في كتاب الزكاة 1، ألقاها

مقدمة في الزكاة ووجوبها

الزكاة واجبة شرعًا على كل مسلم حر بإخراج جزء من مال مخصوص. وهي من مباني الإسلام العظيمة.

شروط وجوب الزكاة واستثناءاتها

تجب الزكاة إذا ملك المسلم نصابًا مستقرًا وحال عليه الحول، باستثناء الخارج من الأرض. يشترط لوجوبها ملك النصاب واستقراره وحلول الحول.

أنواع الأموال التي تجب فيها الزكاة

تجب الزكاة في أربعة أنواع: السائمة من بهيمة الأنعام، الخارج من الأرض، الأثمان، وعروض التجارة. ولا تجب إلا إذا بلغ المال نصابًا.

تفاصيل زكاة الأغنام ونصابها

نصاب الأغنام أربعون، وزكاتها شاة واحدة حتى مئة وعشرين. يبين هذا الفصل كيفية حساب زكاة الأغنام بناءً على عددها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام موافق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه": كتاب الزكاة. والكتاب كما مر معنا مرارًا من الكتب، وهو الجامع، والمراد به هنا جمع مسائل من نوع واحد أو من جنس واحد. وقبله رحمه الله تعالى كتاب الزكاة، أي هذا الكتاب مختص بجمع مسائل الزكاة والكلام عليها. والزكاة في اللغة يرجع معناها إلى أمرين: الأول بمعنى النماء، يقال زكاة الزرع إذا نمى. ويطلق ويراد به الطهارة والتطهير، ومنه قول الله جل وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي زكا النفس بأن طهرها من الذنوب والمعاصي، وعلى رأسها الشرك بالله تبارك وتعالى. والزكاة شرعًا كذلك مأخوذة من معناها اللغوي، فعرف العلماء رحمهم الله تعالى الزكاة بتعريفات كثيرة، من أحسنها أن الزكاة إخراج جزء مال واجب شرعًا من مال مخصوص في زمن مخصوص لجهة مخصوصة. وهذا التعريف يكون لعله يكون من أحسن التعاريف للزكاة، فهو جزء مال مأخوذ من مال مخصوص. وهذا المال المخصوص كما سيأتي معنا أنه يبلغ النصاب، وفي أموال محصورة يأتي بيانها بإذن الله تبارك وتعالى. وكذلك في زمن مخصوص بأن يدور الحول على ذلك المال، وكذلك في جهة مخصوصة، وفي أصناف مخصوصين تخرج عليهم الزكاة كما سيأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وهي واجبة على كل مسلم حر. والزكاة واجبة بدليل الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِينِ﴾. ومن السنة أحاديث كثيرة، منها ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة..." فهي واجبة، وهي من مباني الإسلام العظيمة. ووجوبها مجمع عليه، لا خلاف بين العلماء في وجوبها، بل وجوبها من الأمور المعلومة في دين الله تبارك وتعالى بالضرورة. وقوله رحمه الله تعالى: وهي واجبة على كل مسلم حر، هذا باتفاق العلماء رحمهم الله تعالى. وزاد بعضهم: عاقلًا بالغًا، فيجب على كل مسلم حر عاقل بالغ. ووقع الخلاف فيما سوى هؤلاء، مثل الصبي هل في ماله زكاة؟ والمجنون هل في ماله زكاة؟ وما شابه ذلك. والصحيح أن في مال الصبي والمجنون الزكاة؛ لأن النظر في ذلك إلى سبب الزكاة، وهو وجود النصاب. لأن السبب إذا وجد وجد معه الحكم، لذا ذكر من ذكر من الفقهاء، وهو قول الجمهور، أن الزكاة تجب في مال الصبي وفي مال المجنون كذلك؛ لأنها من الأحكام الوضعية، إذ أنها وجبت لأجل وجود سبب الزكاة، وهو ملك النصاب. وقوله رحمه الله تعالى: وهي واجبة على كل مسلم حر، خرج الكافر. وقوله: حر، خرج العبد؛ لأن مال العبد مال لسيده، فهو في الحقيقة ليس بمالك حقيقة. قال رحمه الله تعالى: وهي واجبة على كل مسلم حر ملك النصاب. وسيأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى مقدار ذلك النصاب. قال: ملك نصابًا ملكًا تامًا. ومعنى ملكًا تامًا أي مستقرًا. قال رحمه الله تعالى: ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، أي لابد كذلك في ذلك المال أن يحول عليه الحول، أي أن تدور عليه سنة. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الزكاة تجب إذا توفرت شروطها. وشروطها كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: أولًا ملك النصاب، والأمر الثاني استقرار النصاب، والأمر الثالث حلول الحول، أن يحول عليه الحول، إلى جانب ما تقدم. أي أن يكون ذلك المال ملكًا لمسلم حر عاقل، إلى غير ذلك. فقول العلماء رحمهم الله تعالى: أن يكون مالكًا للنصاب، بمعنى أن الزكاة لا تجب حتى يبلغ مال الإنسان النصاب. والنصاب كما يقول الفقهاء، وكذلك الأصوليون، يقولون بأنه هو السبب في الحكم؛ إذ أن الزكاة كما يقول الأصوليون وكذلك الفقهاء معللين لها أنها سبب أن الله جل وعلا أوجب الزكاة بسبب نعمة ملك النصاب. فلما كان من نعمة الله تبارك وتعالى على العبد أن ملكه النصاب، أوجب الله جل وعلا أن يخرج جزءًا من ذلك النصاب صدقة تكون طهرة له ولماله، وتكون كذلك سببًا لنماء ذلك المال ولحصول البركة فيه. فملك النصاب يعتبر من الأسباب. وعلى أن بعض الفقهاء والأصوليين لا يميزون بين الشرط والسبب، فيذكرون النصاب تارة في الأسباب وتارة في الشروط. وقوله رحمه الله تعالى: وهي واجبة على كل مسلم ملك نصابًا ملكًا تامًا، أي مستقرًا. ومعنى ملكًا تامًا أن يكون الملك تامًا، أي له حرية التصرف في ذلك المال، وأن يكون كذلك المال مستقرًا، ذلك النصاب مستقرًا، بمعنى أنه يزيد لا أن ينقص. يعني مثال ذلك لو أن الإنسان عنده نصاب، وفي أثناء السنة نقص ذلك النصاب عن قدره، فهل تجب في ذلك المال الزكاة؟ الجواب لا، ما دام أن النصاب ما استقر. قال رحمه الله تعالى: ولا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، أي دور الحول على ذلك المال الذي قد بلغ النصاب. إلا الخارج من الأرض، الخارج من الأرض من الزروع والنبات. قال: ونماء النصاب من النتاج والربح، فإن حولهما حول أصلهما. وقوله رحمه الله تعالى: إلا الخارج من الأرض، فإنه لا يجب فيه دوران الحول، بل يخرج منه الزكاة وقت حصاده، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾. فزكاة الزروع تكون عند الحصاد، ولا يشترط فيها دوران الحول. وكذلك الخارج، قال: نماء النصاب من النتاج والربح، نماء النصاب عنده. مثال ذلك لو أن إنسانًا عنده خمس من الإبل نتجت تلك الخمس خمسًا أخرى، وصاحب العشرين دينارًا اتجر به فربح فوق العشرين عشرين، فهل تجب الزكاة على جميع المال باعتبار أصله؟ أم أنه يقال يحسب للخارج أو للناتج من ذلك المال باعتبار خروجه؟ الجواب أنه يخرج عنها جميعًا في شهر ذي الحجة؛ لما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى من أن الناتج من الأصل يكون تابعًا لأصله. كذلك لو أن رجلًا عنده عشرون دينارًا في شهر ذي الحجة اتجر بها ورابح فيها، فما جاء العام الجديد حتى صار عنده مئة دينار، هل يقول سأخرج الزكاة عن عشرين دينار والمئة دينار؟ الجواب كالجواب السابق. بمعنى أن الناتج من الأصل يكون حكم وحكم الأصل، فيلحق به فيكون الحول معتبرًا باعتبار أصل ذلك المال، والناتج يكون تابعًا لذلك الأصل. قال رحمه الله تعالى: ولا تجب الزكاة إلا في أربعة أنواع، أي أربعة أنواع من الأموال: السائمة من بهيمة الأنعام، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا من هي السائمة. وخلاصة أن السائمة هي التي تسوم فتأكل من الكلاء والمرعى دون أن تحتاج إلى من يطعمها، لا تحتاج إلى كلفة في إطعامها. هذه تسمى سائمة. قال رحمه الله تعالى: السائمة من بهيمة الأنعام. وقوله رحمه الله تعالى: من بهيمة الأنعام، يدخل فيها أنواع ثلاثة: الإبل والبقر والغنم، فخرج ما سواها. فيخرج من ذلك ما سوى الإبل والبقر والغنم. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن ما سوى ذلك لا يجب فيه الزكاة. قال رحمه الله تعالى: والخارج من الأرض، الخارج من الأرض المراد به ها هنا الزرع. وذكر كذلك من ذكر من أهل العلم أنه يخرج منه كذلك المعادن. فإن خارج من الأرض سيأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا. فيدخل في الخارج من الأرض الزروع والثمار والحبوب، وكذلك يدخل فيها ما خرج من الأرض من المعادن. قال: فكل خارج من الأرض فإنه تجب فيه الزكاة. قال: والأثمان، والأثمان كذلك الأثمان ذهب من الذهب والفضة. قال: وعروض التجارة، وكذلك عروض التجارة سيأتي الكلام على هذه الفصلة بإذن الله تبارك وتعالى. فهذه أنواع هي التي تجب فيها الزكاة: السائمة من بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والأثمان، وعروض التجارة. قال: ولا زكاة في شيء من ذلك حتى يبلغ نصابًا، أي لا بد أن يبلغ ذلك الشيء أو هذه الأمور المذكورة حتى تبلغ النصاب. قال: وتجب فيما زاد على النصاب بحسابه، بما زاد على النصاب بحسابه. ما معنى بحسابه؟ المثال ذلك الذهب نصاب عشرون دينارًا، لو أن إنسانًا كان عنده ثلاثون دينارًا، فالجواب أنه بحسابه. العشرون الدينار فيه ربع العشر، فكذلك ثلاثون دينار كم فيه ربع العشر؟ مئة دينار كم فيه ربع العشر؟ وما زاد فبحسابه. قال: إلا سائمة، فلا شيء في أوقاصها. أي من الإبل والبقر والغنم فلا شيء في أوقاصها. أوقاصها كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى هو الكسر بين النصابين، الكسر بين النصابين. يعني مثال ذلك الأغنام نصابه أربعون، فلو أن إنسانًا عنده خمسون من الشاء، لا شيء عليها إلا شاة واحدة. عنده ستون، سبعون، ثمانون، تسعون، مئة، مئة وعشرة، لا شيء عليه إلا شاة واحدة حتى يبلغ إلى مئة وعشرين. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على